الراصد القديم

2011/10/21

الحقيقة والوهم عن القذافى وعبد الناصر والسادات


كتب : عمرو صابح

يربط البعض بين كلا من الرئيس جمال عبد الناصر والعقيد معمر القذافى باعتبار القذافى صنيعة جمال عبد الناصر الذى ائتمنه على القومية العربية قبل رحيله ، كما يشيد البعض بقرار الرئيس السادات شن الحرب على العقيد القذافى عام 1977 باعتباره نموذجا للدور المصري الإقليمى ومثالا لتأديب كل من يتطاول على مصر.
فى السطور التالية سأحاول توضيح بعض الحقائق التاريخية التى تثبت زيف ذلك:
كان اندلاع الثورة الليبية فى سبتمبر عام 1969 وتبنيها لأفكار الرئيس عبد الناصر قد أعطى زخما واضحا لحركة القومية العربية وأثارالرعب فى قلوب القوى الغربية وملوك العرب وإسرائيل وقتها ، لأن أفكار جمال عبد الناصر رغم هزيمة 5 يونيو 1967 لم تفقد قدرتها على إلهام أجيال ثورية جديدة، ولخطورة و أهمية موقع ليبيا الإستراتيجي وثروتها البترولية الهائلة مما يشكل إضافة ضخمة لقدرة مصر وللرئيس عبد الناصر على الصمود وتحدى المشروع الأمريكى الصهيونى فى الوطن العربي.
عندما فجر القذافى ثورته عام 1969 كانت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا تمتلكان قواعد عسكرية ومطارات فى ليبيا ، ولا يمكن لمصرى أن ينسى أن 40 طائرة أمريكية انطلقت من قاعدة هويلس فى ليبيا يوم 5 يونيو 1967 لضرب المطارات المصرية مما ساهم فى نجاح الضربة الجوية الإسرائيلية ضد مصر فى تلك الحرب المشئومة.

إئتمان الرئيس عبد الناصر للقذافى على القومية العربية سقط بخيانة القذافى للأمانة خاصة أن الرئيس عبد الناصر توفى بعد عام واحد من اندلاع ثورة الفاتح وقبل أن تطرأ تلك التحولات الفكرية الغريبة على العقيد القذافى بإصداره للكتاب الأخضر فى عام 1976 الذى كرس نفسه فيه كزعيم أممى وصاحب للنظرية العالمية الثالثة ثم اندفاعه بعد ذلك لمغامرات عقيمة بددت ثروات الشعب الليبي .
هجوم السادات على ليبيا فى يوليو1977 كان بسبب رغبة السادات فى الاستيلاء على ولاية برقة الليبية الغنية بالبترول لحل مشاكل مصر الاقتصادية ولايجاد عدو أخر لمصر بعد أن بدأ خطوات الصلح المنفرد مع إسرائيل ، وكان الاسرائيليون هم الذين نقلوا له نصائحهم فى مفاوضات فك الاشتباك عامى 1974 ، 1975 أنه لا مانع لدى إسرائيل من توسع السادات فى الغرب (ليبيا).
لذا فبرك السادات فى يوليو 1977 قصة مفادها أن القذافى كان يدبر لانقلاب ضده - الحقيقة أن تصرفات القذافى كانت تساعد على تصديق تلك القصة - وشن هجومه على ليبيا.
كانت الولايات المتحدة الأمريكية حليفة السادات هى التى أمرته بالتراجع بعد أن تسبب فى قتل أكثر من 150 ليبى وقام الطيران المصرى بتدمير قاعدة جمال عبد الناصر الجوية جنوب مدينة طبرق.
لم تأمر الولايات المتحدة الأمريكية السادات بإيقاف حربه ضد ليبيا حبا فى القذافى ولكن لخوفها على الغنيمة الضخمة المتمثلة فى البترول الليبي.
رغم كل خطايا العقيد القذافى تجاه شعبه فقد كان هو الذى دفع لمصر مليار دولار دعما لقواتها المسلحة خلال حربى الاستنزاف و1973 ، ولم تشكل ليبيا فى عهده خطرا على الأمن القومى المصرى بل كانت عمقا استراتيجيا لمصر لذا فان استبدال حكمه بغزاة أجانب"حلف الناتو وذيوله فى المجلس الانتقالى" سيضر أول ما يضر بالأمن القومى المصرى التى ستصبح إسرائيل على حدودها الشرقية وحلف الناتو على حدودها الغربية ،والسودان المقسم فى جنوبها.
نأمل ألا يكون ما جرى بليبيا هو استبدال القذافى الطاغية المستبد بحلف الناتو الغازى المحتل الناهب لثروات ليبيا .
إذا كان بعض من يدعون الناصرية فى مصر وفى الوطن العربي قد حصلوا على أموال طائلة تقدر بمئات الملايين من الدولارات من العقيد الراحل وأستفادوا منه شخصيا فى تحسين أحوالهم والانتقال لطبقات أخرى ،فهؤلاء ليسوا محسوبين على الرئيس جمال عبد الناصر وأفكاره وأتمنى أن يقوم النظام الليبي الجديد بفضح أسماء كل من نال أموالا من عطايا القذافى فى العالم كله بالوثائق لكشف هؤلاء الإنتهازيين من تجار النضال والسياسة الذين خربوا الحركة الناصرية عن عمد فى الأربعين عاما الأخيرة.
لولا وفاة الرئيس جمال عبد الناصر والانقلاب الذى تم فى السياسات المصرية داخليا وخارجيا فى عهدي السادات ومبارك والذى أدى لخروج مصر من أفريقيا ومن الوطن العربي وتقزيم دورها ومكانتها كقوة إقليمية عظمى ، لم يكن القذافى ليجرؤ على ارتكاب كل تلك الخطايا والمغامرات العقيمة ولم تكن نهايته لتكون بهذا الشكل الدموى البشع.
تبدو قصة حياة القذافى كأحد مآسي شكسبير الثائر البدوى الذى فجر ثورة لتحرير بلده فطرد القواعد الأجنبية الغربية وأمم النفط الليبي تحول لمريض بجنون العظمة وأنتهى حكمه باحتلال بلده وتدميرها وإعادة توزيع حقوق النفط الليبي على الدول الغربية من جديد ، وكأن 42 عاما من عمر الزمان لم تكن شيئا


0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر