الراصد القديم

2011/10/04

عن عبد الناصرفي ذكرى الرحيل و الانفصال

محمد عامر استاذ بملولش وقيادي بحركة الشعب الوحدوية التقدمية

عندما نتامل الشخصيات التارخية التي عاشت منذ زمن ورحلت الى العالم الآخر نجد اسماء لامعة تذكرها الاجيال وهي لم تعايشها لتعرف بالملموس الاثر الذي حققته هذه الرموز في الواقع ، سوى ما يصلها من اخبار عن هذه الشخصية او تلك . وعادة نجد ان الذين ينقلون لنا التاريخ يتفقون اجماليا حول الموقف منها جميعا لانها عادة شخصيات ضحّت و قاومت الظلم او الغزوالخارجي ، بالفكر او بالسلاح ، اي انها عبرت عن هموم جماعية يتفق عليها اوسع الناس في المجتمع .. لذلك فان مثل هذا الاجماع الايجابي له ما يبرره موضوعيا كما يبدو .. و يكفي هنا ان نذكر من بين العديد من الشخصيات التاريخية اللامعة شخصيتين بارزتين لا تزال تذكرهما الاجيال المتعاقبة ، و هما صلاح الدين الايوبي و عمر المختار، اللذان سابحث في جوانب مختصرة من شخصية كل منهما . الاول من التاريخ الوسيط و الثاني من التاريخ الحديث ..

اما عبد الناصر فقد تباينت حول تجربته الآراء ، فنجد من تثور ثائرته و يفقد صوابه عندما يسمع اسمه ، فتذكر الاخطاء و لايذكر التصحيح و تذكر الهزائم و لا تذكر الانتصارات . و في المقابل نجد الملايين ممن لم يعرفوه و لم يروه سوى في الصور او في الافلام لكننا نراهم او نسمعهم لا يملون مدحه و تمجيده ، وهو في نظرهم اعزّ عليهم من آبائهم و أهلهم جميعا ..؟ فلماذا بقى له كل هذا التاثير في هذه الاطراف المتباينة وهو لم يعد يتاثر بهم ؟ و لماذا بقي حاضرا على امتداد اربعة عقود رغم ما تعرضت له تجربته من حملات التشهير و التشويه المنظمة منذ السبعينات الى الآن ؟

اولا ان مثل تلك الشخصيات التاريخية العظيمة المذكورة قد عاشت و اثرت في احداث كان لهم فيها خصوما و اعداء من ضحايا المشاريع التي دافعوا عنها و ضحوا من اجلها و ما نحن اليوم الا من اصحاب المصلحة التي تحققت لنا بفضل تضحياتهم لذلك نحبهم و نمجدهم و نعتز بهم و بامثالهم .. و هذا من الناحية الاجمالية ، لكن اذا اخذنا مثلا صلاح الدين و نظرنا اليه بالتفاصيل سنجد ان له من الاعداء المباشرين من كان يكرهه و يحقد عليه ، او حتى يودّ قتله .. اا هل في ذلك غرابة ؟

قطعا لا . لان صلاح الدين عندما قدم الى مصر خاض فيها الحروب ضد من تبقى من الفاطميين الذين تتبعهم و انتقم منهم من بعد اسلافه ليستقر حكمه قبل ان يتفرغ للجهاد اولا ؟ ( ثورة في مصر قبل عبد الناصر بقرون اا) ، ثم وجّه جيشه الى اليمن حتى اخضعها لسلطته ثانيا ؟ ( تدخل في اليمن قبل عبد الناصر بقرون اا) ، ثم اتجه الى بلاد الشام لتطهير بعض البؤر من العملاء للفرنجة و الطامعين جميعا قبل ان يوحد صفوف المسلمين و ينجز النصر العظيم ثالثا ؟ ( و في بلاد الشام قبل عبد الناصر ايضا اا) ، وبهذ ا التوحيد لشتات الامة واجه الصليبيين مجاهدا بجيش واحد فهزمهم . تراهم ماذا كانوا يقولون ؟ وبقطع النظر عن صحة القيل و القال ، الم يكن صلاح الدين البطل متهما من بعض الخصوم التاريخيين بالتنكيل باعدائه ، و باستعمال القوة من اجل العظمة الشخصيه والجاه ، و انه ترك بعض الفلول للصليبيين على السواحل فاتخذوها قواعد ، ثم منطلقا جديدا للهجوم بعد مماته ؟ الم يتهموه بانه سمح لليهود بالاقامة في فلسطين و مكنهم من بناء كنائس و مدارس لهم ؟ الم يقولوا انه قام بافتكاك الاراضي و توزيعها على جنوده المقربين ؟ الم يتهموه بتعيين و تمكين ابنائه واقاربه مما ادى الى الصراعات من بعده و اضعاف صفوف المسلمين ؟ الم يكن متهما حتى بالقتل حيث امر بتنفيذ حكم الاعدام في السهراوردي بايعاز من رجال الدين الخ..؟

اذا كان هذا عن صلاح الدين الايوبي فماذا عن عمر المختار ؟

بداية نقول ان عمر المختار لم يكن حاكما و لا طرفا في السلطة مثل صلاح الدين ، ورغم ذلك فانه لم يسلم من بعض الاتهامات بحسب المجال الذي تحرك فيه وهو الجهاد ضد الغزاة ، ورغم ذلك الم يكن عمر المختار في نظر خصومه و عملاء الاستعمار الايطالي مجرد مغامر وفاشل سيسبب الكوارث للشعب كما يقال اليوم عن عبد الناصر.

الى ماذا يفضي هذا المنطق اذن ؟

صلاح الدين الايوبي و عمر المختار ليسوا ابطالا.... ااا

ولو اتبعنا هذا المنطق العدمي لوجد نا ان كل الابطال سفاحين ومغمورين ومغرورين الخ..ااا

ثانيا ان الاحداث التي اثر فيها عبد الناصر بافكاره و اجتهاداته لا تزال مؤثرة فينا لذلك نحن منقسمين في حكمنا عليه و على تجربته حسب مواقعنا من المعارك التي خاضها عبدالناصر اما لصالحنا او ضدنا ، على عكس القادة التاريخيين المذكورين الذين لم يعد لهم خصوم مباشرين احياء في عصرنا و في واقعنا الخ.. لذلك فانه من البديهي ان نجد اليوم حملات التشهير و التشويه لعبد الناصر او لتجربته ، لان مشروعه موجه لزعزعة افكارلايزال لها انصارها من المخالفين ، وهدم عروش لا يزال لها اصحابها من الحاكمين ، و زلزلة مواقع لا يزال فيها اقدام الغاصبين و الناهبين الخ..

ثالثا ان العبرة ليست بتوجيه الاتهامات للابطال من طرف بعض خصومهم بل بالنظرة العامة تجاه هؤلاء الابطال لاوسع فئات الشعب والقاعدة الجماهيرية الواسعة التي تستطيع ان تقول كلمتها بما تشعر به من مصلحة متحققة لها بفضلهم . اي بما استقر عليه الحكم من طرف العامة وليس الخاصة . او بما يبقى في وجدان الشعوب كمعيار لا يخطا على مر التاريخ في الحكم على الابطال الحقيقيين لكل شعب و كل امة ..

و عليه فاننا لو نظرنا الى موقف المخالفين لعبد الناصربشكل مفصل و بحثنا في اسباب التهجم عليه و على تجربته ، لوجدنا الامر قائما منذ البداية على تناقض لا مجال فيه للحلول الوسط . تناقض بين مصالح المخالفين وامتيازاتهم التي سحبت منهم ( مواقع سابقة في السلطة او تطلّع اليها ، فدادين ، باشوية ، عمودية ، نفوذ ، جاه ، ثروة ..) لذلك ظلّوا يستخدمون من اجل استرجاعها كل انواع الاسلحة ضده حيا و ميتا (محاولات اغتيال ، تشهير ، تشويه ، تحالف مع القوى المعادية ،.. ) هذا من جهة ، وبين نهج عبد الناصرالقائم على تجريدهم من اهم اسلحتهم المادية و السياسية ( حل الاحزاب ، الاصلاح الزراعي و الحد من الملكية ...) من جهة ثانية . و قد كان ذك النهج ضروريا في نظره حتى لا يستفردوا بالشعب و يزيفوا ارادته ، ثم يحكموه و لا يقدمون له شيئا ، كما كانت تلك الاسلحة كافية لعودة تلك الاحزاب للسيطرة ثم انتاج نفس المنظومة الفاسدة التي كانت سائدة قبل قيام الثورة .. فهل كانت تلك القوى ديمقراطية فعلا لتصف عبد الناصر بالديكتاتورية ؟

لو نظرنا الى اكبر الاحزاب جماهيرية في تلك الحقبة لوجدنا كل من حزب الوفد و الاخوان المسلمين مثلا من اكثر الاحزاب عداء للثورة و اكثرها حديثا عن الديمقراطية . فلنبحث في مسالة الديمقراطية داخل كل منهما اولا .

بالنسبة لحزب الوفد تكررت مسالة فصل الاعضاء من طرف القيادة – يقول الدكتور عصمت سيف الدولة – حتى استقرت تقليدا في الحزب الليبرالي العتيد . و يذكر منها العديد من عمليات الفصل الجماعية لاغلب اعضاءه ( عشرة من اربعة عشر ) من طرف القيادة بداية من سعد زغلول سنة 1921 وصولا الى زعيمه مصطفي النحاس في عام 1932 بعزل اغلبية الاعضاء ( ثمانية من احدى عشر ) و قد تكررت مثل هذه القرارات الفردية العديد من المرات الأخرى بفصل اشهر قيادات الحزب طوال تاريخه ، ولقد كان هذا التقليد الاستبدادي من بين اسباب الانشقاقات التي حصلت في الحزب.. ( عصمت شسيف الدولة ، هل كان عبد الناصر ديكتاتورا ).

اما بالنسبة للاخوان المسلمين يقول نفس المصدر : " فمنذ اسّس المرحوم حسن البنا جماعة الاخوان المسلمين ، نشات و نمت على اساس من نظام البيعة و التسليم الكامل للقيادة ، احتجاجا بقوله تعالى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. [النساء:65].و كان على كل اخ مسلم من اعضاء الجماعة ان يتاكد من صدق ولائه للدعوة بان يسال نفسه عما اذا كان مستعدا لان يفترض في نفسه الخطا و في القيادة الصواب اذا ما خالف رايه راي القيادة ... " وقد كان كل هذا قائما في زمانه على فكرة سائدة في المجتمع تستند لقبول فكرة المستبد العادل .

لذلك ردّ عصمت سيف الدولة على نفاق الاحزاب التي تصف عبد الناصر بالديكتاتورية متوجها الى الشباب العربي بقوله : " اذن في تلك المرحلة من التاريخ العربي ، يا ايها الجيل الجديد من الشباب ، لم يكن الاستبداد اقل من امنية يتمناها الجيل المصري الذي كان في ذلك الوقت جديدا . فاذا اردتم ان تحاكموا استبداد عبد الناصر عام 1953 فحاولوا – ان استطعتم – ان تحاكموه طبقا لقوانين جيله . و لقد علمتم الآن كيف ان حجة الذين انكروا على عبد الناصر في عام 1953 ، استئثاره بالسلطة كانت حجة داحضة . فقد كانوا يسلمون امورهم الى قياداتهم تسليما غير مشروط و ينكرونه على عبد الناصر . اعني انهم لم يكونوا على أي وجه ديمقراطيين ليقيم الشعب وزنا لدعاويهم الديمقراطية . و لقد كانت مطالب الليبراليين في ذلك الوقت تنتهي – كخلاصة – الى ان يسلّم عبد الناصر السلطة الى الزعيم مصطفى النحاس او الى الامام حسن الهضيبي ، و لم يكن في ذلك شيئ يمت بصلة للديمقراطية . فحتى لو افترضنا فيهم العدالة فقد كان كل منهم – عند انصاره – مستبدا عادلا . و لم يكن عبد الناصر ، قائد الثورة ، اقل منهم انصارا .."

ثم اننا لو القينا نظرة بسيطة على كل النظم حوله لوجدناها جميعا على شاكلة النظام الذي ثار عليه ، و قد ظل يقود شعوبها و يحرّضها على الثورة طوال حياته لكن القدر لم يمهله ليرى ثورتها . اما اليوم و قد نضجت الظروف و تهيات لمثل هذا الطوفان العربي الذي لا يبقي منهم و لا يذر ، فانه على وشك ان يصنع ربيعا عربيا لطالما كان عبد الناصر يحلم بقدومه ، وهو القائل : " انني أومن ايمانا قاطعا انه سيخرج من صفوف هذا الشعب ابطال مجهولون يشعرون بالحريه ويقدسون العزه ويؤمنون بالكرامه " .

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر