الراصد القديم

2011/10/25

في الذكري ال55 للعدوان الثلاثي علي مصر


تهل هذه الأيام الذكري ال55 للعدوان الثلاثي علي مصر الناصرية والذي بدا في 31 أكتوبر 1956 بضربة جوية فرنسية بريطانية مهد لها اعتداء صهيوني في التاسع والعشرين من نفس الشهر وهو ما أطلق عليه في الأدبيات السياسية بعد ذلك ( العدوان الثلاثي ) أو ( حرب السويس ) .

كان جمال عبد الناصر يدرك منذ البداية الحكمة من وجود اسرائيل بين دول الأمة العربية وقد نبه الي ذلك كثيرا :
( اسرائيل عميلة الأستعمار وحينما أقام الأستعمار اسرائيل بين البلاد العربية كان يريد أن يجعل منها رأس جسر له لتحقيق أهدافه بالقضاء علي القومية العربية وبالتفرقة بين العرب وتفكيك وحدتهم وتحطيمهم )

وجاءت حرب السويس وأيا كانت الاختلافات حول نتائجها الا انها قدمت العديد من المعطيات والدروس جدير بنا أن نتأملها ونتوقف عندها رغم مرور 55 عاما عليها .

ان هذه المعركة أظهرت مدي الانسجام الوثيق بين الشعب وقيادته الوطنية تجلي في اخلاص الشعب في الأنضمام الي كتائب المقاومة الوطنية والشعبية لمواجهة العدوان علي كل شبر من أرض مصر بجانب قوات الحرس الوطني الذي أسسه جمال عبد الناصر عام 1953 ليكون رافدا شعبيا عسكريا عن طريق التطوع الحر وليكون يد عون للقوات المسلحة في أي ظروف تُستجد

وكان من نتائج هذا التلاحم بين الشعب وقيادته التاريخية والذي بلغ ذروته عند القاء جمال عبد الناصر خطابه الشهير بالأزهر الشريف اذ خرج المواطنون بعد الصلاة يهتفون بكلمة واحدة ( سنقاتل ... سنقاتل .. سنقاتل )

ورفع جمال عبد الناصر شعار ( كل مواطن جندي في جيش التحرير ) وأمر بتوزيع السلاح علي كل قادر علي الحرب من المواطنين دون أن يخش عواقب ذلك رغم ان هناك من يتربص به ( فلول الوفد _ الاخوان المسلمين _ بعض فصائل اليسار )
فقد كان جمال عبد الناصر واحد من قلة من الزعماء علي مر التاريخ راهنوا في مسيرتهم علي العلاقة مع شعوبهم وكان يدرك بحسه الانساني أن لدي شعبه رصيد هائل من مخزون المقاومة ضد الغاصب والمعتدي والمحتل انكسرت أمامه وتحطمت واندثرت كل الغزوات التي تعرض لها .

كان عبد الناصر يدرك أيضا أن هزيمة هذا العدوان سياسيا بالذات هي تتويج وانتصار لجميع الشعوب المغلوبة علي أمرها والمناضلة من أجل التحرر من الاستمار .
وتمكنت مصر بقيادة جمال عبد الناصر من تحقيق هذا الحلم ليأخذ الاستعمار في الانحسار وتسترد الشعوب استقلالها وحريتها .

أكدت معركة 1956 قدرة الشباب علي القيادة وعلي كسب المعارك والانتصارات ضد القوة العاتية

ولو تأملنا شخصية جمال عبد الناصر كشاب في الثامنة والثلاثين من عمره في مقابل " انتوني ايدن " رئيس الوزراء البريطاني العجوز وصاحب الخبرة السياسية والعسكرية في نظام ديمقراطي ؛ فقد كانت معركة 56 في أحد جوانبها معركة بين الرجلين تمكن فيها الشاب جمال عبد الناصر من هزيمة القائد المخضرم وانتهت بذلك حياته السياسية كرئيس للوزراء في بريطانيا
في 22 اكتوبر 2006 نشرت صحيفة الاوبزيرفر البريطانية مقالا بعنون 1956 العام الذي غير العالم .. للكاتب الشهير " دومينت سان بروك " جاء فيه ....حين قام ناصر الحاكم الشعبي لمصر بتأميم قناة السويس في يوليو 1956 وجد ايدن ان فيها اهانة لا تحتمل لمكانة بريطانيا الدولية ولكنها كانت النهاية السياسية لايدن الذي اضطر الي الاستقالة في يناير 1957 وتحطم تاريخه السياسي وتحولت بريطانيا بسبب مافعلته من قوة أولي ألي قوة ثالثة ؛ وكانت السويس صدمة سريعة عرت بريطانيا من جميع ادعاءات القوة العظمي

ولأن القائد التاريخي هو الذي يُنهي انتصاراته بتحقيق آمال شعبه ... تعالوا نقرأ مالذي فعله جمال عبد الناصر ... يقول في خطابه الي الأمة في 23/12/1962 :

( من المعركة وفي بور سعيد ومن قلب النار خرجت قرارات التمصير الاقتصادي لأصحاب البلد اللي خرجوا ليدافعوا عنها بأرواحهم ومن المعركة في بور سعيد ومن قلب النار خرجت الخطة الشاملة لمضاعفة الدخل القومي في عشرة سنوات تحقيقا للكفاية والعدل ... ومن المعركة في بور سعيد 56 ومن قلب النار خرجت قوانين يوليو الاشتراكية .. ومن المعركة في بور سعيد ومن قلب النار لاحت مقدمات المستقبل

( قارن بين ذلك وبين ماحدث بعد نصر اكتوبر المجيد في1973 !!!!! )

ولا شك ان مسألة الديمقراطية كانت في مقدمة المسائل التي شغلته أيضا لايمانه العميق بها حيث من الثابت تاريخيا انه كان أبرز المدافعين عنها في مجلس قيادة الثورة وتبني الموقف الداعي الي عودة جميع القيادات العسكرية وضباط الثورة الي الثكنات والاستعداد لاجراء انتخابات ديمقراطية .
ولكن للأسف ماشاهده من تملق رؤساء الاحزاب لأعضاء مجلس قيادة الثورة جعله يؤجل الفكرة ضمانا لعدم عودة المناخ الفاسد لأحزاب ماقبل الثورة
ولكن المؤامرات التي كانت تدبر لمصر لم تترك له الفرصة لتحقيق حلمه في اقامة حياة ديمقراطية سليمة

ان نضال عبد الناصر خلال حرب 1956 وما بعدها يؤكد تأكيدا قاطعا أن الأفراد لا يدخلون التاريخ حتي ولو كانوا أبطالا ولكن الذين يدخلون التاريخ هم أولئك الذين يمثلون قوي اجتماعية حقيقية
بل انه كما يقول الدكتور عبد الكريم احمد أسهم في خلق هذه القوي ذاتها وفي تشكيلها عن طريق تلك الصلة القريبة التي نشأت بينه وبين جماهير الأمة العربية والتي دعمها ايمان عبد الناصر الثابت والعميق بهذه الجماهير وبقدرتها الخلاقة .

تلك ابرز تجليات معركة السويس 1956 والتي أكدت لأعدائه أنهم أمام قيادة وزعامة نادرا مايأتي التاريخ بمثلها ولذلك يجب التخلص منه.
حسام الدين بهي الدين ريشو


0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر