الراصد القديم

2011/09/24

لماذا يؤيّد ميشال عون النسبيّة؟


الجمهورية

شارل جبّور

لا يختلف اثنان أن الأولوية لدى العماد ميشال عون لم تكن يوما تحصيل حقوق المسيحيين أو الدفاع عن هذه الحقوق، ومقاربته للوضع المسيحي هي مُستجدة عمليّا، وقد بدأت تحديدا بعد عودته إلى لبنان، إذ منذ تكليفه رئاسة الحكومة الانتقالية في العام 1988 وصولا إلى العام 2005، كان يُحاذر باستمرار الكلام بخطاب مسيحي، إنما كل تركيزه كان على مسألة إخراج "الاحتلال السوري". وأمّا تحفظه على اتفاق الطائف فلم يكن من زاوية انتزاع "صلاحيات مسيحية"، بقدر ما كان يقول إن هذا الاتفاق يشوبه الالتباس في مضمونه السيادي المتعلق بإعادة تمَوضع الجيش السوري، وصولا إلى انسحابه الكامل من لبنان.

فالخطاب العوني المسيحي بهذا المعنى هو مُستجد، بينما كان يفترض بهذا الخطاب أن يكون، على سبيل المثال، "مسيحيّا" إبّان الحرب اللبنانية، حيث كان الانقسام من طبيعة طائفية، وحتى بعد انتهاء هذه الحرب عندما تمّ الانقلاب على اتفاق الطائف بتحوّله إلى طائف سوري عمل على استهداف المسيحيين اعتقالا ونَفيا، وإلى آخر هذه المعزوفة...

ولكن، من غير المنطقي أو الطبيعي أن يكون العماد عون "وطنيّا" إبّان الحرب والوجود السوري، ومن ثم يتحوّل إلى طائفي بعد انتفاضة الاستقلال والتحوّل التاريخي الإسلامي باتجاه اللبننة، أي بعد أن صالحت 14 آذار المسيحيين مع عروبتهم والمسلمين مع لبنانيتهم. هذا الانقلاب العوني على ثورة الأرز الذي استفاد منه حزب الله، فَوّتَ على اللبنانيين اللحظة السياسية المؤاتية والمتمثلة بالاندِفاعَة التي وَلّدها الانسحاب السوري لانطلاق مشروع الدولة وعَزل الحزب، ليس من أجل إقصائه على الطريقة السورية مع المسيحيين، إنما بُغية دفعه إلى الانخراط في هذا المشروع، وبالتالي لَبننته.

وأمّا تفويت عون الفرصة على اللبنانيين مع انتفاضة الاستقلال لاستعادة دولتهم سيادتها واستقلالها وعافيتها، فلا يخرج عن سياق ما قام به في اتفاق الطائف، لأنّه لو انخرط في هذا الاتفاق فور إقراره، لما كان تحوّل إلى طائف سوري. غير أن مُمانعته أدّت إلى ما أدت إليه من دخول المنطقة في حرب الخليج الثانية، وتفويض الولايات المتحدة الأميركية سوريا لإدارة الشأن اللبناني.

ولعلّ المقصود من وراء ما تقدم، هو تسليط الضوء على مسألة محددة، وهي أن المحرّك الأساسي للعماد عون لا ينطلق من رؤية استراتيجية محددة أو خط سياسي مبدئي واضح المعالم، لأن من يعترض على استباحة سوريا للسيادة اللبنانية يفترض به موضوعيّا أن يعترض على استباحة حزب الله لهذه السيادة، ومن يَشكو من وجود سوري يحول دون قيام الدولة، يُفترض به أيضا الاعتراض على سلاح غير شرعي يحول دون قيام هذه الدولة... وبالتالي، فإنّ المحرّك الأساسي لعون هو سُلطوي فقط لا غير، لأن مواجهة "القوّات اللبنانية" في العام 1989-1990 كان يمكن، باعتقاده، صَرفها إسلاميّا بانتخابه رئيسا للجمهورية، وهذا ما دفعه إلى إعطاء صورة وطنية عن نفسه. بينما مواجهة تيار "المستقبل" في العام 2005 كانت تقتضي لُبوسَه لِباسا مسيحيا لتعبئة الشارع المسيحي، المُعبّئ أساسا بفِعل زمن الوصاية، وذلك بغية اجتياح المقاعد المسيحية وحجز موقع رئاسة الجمهورية.

فالعماد عون يتحرك انطلاقا من مصلحته الشخصية لا مصلحة البلد، والدليل أنه يتحمل وحده مسؤولية ضَرب اندِفاعة اتفاق الطائف وانتفاضة الاستقلال. ولعلّ السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال: هل العماد عون كان في وارد تبَنّي النسبية في الانتخابات النيابية لو كان متأكدا من فوزه في انتخابات العام 2013 و"سَحقه" أخصامه على الساحة المسيحية؟

بالتأكيد كلا، خصوصا أن كل نظريته بعد انتخابات العام 2005 كانت قائمة على نقطة واحدة، مَفادها أن الأكثر تمثيلا بين المسيحيين يجب أن يكون حُكما رئيسا للجمهورية على غرار الطوائف الإسلامية. هذه النظرية التي تم إجهاضها في دورة العام 2009، من خلال تصحيح التمثيل المسيحي وإعادة التوازن إلى هذا المشهد الذي اختلّ بفِعل الدّفع السوري المُبرمج لإعادة إنتاج انقسامات مسيحية-إسلامية تُمَكّن دمشق من العودة إلى لبنان.

لا يمكن أن يوافق العماد عون، وهذه من الثوابت والأمور البديهية، على أيّ تقاسم لنفوذه وسلطته لو كان متأكدا من الفوز الساحق والماحِق في الانتخابات المقبلة. ولكنّ إدراكه لطبيعة المتحولات الاستراتيجية من حوله، والتي تتمثّل بالسقوط الحتمي للنظام السوري وانعكاس هذا السقوط على حليفه حزب الله، وصولا إلى المحكمة الدولية وتأثيرها المباشر في وضعية الحزب ومستقبله، دفعاه مُرغَما إلى البحث عن قانون انتخابي يُبقيه على قيد الحياة السياسية، خصوصا أن تجربته في الانتخابات السابقة لم تكن مشجعة، وهو بالكاد تمكّن من الفوز في جبل لبنان الشمالي من دون المتغيرات الاستراتيجية المُنَوّه عنها، وبالتالي أيّ مصير سيَلقَاه عَون بعد هذه المتغيرات وفي ظلّ قانون أكثري؟

إنّ الجواب بكلّ بساطة سيكون سقوط عون الحَتمي وخروجه نهائيا من جبل لبنان الشمالي، واستمراره فقط في الدوائر التي يسيطر عليها حزب الله. ولذلك، لم يجد أمامه سوى الهروب إلى الأمام من خلال التَلطّي تحت عباءة البطريرك، وإعطاء انطباع بحرصه على حُسن التمثيل المسيحي والتطلع لقانون انتخابي حَداثوي تحت مُسمّى النسبية، هذه النسبية التي تحوّلت بالنسبة إلى عون حياة أو موتا.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر