الراصد القديم

2011/09/15

شبكة استخبارات سرية لحزب الله : معنا وبيننا، ولا نعرفها!


ينقر أذنه بالزمور : " لوين واصل يا استاذ؟ " يصعد الشاب الى "المرسيدس" ذات الموديل القديم. يمضّ السائق سيجارته بلهفة و"جوع" ، فيشكل الدخان السامّ حاجزا يعزله عن المقاعد الخلفية ، وعن الشاب ، ابن جلّ الديب ، المتوّجه الى عمله في وسط بيروت. سرعان ما تتبدد " غيمة" الدخان ، ليبدأ سيل الأسئلة بالهطول.

أسئلة وتساؤلات ومواقف رنانة تصدر وفق تكتيك مدروس....يبدأ سائق الأجرة بتشغيل الراديو بحثا عن نشرة أخبار. مطلق اي نشرة أخبار، لا يهمّ. يلتقط " ذبذبات" خبرية ما ، ليبدأ بارسال إشارات تذمرّ من الوضع الاجتماعي والمعيشي العام. يروي على مسامع الشاب العشريني رواية البنزين وكيف انه يضطر الى اطفاء محرّك سيارته في الزحمة او عند الاشارة الحمراء. " الله يساعدنا ويريّحنا" ، يرددّ مرات. يهزّ مشغلّ سيارة الأجرة رأسه في دلالة منه الى التضامن مع من " يكدح " طوال الليل والنهار بحثاً عن لقمة العيش. يسارع السائق الى استغلال جوّ " الالفة" الذي نشأ بينه وبين " الراكب" رغم ان الأخير يفرك عينيه من شدّة النعاس، ويتثاءب.

حظّ السائق وفير: في أبرز العناوين : اشتباكات مسلّحة بين عناصر من حزب الله وشبان في برج البراجنة أوقع عددا من الجرحى. الخبر، "زبدة على فطيرة" بالنسبة "للشوفير". انه مفتاح الحديث، بل مفتاح المهمة!..." يا عمّي تفضل، كل يوم والثاني مشكل"، يقول سائق الاجرة. الشاب يتأفف ، وتلقائيا تصدر منه الشتائم بحق السلاح غير الشرعي وميليشيوية المقاومة. يجاريه السائق فورا في موقفه وسبابه ، يسايره ويزايد عليه. تصبح " الجلسة" حامية، والقلوب "مفتوحة". هكذا يتنقل الحديث من الضاحية الى منزل الشاب في جلّ الديب وما يحيطه ، الى " بيت الوسط " ووسط بيروت حيث يعمل ، وبماذا يعمل، الى الرابية وقصورها الفخمة و"سفارتها" ، الى بكفيا و"طقسها"، مرورا بدير الزور و"المجازر" في درعا، وصولا الى باحة البيت الابيض في واشنطن و"اخواته". وطبعا لا يحلو الكلام اذا خلا من القرار 1701 وقوات اليونفيل و"حجارة" أهل الجنوب ، ورمانه انطلياس وقارورة الرويس.

كان الشاب "يفشّ" خلقه، ويتحدث في السياسة واسرارها. فهو "كبير وفهمان"...وسائق الأجرة كلّه آذان صاغية!

الى جانب الطريق، وقفت صبية جميلة تنتظر من يقلّها الى السوق. سرعان ما اضحت جالسة الى جانب الشاب في المرسيدس عينها. تُستكمل الخبريات والآراء بوتيرة أهمّ. العشريني يريد جذب انتباه الفتاة وأسرها معجبة به وبمعلوماته الدقيقة والحصرية عما يدور في البلد. لذا، يفرغ ما في جعبته من اسرار ومعلومات سمعها في الآونة الاخيرة، حتى انه لا يمتنع عن كشف خصوصيات الشركة حيث يعمل، وكيف ان مديرها ، الثريّ ، يدخل قصور كبار السياسيين، وكأنه واحد من أهل البيت.

وسائق الاجرة، كلّه آذان صاغية.

في العادة يصل الشاب عمله في ربع ساعة او اكثر بقليل. هذه المرّة طالت المسافة. " لعلها الزحمة" يقول الشاب في قرارة نفسه وهو يودع صديقه " التاكسي". يعود الاخير ادراجه صوب قلب المنطقة المسيحية، حاملا غلّة "حرزانة" ، سيودعها عند انتهاء " الدوام"...في ضاحية حزب الله!

أليس المشهد مألوفا؟ هو كذلك، ويتكرر في كلّ لحظة ، انما بسيناريوهات مختلفة وأساليب متعددة ، وضحايا ومعلومات وفيرة. ولم يكن الهدف من عرضه بتفاصيلة و"طبيعيته" الا لتأكيد صحّة المعلومة التالية.

اذ ووفق معلومات مؤكدة ، فقد تبيّن انه من بين أساليب العمل الاستخباراتي الذي يقوم به حزب الله لجمع معلومات حول اشخاص واماكن وشوارع وعناوين شقق وأسماء أصحاب محلات تجارية...، فانه عمل الى تشغيل شبكة استخبارات، تموّل نفسها بنفسها الى جانب ما تحصل عليه من "مال نظيف" من قبل مشغليها. نطاق عمل هذه الشبكة يرتكز على المناطق المسيحية ، ويصعب جدا كشفها او الشكّ بها ، نظراّ لأنها مؤلفة من ....سائقي أجرة!

فهؤلاء، ومعظمهم يملكون لوحات مزوّرة ويعملون بطرق غير شرعية ، يعمدون الى " سحب" أدقّ وأصغر التفاصيل من " الركاب" الذين يستقلون سياراتهم، فيبدأون بسؤالهم عن أشخاص وشوارع واماكن معيّنة ، ودائما باسلوب مرن وتحت غطاء انهم " تاكسي".

ويستفيد هؤلاء من الاحاديث التي تدور بين الاشخاص داخل سياراتهم، فيتمكنون بذلك من " شمشمة" الوضع العام السائد ، و" يستنبشون " ما توّفر من معلومات وخفايا.

هكذا ، يجمع حزب الله معلومات عن كلّ شبر من المناطق المسيحية التي بات لسكانها ملفات في الضاحية الجنوبية ومراكز القرار والتخطيط عند "المقاومة".

وتشكلّ شبكة " سائقي الاجرة" السريّة التابعة لحزب الله عنصرا اساسيا يخوّله، اضافة الى التنصت الذي يجريه على مكالمات اللبنانيين الهاتفية، من مراقبة ما يجري على الارض ميدانيا ، وسبر أغوار دماغ الرأي العام اللبناني، والتقصيّ حول كلّ الاماكن في البلاد، بدءا من منزل الشاب في جلّ الديب وصولا الى القصر الجمهوري في بعبدا.

على هذا النحو، وبعد الـValet Parking وعمّال المراقبة في مطار بيروت،يؤكد حزب الله مرة تلو الاخرى ان نصف الشعب اللبناني بالنسبة له ، ليس سوى عدوا يوازيه بالاسرائيلي...يراقبه هذه المرّة عبر...التاكسي!

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر