الراصد القديم

2011/10/09

تاريخ الموارنة تشابكٌ بين السلطات الدينية والسياسية

بقلم سليم نصار – لندن

منذ ان ارتفعت فوق باب الصرح البطريركي العبارة الشهيرة: "مجد لبنان اعطي له" والخلافات على زعامة الموارنة تحتد بين رؤساء الجمهورية والبطاركة، لكنها اليوم اتخذت طابعاً آخر ليس الرئيس سليمان طرفاً فيه.

خلال الزيارة اليتيمة التي قام بها الرئيس كميل شمعون لدمشق عام 1976، فوجىء بسؤال هامشي يطرحه عليه الرئيس حافظ الاسد بحضور الشيخ بيار الجميل. قال بلهجة المعاتب لرئيس لبناني لم يسبق ان التقاه من قبل: انتم في لبنان، يا فخامة الرئيس، تفتخرون دائما بأنكم تملكون خصوصية لا يملكها اي بلد عربي آخر، اليس كذلك؟
ومرت لحظات قبل ان يرد شمعون على السؤال الغامض بسؤال استيضاحي ويقول: لم افهم عن اي خصوصية تتكلم؟ بالتأكيد ان لبنان يملك عناصر كثيرة مميزة ونادرة! واجابه الاسد على الفور: اعني الموارنة. ففي لبنان يجري الكلام عن الطائفة المارونية كأنها حكر على المجتمع اللبناني.
وهز شمعون رأسه مؤيداً... عندها اكمل الاسد حديثه مستعيناً بمراجع تاريخية ليقول: اين كانت البيئة التي أنتجت مار مارون؟ ان مؤسس هذه الطائفة عاش في دير مارون بجوار افاميا قرب نهر العاصي. اذن، افضل ما تتبجحون بملكيته وخصوصيته – اي المارونية – جاءكم من سوريا!
ورد شمعون على ملاحظة الاسد بافتعال الشكوى والتبرم قائلا: لهذا السبب، انا اصرح دائما بأن سوريا تتدخل في شؤون لبنان منذ مئات السنين!
وكان لهذا التعليق الساخر اكبر الاثر في تغيير طبيعة اللقاء الذي عقد في مكتب الرئاسة في دمشق، بغرض اعلان موافقة زعماء مسيحيي لبنان على قرار الدخول العسكري. وطمأن الاسد في حينه شمعون والجميل الى وجود مصلحة سورية تمنع ظهور "كوبا شرق – اوسطية" على خاصرتها الغربية. وكان بذلك المثل يشير الى المخاوف المحلية والاقليمية والدولية، من تغيير طبيعة النظام اللبناني بواسطة المقاومة الفلسطينية. علما ان الرئيس شمعون لم يكن متحمساً للزيارة، ولكنه قام بها نزولاً عند رغبة صديقيه شاه ايران والملك حسين.
ولم يكن استحضار اصول المارونية من قبل الرئيس حافظ الاسد سوى محاولة تذكير عتاة المارونية اللبنانية، بأن مرجعيتهم نشأت في سوريا. وهي في نظر العديد من قادة سوريا السابقين والحاليين، لا تختلف عن "الفينيقية" التي احتكرها اللبنانيون، علما بأن الشاطىء السوري كان مشتركاً لبحارة صيدا وصور وجبيل.
ومع التسليم بأن مار مارون ولد وعاش وبشّر في منطقة افاميا السورية، الا ان اتباعه نزحوا الى جبال لبنان حيث احتموا في المغاور، ونشروا معتقدهم بحرية لم تكن مؤمنة لهم في اماكن اخرى. من هنا يتفق المؤرخون على القول ان جبل لبنان شكل عنصرا مهما في محيطه. ذلك ان البيئة الجغرافية المؤلفة من جبل مفتوح على البحر الابيض المتوسط، كونت الشخصية اللبنانية بروح الاستقلال الذي يوفره الجبل... وبروح المغامرة التي يؤمنها البحر.
مرة اخرى شكلت عملية توسيع رقعة لبنان الصغير عام 1920 بواسطة البطريرك بطرس الحويك ودعم رئيس وزراء فرنسا جورج كليمنصو، هاجسا اضافيا من نشاط موارنة لبنان. ومع ان دمشق حزب البعث تغاضت عن سلخ لواء الاسكندرون واقتسام فلسطين، الا انها لم تغفر للبطريرك الحويك جهوده لضم الاراضي الزراعية في الاقضية الاربعة كي لا يجوع مسيحيو الجبل مرة ثانية.
وظلت هذه التهمة تلاحقهم الى ان اقر الرئيس حافظ الاسد بوجود "شعب واحد في دولتين". ثم جاء نجله بشار من بعده ليعترف بالجمهورية اللبنانية المستقلة، ويقبل اوراق اعتماد اول سفير لبناني، ميشال خوري. ومع ان عملية ترسيم الحدود التي وافق على تنفيذها لم تتحقق بعد، الا ان سفير سوريا المعتمد علي عبد الكريم يعرف تفاصيل الخرائط المعدة للتطبيق.
في كتابه بعنوان "الجذور التاريخية للحرب اللبنانية" روى المؤرخ يوسف ابرهيم يزبك، حكايات كثيرة عن تشابك السلطات الدينية والمدنية في منظار ابناء الرعية المارونية.
قال حول هذا الموضوع الشائك: "عقب اشتعال ثورة الفلاحين في كسروان، ليلة عيد الميلاد من عام 1858، وصلت الاخبار مضخمة الى قعدان بك الخازن. وامتطى هذا فرسه وبلغ بكركي قبيل الفجر والثلج يغمر ثيابه. واستيقظ البطريرك بولس مسعد على ضجة المطارنة الذين استقبلوا الزعيم الخازني بالاحضان.
ونادى البطريرك الشماس قائلا: يا داهود، جيب من خزانة ثيابي الفروة التي قدمها لنا قعدان بك. هلق وقتها. البك بردان.
وامتثل داود وجلب الفروة. عندها وقف البطريرك ليلقي بها على كتفي الزعيم الخازني، مسجلا بذلك بدء النفوذ الاعلى في الجبل لسيد بكركي.
بعد هذه الحادثة نقش احد الخطاطين فوق باب الصرح البطريركي العبارة الشهيرة: "مجد لبنان اعطي له". ومنذ ارتفعت هذه العبارة فوق بوابة بكركي، والخلافات على زعامة الموارنة تزداد حدة بين رؤساء الجمهورية وبطاركة الموارنة. وقد بلغت مدى غير مسبوق اثناء ثورة 1958 عندما اصطدم موقف البطريرك يوسف المعوشي بموقف الرئيس كميل شمعون.
وفي معرض رده على اتهامات الشمعونيين الذين اطلقوا عليه اسم "محمد المعوشي"، قال البطريرك ان الاسم الجديد يشرفه كونه يحصّن موقع طائفته داخل شراكة الوفاق الوطني. ووصف دوره بأنه دور ضابط النظام ومانع للخلل في ميزان 16 طائفة. واتهم شمعون بالذهاب بعيدا في تأييده لحلف بغداد، الامر الذي شجعه على معارضته لمنع تقسيم البلاد. وفي وضع مشابه، عارض البطريرك المعوشي التجديد للرئيس فؤاد شهاب. ولما علم بأن "الشهابيين" يخططون لتجديد ولاية رئيسهم بعكس ما يعلن امام الرأي العام، استغل المعوشي زيارته للبيت الابيض كي يقنع الرئيس كينيدي بضرورة رفض هذا الخيار. واخبره في الخلوة التي جمعتهما على طرف حديقة البيت الابيض، ان ثورة 1958 التي اشتعلت بسبب تجديد ولاية كميل شمعون... لا تقاس بالثورة التي ستغرق لبنان في الدم في حال فرض التجديد لفؤاد شهاب!
المعركة السياسية التي اندلعت قبل اسبوعين ضد البطريرك الجديد بشارة بطرس الراعي، لم يكن رئيس الجمهورية ميشال سليمان طرفاً فيها. والسبب ان الموارنة لا يعتبرون سليمان ممثلهم الاوحد في نظام يقف على رأسه السيد حسن نصرالله. واللافت ان شرارة هذه المعركة بدأت عقب انتخابه واعلانه بأنه سيزور دولاً كثيرة بينها سوريا.
واعتبر دعاة مقاطعة دمشق ان كلام البطريرك الراعي هو ضد سلفه البطريرك صفير الذي امتنع عن زيارة سوريا حتى في رفقة رئيسه البابا يوحنا بولس الثاني.
وعلى الفور انتشرت شائعات في كسروان والمتن وجبيل، مفادها ان البطريرك الراعي يخضع لضغوطات جهاز امني نافذ بغرض ابتزازه.
ولكن قنبلة التشويش انفجرت اثر زيارة باريس واجتماعه بالرئيس ساركوزي خصوصاً ان الصحف الفرنسية كانت تتوقع من البطريرك اعلان موقف اكثر انسجاماً مع موقف الرئيس الفرنسي الذي يعمل عبر الاتحاد الاوروبي، على اسقاط صديقه السابق الرئيس بشار الاسد.
ولما قدم الراعي رؤيته من موقع مختلف عن رؤية الحكومة، امتدح رئيسها نجيب ميقاتي، مؤكداً انه يحاول جاهداً ضبط ايقاع كل الاطياف بحيث يتفادى النشاز السياسي المضر بمصلحة لبنان.
ولما سأله ساركوزي عن كيفية التعامل مع "حزب الله"، شرح له من دون تحفظ ان "حزب الله" يضم جماعات لبنانية تشترط لتسليم سلاحها تحقيق ثلاثة امور: انسحاب اسرائيل من كل الاراضي اللبنانية التي ما زالت تحتلها في شبعا وتلال كفرشوبا وقرية الغجر. ثم حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بشكل يلغي الدور الامني الذي يضطلع به الحزب لمنع اي صدام. وفي الحجة الثالثة يطالب "حزب الله" بتسليح الجيش اللبناني وتقوية عدته وعديده كي يتولى هو عن جدارة، مسؤولية حماية الجنوب ضد اي هجوم اسرائيلي محتمل.
ولما عدّد البطريرك هذه الحجج، تمنى على ساركوزي الذي كان يصغي باهتمام، ان يعمل على الغاء الاسباب التي يتلطى "حزب الله" خلفها. وكان جوابه ابتسامة لا معنى لها كالتي يرسمها على شفتيه كلما وقف ليستقبل ضيوفه او يودعهم.
ولما جرى استعراض الاحداث السورية، قال البطريرك ان الرئيس الاسد اعرب عن استعداده لاجراء اصلاحات في مختلف القطاعات شرط منحه الفترة الزمنية لتأمينها. وتحدث عن اطمئنان المسيحيين في سوريا، وانهم لا يتوقعون معاملة مماثلة من اي نظام آخر، لا فرق أكان في الحكم "الاخوان المسلمون" ام سواهم. واثنى على قرار استقبال مسيحيي العراق الذين تعرضوا للطرد والاهانة.
ولما وقف البطريرك الراعي ليستأذن بالانصراف، اعرب ساركوزي عن استعداد فرنسا لحماية المسيحيين في لبنان، مقلداً بذلك اسلافه. وأوحى له الراعي بأن المسيحيين لن يحتاجوا للحماية في وطنهم الذين "شاركوا" في بنائه مع اخوانهم المسلمين بكل "محبة".
ولكن التشويش على البطريرك لم يتوقف بعد مغادرته فرنسا، وزيارته لمنطقة الجنوب، واشتراكه في القمة الروحية الاسلامية – المسيحية. وقد طاردته الشائعات حتى في الولايات المتحدة. ومنها ما يثير الضحك، كالقول ان سيد بكركي يسعى من وراء الانفتاح على المسلمين، الى دخول قصر بعبدا، تماماً مثلما فعل المطران مكاريوس الذي دخل الى رئاسة جمهورية قبرص بعباءة الكهنوت.



(كاتب وصحافي لبناني)

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر