الراصد القديم

2011/10/01

تعرف على قصة الثورة العربية


د. حاكم المطيري
بين يدي الموضوع :
حين أكتب هذه الأسطورة عن الثورة العربية المعاصرة، فإني أكتبه كمواطن عربي عاش كغيره من العرب في هذه الحقبة، التي هي الأسوأ من حيث شيوع الطغيان والاستبداد، واستشراء الظلم والفساد، على نحو غير مسبوق، في تاريخ العرب الحديث بعد الاستقلال الصوري لدولهم!
وقد تعرضت كما تعرض كثير من الأحرار والمفكرين والمصلحين في العالم العربي كله من خليجهم إلى محيطهم في هذه الحقبة لطغيان السلطة واستبدادها!
وعرفت كيف تقتلك السلطة باسم القانون!
وكيف تصادر حريتك باسم الديمقراطية!
وكيف تظلمك باسم العدل واستقلال القضاء!
وكيف تحكم العصابات باسم الدولة ومؤسساتها!
إنني أكتب هنا عن الثورة وإرهاصاتها كما عشتها أنا، وحلمت بها قبل حدوثها بعشر سنين، بل يزيد، فهذا الكتاب رؤيتي للأحداث، ووجهة نظري عن هذه الحقبة السوداء، كشاهد عليها وضحية من ضحاياها!
وقد قدر لي أن أكون ممن آمنوا بضرورة الثورة مبكرا، وبشر بها، ونظّر لها، ودعا إليها، بالقلم والعمل الحركي الدعوي والفكري والسياسي والحقوقي، من خلال مشاركتي في تأسيس التنظيمات السياسية، والمنظمات الحقوقية، المحلية والعربية، والتي من خلالها عرفت الواقع السياسي عن كثب، ومدى استشراء الظلم وانتهك حقوق الإنسان في العالم العربي، والجرائم التي تقع في السجون العربية لسجناء الرأي والسياسيين والمصلحين، حتى بلغ عددهم في بعض الدول العربية عشرات الآلاف - نحو 90 ألفا في مصر، ونحو 70 ألفا في تونس ..الخ – وقد بلغ عددهم في حقبة بعض الرؤساء والملوك على مدى فترة حكمهم مئات الآلاف ممن تعرضوا للاعتقال التعسفي، والسجن بلا تهمة، والسجن بلا حكم قضائي، والسجن بحكم سياسي، والسجن بعد انتهاء المحكومية..الخ
ولعل تعداد من تعرضوا لذلك في العالم العربي كله في حقبة (كامب ديفيد) يتجاوز الملايين!
وقد أدركت عمق الأزمة وخطورتها فألفت كتابي (الحرية أو الطوفان) ثم كتابي (تحرير الإنسان) ثم رسالة (المقاومة السلمية رؤية شرعية) ..الخ – تلك المؤلفات التي كان لها أثر ووقع كبير في وسط التيار الإسلامي، على اختلاف مدارسه، الذي يملك قوة شعبية واسعة في الشارع العربي، إلا إنه تعرض للتشوهات الفكرية التي شلت حركته، وقتلت روحه الثورية بخطاب ديني ممسوخ مشوه، مما حيد قطاعا شعبيا واسعا من الشباب العربي وأخرجه عن دائرة التأثير والفعل السياسي، وهو ما زاد في حدة طغيان السلطة، فكان للكتابين أثر إيجابي في معالجة تلك التشوهات، كما ستراه في بعض الرسائل التي بيني وبين كثير من الإسلاميين، والتي ضمنت بعضها في هذا الكتاب، وكما اعترف لي بذلك مشافهة كثير من الدعاة والمصلحين..
لقد كنت أتوقع الثورة، وكنت أبشر كل من دعوته إلى العمل السياسي، وأقول لهم بأن التغيير قادم ويجب علينا أن نسهم في صناعته، ومنذ صدور كتابي (الحرية أو الطوفان) - والذي شرعت في تأليفه سنة 2001م، وطبع سنة 2003م – لم يكن لي قضية إلا قضية الحرية وتحرير الأمة من الاستبداد الداخلي، ومن الاستعمار الخارجي، وقد كتبت مئات المقالات في هذا الموضوع، وألقيت مئات المحاضرات والدروس التي تم تسجيل بعضها ونشره، ولم يسجل أكثرها للدواعي الأمنية، وكان كل من يسألني آنذاك متى تتوقع حدوث التغيير؟ كنت أجيبهم من سبع إلى عشر سنوات!
وقد كنت أول من دعا في الخليج - بعد اختياري أمينا عاما للحركة السلفية سنة 2000م - إلى الحكومة المنتخبة وإلى التعددية والتداول السلمي للسلطة في الكويت ودول الخليج العربي، وأصدرت بيانات بذلك، وخطابات مفتوحة لحكومات مجلس التعاون الخليجي، فكان أول الرافضين لها هم أشد الناس حاجة إليها!
فثارت ثائرة الوسط الإسلامي بشقيه الحركي والتقليدي، وأخذ كثيرون يحذرون من هذا الفكر الجديد الذي يتعارض مع الإسلام بزعمهم! فكانوا عونا للسلطة التي صادرت حرياتهم وحقوقهم على محاربتي ومحاصرتي وأنا أدعو إلى تحريرهم من أغلال عبوديتهم!
وبعد إعلان بوش حربه على أفغانستان سنة 2001م كانت لي مداخلة مع قناة الجزيرة دعوت الأمة وشعوبها للثورة وتغيير الأنظمة التي باعتها، كما ثارت أوربا الشرقية على أنظمتها الشيوعية، فأعترض علي بعض الدعاة المشهورين وقالوا لي إن هذا خطاب تحريضي لا إصلاحي!
وتم بعدها اتخاذ إجراء أمريكي كويتي – ولم أكن أعلم عن خلفياته إلا بعد مدة من بعض الصحف الأمريكية – بتقديمي للمحاكمة بثلاث قضايا أمن دولة، وبتهمة الإخلال بالأمن زمن الحرب – بدعوى أن الكويت ما زالت في حال حرب مع العراق آنذاك – وكل ذلك على خلفية دعوتي لمجلس الأمة الكويتي بفتح التحقيق في ملف انتهاك حقوق الإنسان، واستجواب وزير الداخلية آنذاك على ما شاع من أخبار عن تعرض مجموعة من الشباب للتعذيب في أمن الدولة، وهو ما أثبت القضاء بعد ذلك حدوثه، وأثبت براءتي وبشهادة سرية أمام القضاء أدلى بها الشيخ الداعية محمد العوضي، والنائب الفاضل مبارك الدويلة، وقد ثبتت براءتي دون أن يستجوب الوزير أو يحاكم على انتهاك حقوق الإنسان!
ثم تبينت لي حقائق الأمور وخفاياها، بعد أن قابلني صحفي أمريكي أثناء المحاكمات في مكتب المحامي الفاضل نواف ساري، وكان قد حضر بعض جلسات محاكمتي، وأكد لي بأنني أدفع ثمن موقفي ضد أمريكا وحربها في أفغانستان والعراق، وقد قلت له بأن تحليله غير صحيح فقضيتي تختلف كما في التهم الموجهة لي! وهي في شأن كويتي محلي يتعلق بموقفي من وزير الداخلية وما وقع من انتهاك لحقوق الإنسان في وزارته، ودعوتي مجلس الأمة لاستجوابه!
فابتسم الصحفي الأمريكي وقال ستعرف الحقيقة يوما ما!
ثم تأكد لي صحة ما قاله الصحفي الأمريكي بعد اطلاعي على مقالة في صحيفة أمريكية تتحدث عن تلك المحاكمة وأنها كانت من باب التعاون الكويتي الأمريكي لمكافحة الإرهاب!
فقد استخدمت حكومات المنطقة شماعة مكافحة الإرهاب لتصفية حساباتها مع خصومها ومعارضيها، فامتلأت السجون وقاعات المحاكمات في العالم العربي بآلاف المظلومين بتهمة مكافحة الإرهاب، الذي يعني لدى الأنظمة العربية مقاومة الاحتلال الأجنبي، ورفض الاستبداد السياسي؟!
وقد كنت وجهت حينها خطابا لكل أعضاء مجلس الأمة حول ما تعرضت له آنذاك من تعسف، فانكشف لي مدى الفساد الذي وصل له ذلك الصالون السياسي المدعو كذبا وزورا مجلس الأمة الكويتي، الذي لم يسبق له قط أن قدم استجوابا لوزير الداخلية عن أي حادثة لانتهاك حقوق الإنسان، مع وقوع عشرات الضحايا، وبتقارير لمنظمات دولية، دون وجود أي محاسبة لأي مسئول!
فعرفت كيف يصنع الاستبداد الناعم معارضة شرسة في الظاهر، تضفي عليه الشرعية، لتكتمل صورة الديمقراطية في دستور يكرس الاستبداد، وبرلمان يجمل صورته، ومؤسسات عدلية تجعل من الظلم عدلا في عيون الشعوب المنكوبة، واستقلال صوري تحت نفوذ أجنبي!
وازداد إيماني بضرورة الحرية والتحرر من الاستبداد والاستعمار، وازددت يقينا أننا لسنا سوى عبيد بلا أغلال بل وعبيد بالأغلال، حيث نرسف في أبشع صور العبودية من حيث نظن أن هذه هي الحرية!
لقد شاعت أجواء الهزيمة والانهزامية في الوسط السياسي الإسلامي والقومي والليبرالي على حد سواء، وكان أقصى أماني تلك التيارات في العالم العربي كله – إلا في حالات استثنائية لبعض الفصائل هنا أو هناك أو بعض قياداتها العصية - أن يحالفوا الأنظمة ويركبوا القاطرة، وبدأ التنظير لمد الجسور مع الأنظمة، وسقط الرهان على الشعوب وقدرتها على التأثير والتغيير، وكان الليبراليون يتطلعون إلى ديمقراطية تفرضها أمريكا على حكوماتهم التي تقع فعلا تحت الاحتلال الأمريكي!
والإسلاميون يريدون من حكوماتهم التي تحالفوا معها أن تقيم الإسلام وإن كانت تحت الاحتلال الأمريكي!
فصار الليبراليون يطمعون في حرية وديمقراطية في أوطان هي أصلا بلا سيادة ولا استقلال ولا حرية!
والإسلاميون يريدون أن تحافظ حكوماتهم تحت الاحتلال الأمريكي على الإسلام الافتراضي وعالمهم الخيالي الخاص بهم الذي لا وجود له على أرض الواقع السياسي!
وقد كنت التقيت في مؤتمر الوحدة الإسلامي في الكويت قبل سنوات بسيف الإسلام حسن البنا، وكانت حركة كفاية قد بدأت نشاطها في الشارع المصري آنذاك، ولم يكن يعيقها سوى سلبية التيار الإسلامي العريض، فقلت لسيف الإسلام : كيف وصل الحال بكم أن تتراجعوا عن قيادة الشعب المصري في مواجهة هذا النظام حتى قادته حركة كفاية مع أنكم كإسلاميين وبكل فصائلكم الأكثر شعبية؟
فقال : نعم لقد تأخرنا كثيرا وكنت أنصح بالمبادرة في قيادة المعارضة...
لقد جاء احتلال أمريكا للعراق سنة 2003م فكان الزلزال الذي هز ضمير شعوب العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، وكشف آخر أوراق التوت عن سوءة النظام الرسمي العربي الذي تشكل بعد كامب ديفيد، وهزني سقوط بغداد كمواطن عربي مسلم من الأعماق، وظهر لي إلى أي مدى خطير بلغ فساد الخطاب الديني في العالم العربي!
وعبرت عن حزني بقصيدتي يوم سقوط بغداد :
بغداد عذرا ومثلي كيف يعتذر!
والروم تحشد من أرضي وتأتمر!
وقد دعوت في آخرها إلى الثورة وتغيير هذا الواقع البائس!
يا أيها العرب الأحرار هبوا فما
ينجي من الموت لا خوف ولا حذر
دكوا العروش التي أضحت بلا شرف
وأشعلوا النار فيها إنها الخطر
وقد أصدرنا قبيل شن الحرب على العراق بيانا باسم الحركة السلفية ندين فيه هذه الحرب الاستعمارية الجديدة التي سيكون ضحيتها العراق وشعبه وليس النظام فقط، بل والعالم العربي كله، فإذا المستشار السياسي للسفير الأمريكي في الكويت ريتشارد بيل يطلب لقاء معنا من خلال الاتصال برئيس المكتب الإعلامي للحركة آنذاك الدكتور ساجد العبدلي، وزارنا وتم اللقاء بتاريخ 31/12/ 2002م وبحضور أعضاء المكتب السياسي في الحركة السلفية، وأخذ يتحدث بلهجة غاضبة كيف يصدر بيان ومن الكويت ضد الولايات المتحدة التي حررت الكويت!
وقلت له بأن الكويت لم تتحرر بعد وقد حولتم الخليج العربي كله إلى قواعد عسكرية لكم، تشنون حروبكم الاستعمارية منها على العالم العربي والإسلامي، ونحن من يدفع فاتورة هذه الحروب اقتصاديا وسياسيا وأمنيا!
ودار حديث طويل تم نشره حينها في صحيفة الرأي العام وغيرها من الصحف، وكتبت مقالا في صحيفة الرأي العام حول تلك الزيارة بتاريخ 21/5/ 2003م بعنوان (أمريكا ونساء الخليج)!
حيث جاء فيه (لم كل هذا الاهتمام الأمريكي بحقوق المرأة السياسية في منطقة الخليج العربي؟ وهل يعقل أن يكون المدخل الصحيح للإصلاح السياسي الديمقراطي البدء بحقوق المرأة قبل حقوق الشعوب ذاتها؟ أليس تناقضا فاضحا الحديث عن حقوق المرأة السياسية في دول لم تحصل الشعوب فيها بعد على حقها في اختيار حكوماتها ولا يوجد فيها حرية حقيقية ولا تعددية ولا أحزاب سياسية؟! ما هو السر وراء كل هذا الاهتمام الأمريكي بالمرأة في الخليج إلى حد الضغط على حكومات المنطقة لتبدأ الإصلاح السياسي بها، وعدم الاكتراث في المقابل بالأساس الأول للنظام الديمقراطي وهو حق الشعوب في اختيار حكوماتها؟! هذه الأسئلة وجهناها للمستشار السياسي للسفير الأمريكي في زيارته لنا بتاريخ 31/ 12/ 2002 مع تأكيدنا له بأننا نرفض مبدأ التدخل في شؤوننا الداخلية وأننا نفضل تحقيق تطلعاتنا بجهدنا الذاتي ولو بعد عشر سنين على أن تتحقق بعد سنة بضغط خارجي فحار جوابا ثم قال: أرأيتم هذه الطاولة التي بين يدي وهذه الأكواب التي عليها إذا لم استطع قلبها ماذا أفعل؟ ثم قال : بالطبع يمكن إعادة ترتيب الأكواب من جديد إذا لم نتمكن من قلب الطاولة بشكل كامل؟!
ولم يقنعنا جواب المستشار الأمريكي، لأننا أصلا لم نكن نجهل الإجابة عن ذلك السؤال بل ندرك أبعاد وأهداف كل هذا الاهتمام بالمرأة التي هي المدخل الطبيعي للتغيير الثقافي لفتح المنطقة على مصراعيها أمام الثقافة الغربية وقيمها الأخلاقية في مجتمعات محافظة لا تعاني المرأة فيها من مشكلة بقدر معاناة الشعوب نفسها من الاستبداد السياسي ومصادرة حقوقها وحرياتها السياسية مع كون حكوماتها حليفة منذ نصف قرن للولايات المتحدة التي اكتشفت فجأة أن الإصلاح السياسي في الخليج يبدأ بالمرأة لا بالشعوب؟!
بالطبع لا يمكن تصديق أمريكا بأنه يهمها موضوع الديمقراطية والحريات السياسية في المنطقة إلا إذا صدقنا أنها جاءت بجيوشها وأساطيلها من أجل تحرير الشعب العراقي لا من أجل احتلاله والسيطرة على ثرواته!!
لقد اكتشفت أمريكا أن العالم لن يصدق أن الهدف من الحرب على العراق هو إقامة نظام ديمقراطي ومن أجل تداول للسلطة سلمي، في الوقت الذي ما تزال حكومات المنطقة الحليفة لها تحكم شعوبها بشكل استبدادي فلا صحافة حرة ولا أحزاب معارضة ولا تعددية سياسية ولا حرية حقيقية، بل هي المنطقة الوحيدة في العالم العربي كله التي تحظر قيام الأحزاب السياسية التي لا يتصور قيام تعددية وحرية من دونها؟!
لقد أدركت أمريكا أنه لا بد من حل هذه الإشكالية بشكل مقبول يثبت للعالم مدى اهتمامها بموضوع الحرية والديمقراطية في الخليج كله وليس فقط في العراق، وأن الدول الحليفة لها في المنطقة تسير هي أيضا في هذا الطريق بشكل سلمي دون حاجة لخوض حرب معها من أجل تحرير شعوبها منها كما حصل في العراق! فتفتق ذهن الساسة في أمريكا عن هذا الحل الذي يرفع عنها الحرج ولا يضر حلفاءها في المنطقة! فلتكن البداية بحقوق المرأة التي لا تمثل مشكلة بالنسبة لحكومات المنطقة، بل هي محل قبول لديها ما دامت ستؤجل طرح موضوع حقوق الشعوب في منطقة الخليج باختيار حكوماتها عن طريق الانتخاب المباشر، وهو ما لا تريده الحكومات ولا تريده أمريكا أيضا!
وإلا أليس غريبا أن تشارك دول المنطقة في حرب تحرير العراق من أجل إقامة نظام ديمقراطي هناك يقوم على التعددية والحرية السياسية والتداول السلمي للسلطة واحترام حقوق الإنسان بينما هذه الدول نفسها لم يتحقق لشعوبها شيء من ذلك؟!
كيف تشارك هذه الدول التي ما زالت تحكم شعوبها وفق مبدأ إقطاعي عشائري وراثي يقوم على تبعية الشعوب للحكومات لا العكس في حرب من أجل إقامة دولة ديمقراطية حديثة في العراق؟! وهل تحقيق هذا الهدف في العراق الذي يعيش كل التناقضات العرقية والطائفية والسياسية أسهل من تحقيقه في الدول الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة والتي لا تتردد في تنفيذ ما تطلبه أمريكا منها ابتداء من الدخول في عملية السلام مع إسرائيل والعمل من أجل مكافحة الإرهاب بما في ذلك قطع المساعدات عن المقاومة الفلسطينية المشروعة وانتهاء بإقرار حقوق المرأة السياسية؟!
ما الذي يمنع أمريكا التي خاضت حربا مدمرة في العراق من أجل الديمقراطية أن تطلب من حلفائها في المنطقة احترام حقوق الإنسان والعمل من أجل إقرار مبدأ التعددية السياسية والسماح بإشهار الأحزاب ومشاركة الشعوب في اختيار حكوماتها بشكل مباشر في ظل ملكيات دستورية؟!
قطعا لا يوجد ما يمنع أمريكا من ذلك فشعوب المنطقة لا ترفض مثل هذه الإصلاحات السياسية بل تتوق إليها، كما لا تتعارض هذه الإصلاحات مع دين المجتمع وقيمه الحضارية، إذ الشورى السياسية وحق الأمة في اختيار السلطة ومشاركتها الرأي ومحاسبتها كل ذلك من مبادئ أصول الحكم في الإسلام وهي مبادئ مشتركة بين الإسلام والديمقراطية، فلم تغض الإدارة الأمريكية الطرف عنها مع أهميتها وخطورتها والتي هي الأساس لأي عملية إصلاح سياسي واقتصادي وتنموي وتشغلنا بدلا من ذلك بحقوق المرأة السياسية؟!
أعلم أنها أسئلة يصعب الإجابة عنها ولن يستطيع الليبراليون الخليجيون الإجابة عنها لأنهم هم أول من رفضوا دعوة الحركة السلفية إلى التعددية السياسية قبل ثلاث سنوات بدعوى أن الوقت لم يحن بعد فما زالت الشعوب في نظرهم قاصرة لتتمتع بحقوقها السياسية؟!
وسيجد سدنة العهد الأمريكي الجديد أن كل ما يبشروننا به من تهيئة المنطقة للعصر الديمقراطي ليس سوى خدعة كبرى وكذبة باردة في ليلة شاتية، لأنه كما جاء في الحكمة القديمة إنك لا تجني من الشوك العنب! فكل الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة العربية منذ نصف قرن هي أنظمة دكتاتورية استبدادية عسكرية كانت أو ملكية، ولم نجد نظاما واحدا منها نجح في تطوير ممارساته السياسية طوال تلك المدة، ولا يهم أمريكا أن تتحول الحكومات الحليفة لها إلى أنظمة ديمقراطية بقدر اهتمامها بأن تظل مستعمرات أمريكية بشرط المبادرة إلى إقرار حقوق المرأة السياسية ولا عزاء للشعوب الخليجية؟!) انتهى المقال!
وقد قال ريتشارد بيل في ذلك اللقاء مع أعضاء المكتب السياسي للحركة السلفية : عليكم أن تحددوا موقفكم هل أنتم مع الإرهاب أم ضده؟
فقلت له : علينا أن نتفق على مفهوم الإرهاب أولا وهل تعدون ما يقوم به إيريل شارون من حرب على الشعب الفلسطيني إرهابا أم لا؟ وهل للشعوب الحق بمقاومة الاحتلال الأجنبي أم لا؟
وقد حذرته من خطورة تداعيات الحرب على العراق وأنها ستكون كارثية على العالم العربي وعلى أمريكا نفسها، وأنهم ستواجهون فيتنام الثانية هناك، وأننا مع حق الشعب العراقي في الثورة على النظام وتغييره بإرادة شعبية وطنية، وليس من خلال احتلال أجنبي للعراق بدعوى تحريره!
وقلت له أنتم لا تقرؤون التاريخ جيدا فالشعب العراقي لن يستقبلكم بالورود كما تزعمون، بل بالدماء والبارود، والمعارضة التي ستجيء على ظهر الدبابة معكم سترحل برحيلكم!
وقد كان ما حذرته منه فبعد احتلال العراق وتصاعد عمليات المقاومة العراقية طلب ريتشارد بيل لقاء ثانيا معنا، ودار حديث طويل سأدعه حتى يأتي في وقته!
لقد كان زلزال احتلال العراق أشد وقعا على الصعيد العقائدي والفكري، منه على الصعيد السياسي والعسكري، فقد بلغ الخطاب الديني السني والشيعي الرسميين في سقوطهما قعر الهاوية، حيث نجح الاستعمار الجديد في توظيف الجميع في خدمته، وكما استصدر بريمر الحاكم العسكري الأمريكي للعراق فتوى من المراجع الشيعية بعدم مقاومة الاحتلال والاعتراف بحكومته التي جاء بها – مقابل مائتي مليون دولار كما جاء في بعض المذكرات - تم في المقابل صدور الفتاوى باسم السنة بوجوب طاعة بريمر وحكومته، وأنه يحرم مقاومته، وأنه يجب طاعة ولي الأمر في كل بلد وعدم الخروج عليه، وأن له أن يعاهد من يشاء ليدخل قواته في بلده..الخ
وتتابعت الفتاوى المشبوهة من الفريقين حتى وصل الأمر إلى القول بأن القتال مع الجيش الأمريكي هو من الجهاد في سبيل الله، وأن من يقاومه مفسدون في الأرض، يجب الأخذ على أيديهم! حتى امتلأت السجون بآلاف المصلحين الأبرار والمجاهدين الأحرار!
فإذا الاحتلال الأجنبي العسكري يرسخ أقدامه أكثر فأكثر باسم الإسلام، وبفتاوى أتباع السلف وأتباع آل البيت! والسلف وآل البيت من الطائفتين براء!
يقضى على المرء في أيام محنته
حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن!
لقد انتفض الشارع العربي بفطرته وعفويته، وشارك في المقاومة، إلا إنه عاد إلى أدراجه هادئا طائعا بعد أن تم تدجينه مرة أخرى بخطاب ديني! تارة بالفتاوى ونظرية المصالح والمفاسد، التي تكون دائما لصالح الاحتلال والاستبداد، وتارة بالسجن والتعذيب لمن يرفض الفتوى وطاعة ولي الأمر!
وانسحبت الحركة الإسلامية هي أيضا واستروحت لخطاب التدجين، وخفت صوتها ضد احتلال العراق، ودخلت العملية السياسية، وصارت جزءا منه في العراق كما في أفغانستان، وتحالفت مع حلفائه في العالم العربي كله من المغرب والجزائر إلى الخليج واليمن والأردن ..الخ
لقد كانت قوة أمريكا وحلف النيتو المذهلة في الحرب التي تم تغطيتها إعلاميا في أفغانستان والعراق – بقصد الكشف عن مدى قدرة أمريكا العسكرية الهائلة - كافية في خلق ثقافة جديدة وهزيمة نفسية عامة لدى قطاع إسلامي عريض، سقط عنده خيار المقاومة فكريا وعقائديا، قبل أن يسقط عسكريا وواقعيا!
فلم تعد تسمع قوله تعالى {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} ولا قوله {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} كما كانت تردد قبل ذلك في كل مسجد في العالم الإسلامي أثناء الحرب مع الروس في أفغانستان!
بل وصار خطاب الهزيمة يتهم كل من يقاوم الاحتلال بالهوس والجنون والمغامرة!
وتغير الخطاب الإسلامي نحو الأسوأ حيث تجاوز كل المحظورات باسم الواقعية والحكمة حتى صارت الخيانة دينا، والعمالة للمحتل فلسفة وخلقا!
وقد أدركت منذ سقوط بغداد بأن المنطقة ستشهد تغييرا جذريا وأن تداعياته ستظل إلى عقودا من الزمن، كما هي تداعيات سقوط فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي!
وكان قد سألني ليلة سقوط بغداد الأستاذ الفاضل سيف الهاجري وكثير من الأخوة ماذا تتوقع بعد سقوط بغداد؟
فقلت لهم : سقوط بغداد نهاية عصر وبداية عصر، وستظل تداعيات الحدث قائمة حتى يسقط النظام العربي كله، وستشهد المنطقة ثورة عارمة خلال عقد من الزمن!
وقد أقسمت في لقاءات كثيرة بأنه لا كفارة للأنظمة العميلة على خيانتها لبغداد والعراق إلا بسقوط هذه الأنظمة وقيام أنظمة تعبر عن الأمة وإرادتها!
لقد سقط الخطاب الديني المشوه، وسقط معه رجل الدين الممسوخ، سقوطا لن تقوم له بعده قائمة بعد تحالفه مع الاستبداد ثم الاستعمار، إلا أن المشكلة هي في الخطاب الإسلامي البديل كيف سيكون! وكيف سيتشكل! ومن الذي سيحمله! وكيف يمكن مواجهة هذا الواقع الذي فرضه الاحتلال وحلفاؤه؟
هذا ما وقف المخلصون أمامه كتحد جديد خارجي وداخلي، وكان التداعي بينهم لأول لقاء سري، في سنة 2004م في مدينة ... للتدارس في الأزمة التي تعيشها المنطقة العربية بعد سقوط بغداد، حيث كان مشهد سقوط النظام العربي الرسمي مروعا، فلم تكن هناك حكومات حقيقية، بل دمى يحركها سفراء الولايات المتحدة الأمريكية، في كل المنطقة العربية!
وللقصة بقية

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر