الراصد القديم

2011/10/17

100 عام من الثورة في الصين!

نجحت ثورة شينهاي حصراً في إنهاء دوامة الموت التي استمرت طويلاً وتعود إلى عهد كينغ العاجز والفاسد، ثم انتشرت نزعة قومية مستقلة حقيقية مع نشوء الجمهورية الشعبية في عام 1949.

احتفلت الصين قبل أيام بالذكرى المئة لثورة شينهاي. يُعتبر أي قرن من الزمن مجرد ومضة سريعة في مسار التاريخ، ولكنه عمر كامل بالنسبة إلى حياة كل فرد من البشر. عندما اجتاحت الثورة الجمهورية الصين في عام 1911 وأطاحت بسلالة كينغ، شهد البلد وضعاً مأساوياً بسبب استفحال المجاعة وحركة التمرد الداخلي والغزو الخارجي خلال معظم فترات القرن الماضي.

لقد ترافق انهيار النظام الإمبريالي القديم الذي دام ألفي سنة مع نزعة من التفاؤل. حدد صن يات سين الذي قاد الثورة والحزب القومي ثلاثة أهداف وطنية كبرى: تحقيق الاستقلال الوطني عبر طرد المحتلين الأجانب، وإنشاء جمهورية ديمقراطية، وإعادة الصين إلى مسار الازدهار عبر تعزيز الرعاية الاجتماعية لمصلحة الشعب.

لكن الشعب الصيني اضطر إلى الكفاح طوال أجيال عدة ليحقق جزءاً من هذه الأحلام، فقد حل المحاربون المحليون وخصومهم مكان الجمهورية الناشئة بعد أسابيع من سقوط النظام الإمبريالي، واستفادت القوى الخارجية من الاضطرابات الداخلية لتعزيز نطاق نفوذها. كذلك، كانت اليابان البلد الآسيوي الوحيد الذي نجح في عصرنة نفسه سريعاً، وقد عمدت إلى احتلال الصين ومعظم آسيا بطريقة تدريجية ووحشية في خضم مساعيها إلى إنشاء امبراطورية خاصة بها، ثم توفي صن في عام 1925 ورحلت أحلامه معه. فواجهت واحدة من أقدم حضارات العالم أزمة خطيرة تهدد صمودها.

ثم تبين أن ماو تسي تونغ وزملاءه الشيوعيين الشباب لن يقتدوا بالنموذج الديمقراطي الغربي الذي كان يؤيده صن وأتباعه، بل بالنزعة اللينينية المنبثقة عن الثورة البلشفية الروسية في عام 1917. تأسس الحزب الشيوعي الصيني في عام 1921 وكان يقتصر حينئذ على عشرات الأعضاء فقط، بعد 10 سنوات على ثورة شينهاي، وعمد إلى محاربة القوميين والغزاة اليابانيين ونجح في نهاية المطاف في الاستيلاء على السلطة في عام 1949.

نجحت ثورة شينهاي حصراً في إنهاء دوامة الموت التي استمرت طويلاً وتعود إلى عهد كينغ العاجز والفاسد. ثم انتشرت نزعة قومية مستقلة حقيقية مع نشوء الجمهورية الشعبية في عام 1949.
ومع ذلك، شهدت “الصين الجديدة”، بكل جوانبها الواعدة والحيوية، فشلين أساسيين خلال عقودها الثلاثة الأولى. تعلّق الفشل الأول بالنشاط السياسي المتطرف المتمثل بالثورات المستمرة في عهد ماو. وسرعان ما تمزق البلد بسبب ظهور الحركات السياسية اللامتناهية التي بلغت ذروتها مع نشوء “الثورة الثقافية” في أواخر الستينيات، حيث تصادم أعضاء الأحزاب والمسؤولين الحكوميين وحشود الناس في ما بينهم.

كذلك، انتهت “القفزة الكبيرة إلى الأمام” -أي التحرك السياسي الذي قاده ماو في عام 1958 لمواكبة الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى في المجال الاقتصادي- بشكل كارثي. خلال السنوات الأربع التالية، استفحلت المجاعة بسبب الإخفاقات السياسية وفشل المحاصيل، ما أدى إلى وفاة بين 20 و30 مليون شخص. وتُعتبر هذه الأحداث واحدة من أسوأ المآسي في تاريخ البشرية ولاتزال تشكل صفحة سوداء في تاريخ الصين.

أما الفشل الثاني، فقد تمثّل بتطبيق “النموذج السوفياتي”، وهو نظام اقتصادي واجتماعي يركز على التخطيط المركزي، وسيطرة الدولة المباشرة، وإنكار مبادئ الملكية الخاصة وآليات السوق الحرة. نتيجةً لذلك، بقي الاقتصاد الصيني في مراتب متأخرة وسط الدول المجاورة في شرق آسيا مثل اليابان وكوريا الجنوبية، مع أنه كان ينمو بوتيرة مقبولة مقارنةً بدول العالم الثالث عموماً.


كان لابد من وفاة ماو ووصول دينغ شياو بينغ إلى السلطة في أواخر السبعينيات لإنهاء هذا التطرف الايديولوجي السائد والبدء بالإصلاحات التي تخلت في نهاية المطاف عن النموذج السوفياتي ووضعت الصين على مسار العصرنة الاقتصادية.

خلال العقود الثلاثة الأخيرة، حافظت الصين على أسرع وتيرة من النمو الاقتصادي مقارنةً بأي قوى كبرى أخرى في التاريخ، فأنقذت أكبر عدد من الناس من أزمة الفقر خلال أقصر فترة زمنية ممكنة. كذلك، تضاعف متوسط العمر المتوقع منذ عام 1949. بنى الصينيون المدن وناطحات السحاب والطرقات السريعة والسكك الحديدية الفائقة السرعة بوتيرة غير مسبوقة في تاريخ البشرية. كذلك، تتسارع عملية التنظيم المدني ويبلغ عدد المستهلكين في الطبقة الوسطى مئات ملايين الأشخاص.

اليوم، أصبحت الصين ثاني أهم اقتصاد في العالم وأول دولة من حيث حجم التجارة والتصنيع. ومن المتوقع أن تتفوق قريباً على الولايات المتحدة وتحتل المرتبة الاقتصادية الأولى عالمياً. كذلك، حقق الصينيون أهدافاً أخرى من تلك التي وضعها صن
-أي الرعاية الاجتماعية والازدهار الوطني- بفضل عملهم الشاق وقدرتهم العالية على التحمل.
لكن ستواجه الصين تحديات كبرى في المرحلة المقبلة. فلم يعد نموذج النمو السريع الذي تتبعه قابلاً للاستمرار مع أنه يتفوق على النموذج السوفياتي.


لابد من نشوء قيادة سياسية حكيمة وخلاقة لمعالجة مشاكل النقص في الطاقة والموارد الطبيعية، والضغوط الناجمة عن اتساع شريحة المسنين، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتدهور الوضع البيئي.

لكن الصين اليوم تفتقر إلى هذا النوع من القيادة السياسية، ويعود ذلك عموماً إلى واقع أن نضال الصين لتحقيق الاستقلال الوطني والازدهار الاقتصادي لم يترافق مع إصلاحات ديمقراطية جريئة، كما حصل في تايوان حيث يدير الحزب القومي السلطة عن طريق الانتخابات الديمقراطية.

ومع ذلك، تبرز مؤشرات على حصول بعض التطور. عند النظر إلى السنوات المئة الأخيرة من التاريخ الصيني المعاصر المطبوع بالعنف والاضطرابات، سيتبين لنا أن تسليم السلطة من الرئيس جيانغ تسه مين إلى هيو جينتاو بين عامي 2002 و2003 كان أول عملية سلمية ومؤسساتية منظّمة تحصل لنقل السلطة من زعيم إلى آخر في هذا البلد. ويتجه الحزب الشيوعي الصيني بكل حذر الآن إلى خوض عملية تسليم السلطة مجدداً في السنة المقبلة.


تزامناً مع الاحتفال بالذكرى المئة لثورة شينهاي، لنأمل أن يحقق الشعب الصيني قريباً آخر أهداف صن يات سين، أي إنشاء مجتمع ديمقراطي حقيقي في الصين!

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر