الراصد القديم

2011/10/13

عبدالله الأحمدي: الربيع العربي سيزحف على جميع الأنظمة الاستبدادية


وقع أستاذ الحقوق والعلوم السياسية بالجامعة التونسية الدكتور عبد الله الأحمدي أن تمتد الثورات العربية لتشمل بلدانا أخرى بالإضافة إلى تونس ومصر واليمن وليبيا، مؤكدا أن الربيع العربي الذي تقوده تونس لن يتوقف عند هذه البلدان وإنما سيزحف على عديد البلدان العربية التي تحكمها أنظمة استبدادية.

ويعد الأحمدي من أبرز المتخصصين في القانون والعلوم السياسية في الجامعة التونسية وهو خبير مرموق صدرت له عدة مؤلفات من بينها كتاب "الدستور وحقوق الإنسان في تونس" الذي يعد مرجعا هاما، كما أنجز عدة دراسات في مجالات حقوق الإنسان والمجتمع المدني والحريات الأساسية.

وقال الأحمدي في مقابلة خاصة مع "ميدل إيست أونلاين" إن تونس تتحمل اليوم مسؤولية تاريخية باعتبارها أول دولة عربية ترسي نظاما ديمقراطيا حقيقيا ويقطع مع ما عانته العديد من البلدان العربية من استبداد ودكتاتورية.

تونس أمام مسؤولية تاريخية

لا شك أن فجر الثورة العربية الذي انبلج من تونس وهي الرائدة والسباقة في هذا المجال أمر يحملها مسؤولية تاريخية باعتبارها أول دولة عربية ترسي نظاما ديمقراطيا حقيقيا ويقطع مع ما عانته العديد من البلدان العربية من استبداد ودكتاتورية.

ولا شك أن الرأي العام الدولي يتابع عملية الانتقال الديمقراطي في تونس باهتمام، ذلك أنه في نجاحها على هذا الدرب نجاح للربيع العربي عامة، فتونس هي التي تحمل اليوم مشعل هذه الثورة العربية المجيدة.

والربيع العربي الذي انطلقت شرارته من تونس سيزحف على عدة بلدان أخرى تحكمها أنظمة استبدادية وقد لا حظنا كيف توسعت رقعة الثورات العربية لتعبر عن تطلعات الشعوب إلى الحرية والديمقراطية.

مهام المجلس التأسيسي وصلاحياته

تعد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي مرحلة هامة وحاسمة في تاريخ تونس المعاصر بعد ثورة 14 كانون الثاني/يناير لأنها تؤسس لجمهورية ثانية، وهي انتخابات يتطلع كل التونسيين إلى أن تكون نزيهة وشفافة خاصة وأنه قد تم إعداد الآليات القانونية وغيرها لتحقيق هذه الغاية.

وتجري الانتخابات في مناخ جديد يتميز بحياد كامل للإدارة وإشراف هيئة مستقلة على مختلف مراحل العملية الانتخابية.

ومن الناحية الاصطلاحية المقصود بالمجلس التأسيسي هي السلطة التشريعية التي ستتولى وضع دستور، وعادة ما يقع الالتجاء إلى انتخابات المجالس التأسيسية في صورة اندلاع ثورة أو حدوث فراغ قانوني، وكذلك عند تأسيسي دولة جديدة.

وهذه السلطة التأسيسية هي تسبق كل السلط لأنها تضع الدستور المنظم لكل السلطات.

ومعلوم أنه سبق أن تم انتخاب مجلس تأسيسي في تونس بعد الاستقلال وقد انعقد أول اجتماع له يوم 8 أفريل 1959 .

والمهمة الأصلية للمجلس التأسيسي هي إعداد الدستور الجديد، لكن بالتوازي مع ذلك يمكنه سن قوانين تنظم الحياة العامة مثل قوانين الميزانية، وهذا ما جعل بعض رجال القانون الدستوري يتحدثون عن مجلس تأسيسي وتشريعي.

والملاحظ أنه وقع العمل بهذا المنهج وهذه الطريقة في عدة دول منها اليونان والبرتغال واسبانيا، إذ لا شيء يمنع المجلس التأسيسي من المصادقة على قوانين عادية أيضا.

ولكن تبقى المهمة الأساسية للمجلس هي إعداد الدستور.

صياغة الدستور

إن عملية إعداد الدستور هي في نفس الوقت عملية سياسية وفنية باعتبار أن الدستور يحدد طبيعة النظام السياسي في البلاد.

ولكن لا بد أيضا من أخذ رأي المختصين في القانون الدستوري إذ لا بد من احترام بعض التقنيات القانونية ، وتسبق مرحلة الإعداد الفعلي للدستور مرحلة ضبط التوجهات العامة للنظام السياسي في البلاد واختيار النظام الذي يتلاءم مع تونس.

وعندما يقع اتفاق على ذلك تأتي عملية صياغة الدستور من قبل أعضاء المجلس، وعادة ما يقع تكوين لجان داخلية لتقوم بهذه المهمة مثلما وقع في المجلس التأسيسي الذي أنتخب عام 1956 ، والملاحظ أن في ذلك الوقت تم انتخاب خمس لجان وكان من أهمها لجنة التوطئة والتنسيق التي صاغت مشروع الدستور.

وفي اعتقادي، لا بد من اعتماد بعض المصادر والاستئناس ببعض الدساتير الأخرى للبلدان العريقة في الديمقراطية.

وكذلك الاستئناس ببعض المواثيق الدولية وخاصة ما يتعلق منها بالحريات الأساسية والعامة مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

الاستفادة من دستور 1959

في اعتقادي، هناك بعض أحكام دستور غرة جوان 1959 يمكن اعتمادها وخاصة ما جاء في الباب الأول من الفصل 1 إلى الفصل 17، لأنها فصول تشمل مبادئ عامة معمول بها في جل الدول الديمقراطية، مثل مبدأ شرعية العقوبات وقرينة البراءة واحترام الكرامة البشرية وحرمة الحياة الخاصة وغير ذلك من الحقوق الأساسية للمواطن، على أن جل بقية أحكام دستور غرة جوان 1959 قد لا تتماشى مع هذه الفترة التي تعيشها تونس، إذ لا بد من أحكام جديدة تنظم الحياة السياسية بالبلاد.

مثلا، اختيار النظام السياسي، إذ من المعلوم أن هناك نظام رئاسي وهناك نظام برلماني، ولكل نظام إيجابياته وسلبياته.

وفي اعتقادي لا بد من اختيار نظام كفيل بتلافي النقائص ولكن لا بد من احترام بعض المبادئ وفي مقدمتها سيادة الشعب والفصل بين السلطات.

ولا بد من إقرار التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية باعتبار أن الثانية تمثل سيادة الشعب ومعلوم أن هناك آليات في هذا الشأن من ذلك أن البرلمان في الأنظمة الديمقراطية يراقب الحكومة ويمكنه أن يسحب منها الثقة بواسطة لائحة اللوم.

كما أن في بعض البلدان، ومقابل ذلك، يمكن لرئيس الجمهورية حل البرلمان.

وفي الأنظمة البرلمانية نجد أحيانا سلطة تنفيذية ثنائية تتمثل في رئيس الجمهورية من جهة، وفي الحكومة من جهة أخرى، وقد لا يكون أحيانا لرئيس الدولة نفوذ كبير، وعلى كل فإن الأمر يختلف باختلاف الأنظمة والدول.

والمهم هو وجود تعاون وظيفي وأن تكون أجهزة الدولة مرتبطة ببعضها حتى أن بعضهم تحدث عما أسماه بالتعاون الوظيفي وفي كل الحالات لا يمكن لأية حكومة أن تعمل بدون ثقة الأغلبية البرلمانية.

المدة المحددة لإعداد الدستور

هناك اجل حدده الأمر المؤرخ في 3 آب/أغسطس 2011 إذ نص الفصل السادس منه على وجوب إعداد الدستور في أجل أقصاه سنة من تاريخ انتخابه، ونرجو أن يتم احترام هذا الأجل لمصلحة البلاد.

ولكن قبل ذلك، هناك مهمة عاجلة تنتظر المجلس المنتخب وتتمثل في اختيار رئيس الجمهورية باعتبار أن الرئيس الحالي هو مؤقت وكذلك الحكومة، خاصة وأن المرسوم المؤرخ في 23 آذار/مارس 2011 المتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية ينتهي مفعوله عند مباشرة المجلس التأسيسي مهامه.

والمفروض أن يتم اختيار رئيس الدولة بمجرد مباشرة المجلس الوطني التأسيسي لمهامه، ولا شك أن أعضاء المجلس هم الذين سيختارونه سواء من بين أعضاء المجلس أو من خارجه، ولا يتسنى ذلك إلا بحصول أغلبية على الاختيار.

وفي اعتقادي، فإن هذه العملية ليست سهلة خاصة إذا رغب العديد في هذا المنصب وهو أمر متوقع، ونرجو أن تنسى الأحزاب السياسية حساباتها الخاصة لتفكر قبل كل شيء في مصلحة البلاد واستمرارية الدولة والمرافق العامة والأمن.

من سيصادق على الدستور؟

هناك اتجاهان في هذا الشأن، إذ يفرق رجال القانون الدستوري بين صنفين من المجالس التأسيسية، هناك ما يسمى بمجالس تأسيسية مطلقة، وفي هذه الحال فإن أعضاء المجلس يصادقون على الدستور دون الرجوع إلى استشارة الشعب باعتبارهم يمثلونه وهذا ما وقع في اليونان عام 1975 والصين عام 1978.

أما الصنف الثاني فإنه يتمثل في المجالس التأسيسية المقيدة، وفي هذه الصورة فإن دور المجلس يكون تقنيا، إذ يعد مشروع الدستور ويعرضه على استفتاء الشعب وهذا ما وقع في فرنسا عام 1948.

وتجدر الإشارة إلى أن المجلس التأسيسي الذي أنتخب في تونس عام 1956 هو الذي صادق على الدستور ولم يقع عرضه على الاستفتاء.

ولا شك أن المجلس الوطني التأسيسي الذي سينتخب يوم 23 أكتوبر القادم هو الذي سيمثل سيادة الشعب، ويمكن له إما أن يصادق على الدستور باعتباره يمثل الشعب وإما أن يعرضه على الاستفتاء، وفي كلتا الحالتين فإن المشروعية مضمونة ما دام المجلس يمثل الشعب الذي يعبر عن رأيه سواء بواسطة نوابه أو مباشرة عن طريق الاستفتاء.

أفضل نظام سياسي لتونس

إن النظام السياسي الحالي مؤقت ولا ينظمه أي دستور الذي أعلن عن تعليقه دون صدور نص واضح وصريح يقر ذلك، وغاية ما في الأمر أن المرسوم الصادر في 23 مارس 2011 والمتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية المعمول به الآن أشار فقط إلى أنه صار من المتعذر التطبيق الكامل لأحكام الدستور.

ومهما يكن من أمر فإن هذا التنظيم المؤقت ينتهي عندما يباشر المجلس الوطني التأسيسي مهامه، ومنذ ذلك التاريخ ستدخل البلاد في نظام جديد يقطع مع الماضي القريب والبعيد.

أعتقد أن أفضل نظام سياسي يناسب تونس هو النظام البرلماني وأن تكون الحكومة مسؤولة أمام البرلمان، وفي صورة سحب الثقة منها تنتهي مهمتها، ولكن ذلك لا يمنع أيضا من إعطاء صلاحيات لرئيس الجمهورية دون أن تكون له سلطات مطلقة مثلما وقع في الماضي، لأن ذلك يؤدي حتما إلى النفوذ الفردي المشط الذي لا يتلاءم مع مبادئ الديمقراطية التي تقوم على احترام سيادة الشعب.

وفي اعتقادي أن تونس لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الثورة بعد إطلاق حرية الرأي والتعبير وتعلق المواطنين بالحرية والكرامة، إلا أنه لا بد مع ذلك من غرس روح المواطنة والابتعاد عن المطالب التعجيزية التي لا تراعي إمكانيات البلاد.

ولا بد أيضا من وفاق وطني حول المصلحة العليا للوطن واحترام حقوق الإنسان الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية باعتبارها حقوقا كونية وشاملة ومتكاملة.
منور مليتي (مقابلة)

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر