الراصد القديم

2011/10/13

مؤامرة شرف والمسألة المسيحية في مصر

محمود عبد الرحيم:

ربما تكون "موقعة ماسبيرو" الدموية مؤشر خطر حقيقي، ليس على الثورة المصرية فحسب، وانما على وضع مصر حالا ومستقبلا، كوحدة وطنية وسيادة يلوح في افقهما أشباح التقسيم والطائفية والتدخل الخارجي، الذي لم تسلم منه دول مجاورة، بدأ الأمر فيها كشرارة صغيرة، ثم ما لبث أن استثمر كل من الغرب وإسرائيل فشل النظام الحاكم وحلوله الأمنية وأزماته الداخلية التى تقع في إطار غياب العدالة و الديمقراطية والتهميش، ونفخ في النار التى استعرت حتى انتهت إلى حروب أهلية، وانفصال جزء هنا واستعداد جزء هناك لنفس المصير، وليس السودان عنا ببعيد.

وحين تعرب واشنطن عن استعدادها لإرسال قوات لحماية الكنائس المصرية، ويعبر الأتحاد الأوروبي عن قلقه على وضعية المسيحيين في مصر، فعلينا ألا نستهين بمثل هذا الخطاب الذي في لحظة قد ينقلب إلى فعل أو ورقة ابتزاز للنيل من السيادة المصرية والحصول على تنازلات تمس المصالح الوطنية، في وقت نتوق فيه إلى إصلاح ما أفسده مبارك على هذا الصعيد على مدى سنوات حكمه، ومن قبله السادات، والتحرر من تلك التبعية المقيتة التى انتقصت من قيمة وقدر مصر، وقيدتها في حدود ضيقة على نحو لا يتناسب مع دورها التاريخي ومجال حركتها الحيوي الممتد عربيا وافريقيا، بل وفي العالم الثالث كله.

وربما تكون "المسألة المسيحية" إن جاز التعبير الاختبار الحقيقي لنجاح الثورة المصرية من عدمه، فطالما ظل هذا الملف مفتوحا، وورقة يتم التلاعب بها من وقت لآخر من قبل السلطة الحاكمة في إطار النظرية الاستعمارية القديمة"فرق تسد" أو أداة إلهاء عن قضايا جوهرية تمس مصير هذا الوطن، ومسار التحول الديمقراطي فيه، فلا يمكن إدعاء أن تغييرا قد حدث أو أن نظاما فاسدا مستبدا قد سقط.

وطالما أن قطاعا من المصريين ليس بالقليل يستشعر الظلم والتمييز والاحباط، ويحتفظ داخله بطاقة غضب عارمة تتفجر من وقت لآخر، وطالما أن مفاهيم مثل الدولة المدنية التى تنهض على مبدأي المواطنة وإعمال القانون، غائبة، والهوية الدينية مقدمة على الهوية الوطنية، فأن الحديث عن ثورة انجزت أهدافها، أو في طريقها يصبح ضربا من الوهم، وأكذوبة كبرى نصبر بها أنفسنا، أو نضلل بها الجماهير.

وإن كان من طرف يتحمل مسئولية الفوضي التى حدثت على حسب وصف رئيس وزراء مصر، فإنه هو شخصيا، ومن قبله المجلس العسكري اللذان يديران البلاد، وكان بمقدرهما احباط مخططاتها، إن كانا بالفعل لا يريدان استثمار هذا المناخ المضطرب لتعطيل انجاز استحقاقات الثورة واعطاء الفرصة لإعادة ترميم نظام مبارك واحباط آمال التغيير، وإستبدالها بأزمات مفتعلة اقتصاديا وأمنيا وطائفيا، مع اللعب بورقة التخويف ليترحم البسطاء المأزومون على أيام المخلوع الذي تتعثر محاكمته هو وأركان فساده بفعل فاعل، وتقوى شوكة رجاله مطلقي السراح، حتى يتم خفض سقف المطالب والقبول بإستنساخ ذات النظام بلا ممانعة.

ومن المثير للاستغراب، إن لم يكن الضحك، أن يسارع رئيس الوزراء عصام شرف إلى الحديث إلى الأمة عبر التليفزيون ويتحدث عن فوضي مدبرة ومؤامرة وخطر على مصر والثورة وأياد خفية، وكأنه كاتب أو محلل سياسي يستقرأ الحدث من بعيد أو يطرح وجهة نظر، أو يسجل موقفا، وليس كمسئول كبير يتحمل المسئولية السياسية عما يحدث بالشراكة مع المجلس العسكري.

وإذا سلمنا بحديث المؤامرة الذي يسوقه شرف، فلماذا لا تتم مواجهة الرأى العام الذي يهرول شرف من وقت لآخر ليخاطبه كمتحدث رسمي للمجلس العسكري وليس كرئيس حكومة تدعي نسبا للثورة، وكشف الحقائق، وإعلامنا.. هل الخطر من الداخل أو الخارج، ومن يقف وراءه وأبعاد القضية برمتها، إن كانت هناك معلومات حقيقية، وليست شماعة نعلق عليه الفشل أو نحرف الأنظار بتهم تقيد ضد مجهول.

ثم أليس لدى شرف والمجلس العسكري أجهزة أمنية مهمتها الكشف عن تلك المخططات، واحباطها في مهدها.. فلماذا لا نرى هذه الأدوار ونسمع كلاما مرسلا..لا يليق بمسئول كبير في حجم رئيس وزراء مصر.

ثم نأتى لوزير الاعلام أسامة هيكل الذي سارع هو الآخر إلى الحديث للجماهير بمنطق الواعظ الذي يحذر من الخطر على وحدة مصر والخطاب الاعلامي الذي يسكب الزيت على النار ويؤجج الفتنة الطائفية، وكأنه ليس مسئولا عن جهاز اعلامي حكومي حافل بالقنوات والإذاعات التى تمارس الخطاب الدعائي والشحن الطائفي وترتكب جرائم مهنية واخلاقية لصالح تملق المجلس العسكري وممارسة الإعلام التعبوي الموجه بإتجاه التخويف وتكريس التمييز على أساس ديني، وتبرير حالة الطوارئ وحكم العسكر وتجريم الحق في الاحتجاج السلمي، على حساب التغطية الموضوعية وإظهار الحقائق ومراعاة المصالح الوطنية العليا التى تعلو فوق مصالح أية سلطة حاكمة.

إن اعترفنا بأن ثمة خطرا حقيقيا على مصر، فالخطر الأول من الداخل قبل أن يكون من الخارج، وعنوان هذا الخطر هو رجال مبارك الذين يسيطرون على مفاصل الدولة المصرية، ويسارعون بكل ما يملكون من سلطة ومال إلى تصفية الثورة، ثم يدعون أنهم حماة الثورة، وأن كل من يعارضهم هو عدو الثورة ومخرب وعميل ويريد نشر الفوضي واسقاط الدولة، رغم أن الفوضي المفتعلة وغياب القانون والنظام العام دليل عملي على انهيار الدولة الرخوة اصلا، و المطلوب بالأساس تجاوزها إلى بناء دولة جديدة ، أو بالاحرى مؤسسات جديدة قوية على أسس ثورية، لو أن هناك ايمانا بالفعل أن ثمة ثورة حدثت في مصر.

*كاتب صحفي مصري

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر