الراصد القديم

2011/10/08

هل يكون الربيع العربي معركة أميركية جديدة تربحها إيران؟

كتب مالك ابي نادر في جريدة النهار اللبنانية:هل يمكن بوجود شبكات التواصل الاجتماعي والثورات التكنولوجية في الاتصالات ونقل المعلومات، حصر التفاعل مع الأفكار التحريرية داخل حدود بلدان معينة وفي مجتمعات محددة؟

منذ الدخول الأميركي إلى أفغانستان عام 2002 مروراً بإسقاط صدام والخلاف النووي مع إيران وصولاً إلى "الربيع العربي" ونتائج معظم هذه السياسات تأتي سلبيةً على صانعيها باستثناء واحدة فقط هي تسعير العداء السني – الشيعي الذي لاقى قبولاً ورواجاً في الشارعين: السني في الخليج والشيعي في إيران، ولكنهما لا يسعيان إلى إشعال فتيل صراع قد يمتد لعشرات السنوات يعلم القلة منهما كيف يبدأ ولكن الكثيرين يعلمون أنه سينتهي لمصلحة إسرائيل.

فعلى إثر الدخول الأميركي إلى أفغانستان بردت الجبهة الأفغانية – الإيرانية. فالصراع السني السلفي والشيعي المتشدد كان جمراً تحت الرماد على الحدود التي تربط بين البلدين والتي تمتد مئات الكيلومترات، الأمر الذي أجبر نظام الملالي على إيلاء هذه الجبهة اهتماماً استثنائياً وجهوزيةً عسكريةً عاليةً وكبده أكلافاً باهظة من أجل السهر على منع تسرب السلفيين السنة إلى الداخل الإيراني مع ما يولّده ذلك من مشاكل أمنية وسياسيةٍ تعوّق خططه التي رُسمت بعد استيلاء المؤسسة الدينية الشيعية على السلطة، من أجل استعادة أمجاد حضارةٍ فارسيةٍ بلبوس دينية مذهبيةٍ، تستعين بالأولى لمد خطوط اقتصادها مع الشرق الآسيوي حيث الأسواق الاستهلاكية والاقتصادات النامية، وتلتحف بالثانية لتحجز لها دوراً سياسياً في الشرق الأوسط حيث يحرك الدين عصبيات الأمم وبراكينها الهامدة على جمر المذاهب والاتنيات والجغرافيات السياسية والاحتياطات النفطية.

أتت الخطوة الأميركية لتقفل للإيرانيين نافذةً واسعةً من الإشكاليات والاحتمالات، فاقتصر بعدها الاهتمام الإيراني في الملف الأفغاني على دعم مالي لحكومة كرزاي الذي يخوض عنهم حرباً في مواجهة سلفيي الملا عمر وبقايا "القاعدة".

ولم تمض سنة أو أكثر بقليل حتى عادت مجدداً أميركا لتخوض حرباً ضروساً بالواسطةِ عن إيران فأنهت بأقل من شهر ما عجزت عنه إيران طوال عشر سنواتٍ وقدمت للإيرانيين وللشيعة العرب على طبقٍ من فضةٍ، أول دولةٍ عربيةٍ يحكمونها، فيما اقتصر وجودهم سابقاً على رعايا وأقليات في محيطٍ سنيٍ أفضل ما ورثه عن العثمانيين نظرتهم الدونية إلى الشيعةِ "الروافض"، بالإضافة إلى أنها تعوم على ثالث احتياطٍ نفطيٍ في العالم.

وهنا انتصرت البراغماتية الإيرانية على "واقعية الأميركيين"، الذين اعتقدوا أو صدقوا بأن صراعاً فقهياً تاريخياً يدور بين أتباع الخميني الذي ينادي بولاية الفقيه وحزب "الدعوة" الذي يقول بدور الأمة في الإمساك بالسلطة، الأمر الذي سيقلل من الدور الإيراني في الساحة العراقية لا بل سيخلق له إرباكات كثيرة كفيلةٍ ببقائه بعيداً عن التأثير المباشر في السياسات العراقية الجديدة.

فخلال مدة قصيرة استطاع الإيرانييون أن يتبينوا الطرف الشيعي العراقي الأقوى. فتخلوا بدايةً عن دعم مقتدى الصدر لا بل عملوا على ترويضه لمصلحة المجلس الأعلى الإسلامي العراقي برئاسة عبد العزيز الحكيم ومن بعده نجله عمار الذي ما لبثوا أن أعرضوا عنه بعد أن تثبتوا من عدم قدرته على قيادة الحالة الشيعية العراقية، وعقدوا شراكةً متينةً ومصيريةً مع حزب "الدعوة"، بالرغم من الخلاف الفقهي الجوهري بينهما على أسس قيادة الدولة: فالخطر الأكبر لا يكمن في حكم العراق من قبل حزب "الدعوة" الشيعي بل يكمن في الاحتلال الأميركي للعراق والتحكم بثرواته الطبيعية وموقعه الاستراتيجي وقربه من حدود إيران.

فشاهد دافعو الضرائب في أميركا الإيرانيين يقطفون ثمار معركةٍ ثانيةٍ خاضها الجيش الأميركي ليس في وجه النظام المتهالك للبعث العراقي فقط بل في مواجهة سياسية مع حلفائهم وأخصامهم من الاتحاد الأوروبي إلى روسيا والصين.

إلى المعركة الديبلوماسية والاقتصادية الثالثة التي أعلنتها أميركا وحلفاؤها في الغرب في وجه أحمدي نجاد على خلفية جهوزية إيران لدخول النادي النووي. فالمتشدد الذي وصل إلى السلطة عام 2005 نتيجة صراع بين أنصار خاتمي ورفسنجاني لم ينل ما ناله من أصوات إلا لأن أنصار خاتمي أغدقوا عليه أصواتهم انتقاماً من رفسنجاني الذي استعمل مركزه في رئاسة "مجمع تشخيص مصلحة النظام" لإبعاد المئات من مرشحي خاتمي عن الانتخابات النيابية عام 2004، ولم يكن يتمتع بشعبية قوية ولكن استهدافه على خلفية تطوير إيران قدراتها النووية أعطى للرجل وللنظام الذي يرأسه دفعاً شعبياً كبيراً وأعاد لملمة القيادات والتيارات التي لطالما وقفت ضد الكثير من سياسات النظام الحاكم في العديد من الملفات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى الأمنية، من منطلق أن الاستهداف الأميركي والغربي يعني أن مؤامرةً تحاك للنيل من مقدرات الأمة الفارسية ومن دورها التاريخي، لأن القدرات النووية التي اكتسبتها إيران لم تكن من صنيعة نجاد بل هي نتيجة لسياسات فارسية اعتمدت منذ أيام الشاه واستكمل نظام الملالي بناءها وتطويرها في أيام رفسنجاني وخاتمي وصولا إلى نجاد.

واستمرت المعركة، بالتدخل الواضح والعلني في الاحتجاجات والاعتراضات التي ظهرت بعيد الانتخابات الرئاسية عام 2009. وقد كان من نتائج هذه المعركة تشدداً أكثر على الصعيد السياسي في إيران ووضع الحركات الإيرانية والشخصيات الداعية للديموقراطية في دائرة الاستهداف من قبل الرأي العام والنظام والولي الفقيه ما أعاد الأمور إلى نقطة الصفر في سعي قوى الإصلاح في المجتمع الإيراني.

ألا يعتبر استهداف الملف النووي الإيراني كأنه استهداف لقدراتها القومية؟ ألا يعتبر الدعم العلني ومحاولات التدخل في الداخل الإيراني معركةً خاسرة في مجتمعٍ يعتبر العداء للسياسات الغربية أحد عناوين توحده؟

واستمرت السياسات الأميركية في التصويب على الحالة الإيرانية ولو بطريقة غير مباشرة أخيراً من خلال محاولاتها، التي باءت بالفشل، لفك تحالفها المحكم مع سوريا، فحاولت استغلال الثورات في بعض الدول التي كانت تدور في فلك الغرب وسياساته الشرق الأوسطية لإسقاط النظام السوري الذي اختار الانحياز لإيران في صراعها المذهبي والاقتصادي والسياسي مع دول الخليج العربي وتركيا.

لا ينكر أي مراقب أو محلل بأن ما تشهده سوريا حالياً يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتحالفها مع إيران وبتبنيها مقارباتها في العلاقات الاقتصادية التي تنسجها مع تجمع الدول الناشئة BRICS، والسياسية التي تعتمدها مع دول "الاعتدال العربي" وإسرائيل. ولكن ألا يعتبر ذلك سيفاً ذا حدين تلوح به الدول الغربية من خلال إطلاق برامج وخطط لإشاعة "الديموقراطية" في دول عربية دون أخرى؟

وهل يمكن، بوجود شبكات التواصل الاجتماعي والثورات التكنولوجية في الاتصالات ونقل المعلومات، حصر التفاعل مع الأفكار التحريرية داخل حدود بلدان معينة وفي مجتمعات محددة؟ دون التفافها إلى باقي المجتمعات العطشى لهذه الوصفات؟

وهل تستطيع تدابير القمع بقفازات حريرية المتبعة في دول الخليج العربي وتركيا أن تقف مستقبلاً حائلاً دون بروز تحركات شعبية تطيح الأنظمة الديكتاتورية الأحادية التي تقوم على عائلات أو ملكيات أو إمارات أو حتى حركات دينية؟

ألا يمكن اعتبار عناوين التدخل الدولي في التركيبة السياسية السورية عناوين لثوراتٍ شعبيةٍ ستندلع عاجلاً أم آجلاً في "الحديقة الخلفية الأميركية" في الخليج العربي؟

وأخيراً ألا يعتبر عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي في دول الخليج العربي، مصلحةً إيرانيةً عليا؟

لقد أثبت الفرس عبر التاريخ نجاحهم في الرهان على عامل الوقت وإطالته. فهل ستكون عناوين التحريض الدولي ضد النظام السوري، سواء نجحت أم لم تنجح، "القطنة" التي ستذبح بواسطتها إيران الأنظمة الموالية للسياسات الأميركية في الخليج؟

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر