الراصد القديم

2011/10/22

حزب الله يتكيف مع جنبلاط ودمشق تقاطعه



ثبّت رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط التباين الحاد في الرأي مع القيادة السورية وحزب الله في الأيام الأخيرة: لقاؤه مع الأمين العام للحزب السيّد حسن نصر الله ليل الخميس 13 تشرين الأول، وحديثه إلى تلفزيون المنار مساء اليوم التالي. كلاهما ترك أصداءً سلبية لدى حليفي جنبلاط، اللذين باتا يعتقدان، وأحياناً إلى حدّ الجزم، بأنهما لم يعودا كذلك معه في ضوء إصراره على مواقف أضحت تمثّل عناصر الافتراق.
منذ إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، نظر حزب الله بكثير من التقدير إلى جنبلاط، صاحب الفضل الرئيسي في قلب الغالبية النيابية، وفي إقصاء الحريري عن العودة إلى الحكم، عندما سمّى الرئيس نجيب ميقاتي لرئاسة للحكومة. كانت إطاحة الحريري إنجازاً استثنائياً للحزب وسوريا معاً. وعند تأليف حكومة ميقاتي تصرّف حزب الله حيالها على أنها ائتلاف سياسي بين أفرقاء يتفقون على ملفات شائكة، ويختلفون على ملفات شائكة أيضاً.
بيد أنه تشبّث بالائتلاف وحماية الحكومة والمضي بها إلى انتخابات 2013، وهو يدرك أن المحكمة الدولية مكمن خلاف عميق بينه، وبين ميقاتي وأيضاً جنبلاط، اللذين يدعمانها جهراً، وأن الموقف من الاضطرابات في سوريا مكمن خلاف آخر مع جنبلاط يتنامى باطّراد. عندما بدأت استشارات تأليف الحكومة في 27 كانون الثاني لم تكن تلك الاضطرابات قد اندلعت. ولم يخطر في بال الطرفين، على السواء على الأقل، أنها ستمسي على ما هي عليه في الشهر السابع بين النظام ومعارضيه. بالتفاهم مع ميقاتي، راعى حزب الله امتيازات خاصة لجنبلاط في حصص الحكومة، وأخذ في الاعتبار دوره في الائتلاف الجديد من غير أن ينتظر منه الانضمام إلى قوى 8 آذار، لكن تفاقم الحال في سوريا وضع نطاقاً مغايراً لحسابات التحالف، تحت وطأة الضغوط الدولية على الرئيس السوري بشّار الأسد، ووطأة استحقاق تسديد لبنان حصته في موازنة المحكمة.
هكذا خرج الخلاف على هذين الموضوعين إلى العلن:
ـ لدى الحزب اقتناع كامل باستمرار نظام الأسد وصموده، وبضرورة الوقوف إلى جانبه نظراً إلى دعمه المقاومة، وموقع الممانعة الذي يتخذه، وعلاقته بلبنان، وبأن أي تخلّ عنه هو طعنة في الظهر. في المقابل، لدى جنبلاط اقتناع معاكس، مصدره معطيات متوافرة لديه من تركيا وقطر والولايات المتحدة تفيد أن نظام الأسد آيل إلى السقوط في مهلة شهرين حداً أقصى. ويرى تالياً التعاطي مع سوريا انطلاقاً من مرحلة ما بعد الأسد الذي انتهى. وفي رأيه أن المنطقة برمتها ستتغيّر بسقوط النظام، وخصوصاً لبنان. ـ لدى الحزب اقتناع بأن المحكمة أميركية ـــــ إسرائيلية تتوخى الأهداف التي أخفق العدوان الإسرائيلي في تموز 2006 في تحقيقها. في المقابل، لدى جنبلاط اقتناع معاكس هو المضي في المحكمة لأن أحداً، بتمويل ومن دونه، لن يكون في وسعه الوقوف في طريقها، وأن التعاون معها يجنّب لبنان عقوبات سياسية واقتصادية هو في غنى عنها، وتعرّض استقراره لتهديد جدّي. يقول أيضاً إن رفض المحكمة وتمويلها بذرائع حزب الله وحلفائه تستفز الحريري، وتضع فريقاً لبنانياً في مواجهة السنّة.
كان التناقض العميق في موقفي حزب الله وجنبلاط من هذين الملفين في صلب لقاء نصر الله والزعيم الدرزي اللذين ناقشاهما، وانتهيا إلى الخلاصة نفسها. كرّسا الخلاف، وأكد كل منهما وجهة نظره من أحداث سوريا والمحكمة وتشبّثه بها، وتفاهما على نتيجتين: أولاهما أن أحداً لم يقنع الآخر بموقفه، وثانيتهما حرصهما في ظلّ التباعد الحاد على استمرار الائتلاف الحكومي وحمايته في الوقت الحاضر من أي خضّة، وعدم انفراط عقد الغالبية النيابية الحالية. لم يوافق جنبلاط نصر الله قوله إن سوريا تخرج من أزمتها تقريباً، ولفته إياه إلى أخطار سقوط نظام الأسد على المنطقة. كرّر نصر الله رفض تمويل المحكمة. وهو سيعيد تأكيده في حديثه التلفزيوني مساء الاثنين. انتهى اجتماع الخميس 13 تشرين الأول، بعد أكثر من ثلاث ساعات من المداولات، إلى تسليم حزب الله باستمرار علاقته بجنبلاط وعدم قطعها، والتكيّف معها ضمن المعطيات الجديدة التي يفرضها الزعيم الدرزي عليه، ويضعه من خلالها أمام أمر واقع جديد. قرّر أن يتقبّل جنبلاط كما هو.
لكن التقويم اللاحق لقيادة الحزب لاجتماع الخميس أفضى إلى انطباعين مختلفين. قال أحدهما إن جنبلاط لا يزال في الغالبية الحالية ويتأهب لمغادرتها، وقال الآخر إنه تركها فعلاً قبل أشهر، وهو في مقلب آخر من قوى 8 آذار، من دون أن يعود بالضرورة إلى قوى 14 آذار.
غير أن موقف دمشق من جنبلاط ليس كذلك.
ما سمعه عائدون من دمشق من مسؤولين رفيعي المستوى يشير إلى الآتي:
1 ــ «انزعاج كبير جداً جداً» لدى القيادة السورية من جنبلاط، يحملها على رفض تقبّل تصرّفه الأخير: أن يُخرج من جيبه ورقة ويقول إنها خارطة طريق للرئيس السوري لإخراج بلاده من الأزمة. في إشارة إلى حديثه الأخير إلى تلفزيون المنار.
2 ــ مثلت المواقف الأخيرة لجنبلاط إحراجاً كبيراً لمعاون نائب رئيس الجمهورية اللواء محمد ناصيف، الذي يُنظر إليه على أنه عرّاب جنبلاط لدى القيادة السورية. وعلى وفرة شكوك كانت تحوط بجنبلاط لدى بعض القيادة منذ مصالحة 2010، ظلّ ناصيف يدافع عن علاقته بسوريا، ويصرّ على صدقية تحالفه معها، وعدم عودته إلى الحضن الأميركي وتكرار تجربة 2005 ـــــ 2009.
3 ــ لن تتدخّل دمشق في علاقة جنبلاط بحزب الله، وتترك للأخير أن يقرّر واقع علاقته به في ضوء تقديره للمصلحة الوطنية وحماية المقاومة. إلا أنها قطعت الاتصال به تماماً. لن يستقبله الأسد، ولن تكون مهمة موفده إلى دمشق، الوزير غازي العريضي سهلة من الآن فصاعداً.
4 ــ رغم معرفة جنبلاط بـ«برودة شديدة جداً» تطبع علاقته بدمشق منذ ما قبل المقابلة التلفزيونية بسبب موقفه من النظام وتأييده المعارضة، استخدم لقاءه بنصر الله، ثم ظهوره على تلفزيون حزب الله، كي يدلي بمواقف عدّتها سوريا مسيئة إليها.



نقولا ناصيف -الأخبار

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر