الراصد القديم

2011/10/08

زمن "السلمية" يوشك أن ينتهي.. حذار السلاح!

جريدة السفير


ميشيل كيلو
قبل خمسة أشهر كاملة، كتبت مؤكدا أن الحل الأمني من فوق سيستدعي في مرحلة ما من الصراع السوري حلا أمنيا من تحت، وقلت إن مخاطر ثلاثة رئيسة ستنجم عنه، هي:
- تغيير طابع الاحتجاج من سلمي علني إلى مسلح سري، ومن مدني مفتوح إلى مذهبي مغلق، ومن مجتمعي عام إلى عصبوي جزئي.
- إغلاق جميع أبواب الحل السياسي ومدخله الرئيس: الحوار السلمي والندي بين أطياف العمل العام الداخلي، وتحويل العنف إلى ثقب أسود قادر على ابتلاع كل شيء وجهة .
- فتح أبواب سوريا أمام جميع أنواع التدخل الخارجي، وإعطاء فرصة لكل من هب ودب كي يفعل ما يريده في هذا الاتجاه أو ذاك، إلى جانب هذا الفريق أو ذلك، وصولا إلى: لحظة قاتلة يفلت فيها زمام الأمور من أيدي الأطراف الداخلية، ويستحيل أي حل مهما كان نوعه :بدءا من إيجاد حل متوافق عليه مع النظام إلى العمل على إسقاطه، مرورا بجميع الاحتمالات السيئة والحسنة الواقعة بين هاتين الإمكانيتين، وجعل أي حل داخلي مهما دار حوله من إجماع محكوما بشروط خارجية، مع ما يعنيه الإمعان في العنف، الذي ستتسع دائرته باضطراد وستنضم إليه قطاعات لا تني تتزايد من المواطنين، من تمزيق لوحدة الشعب وتقويض لأسس وجود الدولة والمجتمع .
واليوم، وبينما تتزايد المؤشرات التي تدل على أننا بلغنا أو نكاد نهاية مرحلة من الصراع، وأخذنا ننخرط في مرحلة جديدة مختلفة نوعيا عنها، أقله من حيث أدواتها، حيث الدعوة إلى حمل السلاح تعم وتنتشر أكثر فأكثر، والمجتمعان المدني والأهلي يفقدان إيمانهما بالتظاهر السلمي، ومفاتيح الحل تنتقل بصورة متزايدة إلى الأيدي الدولية، التي صارت تتدخل بشتى الصور في الشأن السوري، وتتصرف كأن سوريا دولة تحت الوصاية، أو كأن المسألة الرئيسة تقتصر اليوم على الجهة التي ستمسك بمصير بلادنا في الحقبة القادمة، مع ما يعنيه هذا كله من تبدل في طابع الحدث السوري، الذي أخضعه الحل الأمني لآليات ومنطق القوة، وحرفه عن طابعه وطبيعته، وجعله معقدا إلى درجة وضعته خارج قدرات جميع أطرافه (مجتمعة ومتفرقة)، فلم يعد لدى أي منها ما يكفي من وسائل ويلزم من علاقات بوسعها تسهيل حله أو جعله ممكنا. في أجواء كهذه، يسودها الافتقار إلى الثقة، وتسيطر عليها الشكوك، ويشحنها العنف بالدم والألم والعذاب، صار من المفهوم، وإن لم يكن من المقبول، أن لا تقبل السلطة بمحاورة المعارضة، وان تتعالى لغة الاتهامات المتبادلة، وتبلغ حدة الصراع حدا تضيع معه معايير الخطأ والصواب، الخيانة والوطنية، وأن يختلط الحابل بالنابل وتنفتح أبواب النفوس على إلغاء الآخر والقضاء على وجوده، في سياق لا يبقى معه أي بديل قادر على فرض نفسه غير العنف: مع ما يعنيه ذلك من حوار بالسلاح يلغي جميع أشكال الحوار بالعقول والوقائع.
في الأصل: كانت حسابات الخيار الأمني ترمي إلى تحقيق هدفين: نزع الطابع المدني للحراك المجتمعي ودفعه إلى اكتساب طابع مذهبي يفترق معه القسم المدني عن القسم الأهلي في مكوناته المجتمعية، وتحويله إلى حراك عنيف يسهل القضاء عليه، باعتبار أن الجمهور العريض سينفك عنه وسيلزم بيوته خوفا من السلاح.
لكن هذا يستبعد أن يحدث. أولا: لأن حجم الملاحقين والمطاردين والمقتولين والمعتقلين من المجتمعين المدني والأهلي هو الذي يوحد إرادتهما حول ضرورة حمل السلاح، علما بان توافقهما على المواطنة والحرية والمدنية والديموقراطية لم يكن أمرا عابرا، بل كان فرصة كبيرة لتجديد المشروع النهضوي العربي، السياسي والاجتماعي، بما أنه كان أول فرصة نوعية تتاح له من خارج الإطار التقليدي / المذهبي لعلاقة هذين المجتمعين في تاريخ الشرق العربي الحديث، ولأن تفويت هذه الفرصة ورفض الاستجابة لمطالبهما سيدفعهما إلى العمل المشترك ضد السلطة: الجهة التي يحملانها المسؤولية عن عدم تحقيقها. وهكذا، فإن ما في المجتمع الأهلي من ميل مفترض إلى المذهبية لن يؤدي بالضرورة إلى انفكاكه عن المجتمع المدني، وبالعكس، ما دام هدف العداء للنظام يوحد معظم قطاعاتهما وقمعه ينصب عليهما كليهما بقدر واحد. وثانيا: لأن اتساع رقعة الاحتجاج الشعبي يجعل من الصعب احتواءه بالقوة، بأي حجم من القوة، فإذا أضفنا إلى انسداد الحل الأمني، مهما كانت تسميته هنا أو هناك، نقطة ضعف حقيقية تميز وضع النظام، تتمثل في اتساع رقعة انتشار الجيش والأمن والقوى غير الرسمية المساندة لهما، الذي يتيح لخصومه مهاجمته بالطريقة التي يختارونها والتوقيت الذي يناسبهم، ويمكنهم من تشكيل توازن قوى محلي لغير صالحه في النقاط التي يريدونها، مع ما سيسببه هذا من استنزاف جدي ومتواصل لقدراته، لا يترك له غير أحد احتمالين: الانكفاء عن مناطق معينة ستخرج عندئذ عن سيطرته، أو القيام بجهود مبعثرة تتميز بلا مركزية القيادة الميدانية، التي ستقع في صغار القادة وستعطيهم دورا حاسما في الصراع، مما يتناقض مع أسس القتال ضد أعمال مسلحة تدور في مناطق، هي نقاط ضعف بنيوية للسلطة، فإذا أضفنا إلى ذلك ما يمكن أن يحدثه التدخل الخارجي من تبدل سريع في نوع وفاعلية أسلحة المقاتلين ضد جيش مبعثر. ليست طرق إمداده ومواصلاته آمنة، ينتشر جزء كبير منه في مناطق ومواقع نائية وحدودية تضع أمنه في يد متدخلين خارجيين، أدركنا مدى العنف الذي ستزج بلادنا فيه، ونوع النار التي ستحرق كل جزء من أجزائها ومنطقة من مناطقها، وحجم التضحيات البشرية وغير البشرية التي ستجد نفسها مرغمة على تقديمها، والرمال المتحركة التي ستبتلعها .
نحن اليوم أمام مرحلة هذه آفاقها، مهما كانت تقديرات المسؤولين الرسميين أو المتظاهرين: مرحلة لا يريد أحد أن يخرج مهزوما منها، فهي مفتوحة إذاً على أسوأ الاحتمالات والممكنات، يعلن طرفها الرسمي أنه وضع حدا لها لمجرد أنه يوشك أن يتخلص من طابعها السلمي، ويتجاهل أنه سيواجه نمطا مختلفا من الصراع في مرحلته الثانية: المسلحة، وأن حرية الحركة لن تكون متوفرة له خلالها بالقدر الذي امتلكه في طورها الأول، لأنه سيكون غالبا تحت النار حيث يرابط ويتحرك، وسيواجه ليس فقط مسلحين أفراداً بل مجاميع واسعة من مواطنين تعرضوا لقمع لا يرحم وقتل منهم كثيرون، سيردون عليه بعنف لا حدود له ولا رحمة فيه. وهناك منذ اليوم إشارات مرعبة إلى ما سيحدث، يرويها سكان مناطق كثيرة من سوريا: شرقا وغربا، ساحلا وجبلا، تؤكد أن تفككا وطنيا عاما يحدث، وأن تضميد جراح سوريا لن يكون مسألة سهلة أو سريعة، حتى في حال انتهى الصراع اليوم، وأن السلاح لم يستعد الأمن، حتى في المناطق التي تراجع التظاهر فيها، وأنه نجح فقط في تغييّر طبيعة المعركة، وفي جعل المسالمين السابقين يفكرون بالتحول إلى مقاتلين، آمل بيأس أن لا يصيروا قريبا مجاهدين. ومن يستمع إلى القصص حول ما يجري في أرياف ومدن محافظات حماه ودير الزور وادلب وحمص ودرعا وريف حلب، يدرك أن زمن السلمية يوشك أن ينتهي في كل مكان، وأن الرصاص سيكون لغة الخطاب من الآن فصاعدا، بعد أن شرع يتلاشى حضور دعاة التظاهر المدني والسلمي، ويتضاءل دورهم ويزاحون جانبا في معظم المناطق، وأخذت تحل لغة الثأر والرد على القوة بالقوة محل أية لغة أخرى.
لا للسلاح: الرسمي منه قبل كل شيء، الذي استخدمته وتستخدمه السلطة لحل نزاع سياسي الطابع والمسائل، يستحيل أن يحل بالسلاح أو القوة. ولا للسلاح غير الرسمي، الذي يتزايد الإيمان بقدرته على إسقاط نظام فشل العمل السلمي في إسقاطه حتى الآن، فخال من انخرطوا فيه أن السلاح سيتكفل بتحقيق هدفهم، مع أنه لم ينجح في أي مكان كان فيه ردا على احتجاز أو فشل سياسي، ونجح حيثما ترتب على نجاح الخط السياسي ومثل تطورا طبيعيا له: مدروسا ومحسوبا وليس عشوائيا وانفعاليا.
لا للسلاح، لان الحراك المجتمعي سيفقد بدوره سيطرته عليه، مثلما فقدت جماعة الخيار الأمني سيطرتها على الوضع عموما، وقوضت حلوله السياسية والحوارية، وصارت أسيرة له، وملزمة بإبقاء النظام معبئا حوله، أي فاقدا لقدرته على الحركة الحرة، وعلى الخروج بالتالي من مأزقه العصيب.
هذا هو الوضع الفعلي الذي قاد الحل الأمني سوريا إليه، وهذه هي آفاقه. إنه لم يكن أسوأ الحلول فقط، بل فتح أبواب بلادنا أمام هلاك خارجي وداخلي استنزافي وأكيد. مع ذلك، لا يلوح في الأفق أي ميل إلى الرجوع عن عنف السلاح، الذي دفع جميع أطراف الشأن العام إلى الهاوية، التي إن لم يتوقفوا ابتلعتهم قبل أي أحد آخر، بعد أن تتدفق عليهم أعاصير التدخل الخارجي من كل مكان: تركيا والعراق ولبنان والأردن، وتهب عليهم زوابع الحل الأمني المقابل من أربع جهات الأرض السورية.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر