الراصد القديم

2011/10/17

التعثر في حرب أفغانستان يدفع البيت الأبيض نحو المجهول- باكستان في مرمى التهديد الأمريكي


شبكة البصرة

عمر نجيب

قبل سنوات وخلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين كشف الرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف في كتابه "على خط النار" أن واشنطن هددت بقصف باكستان بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 على نيويورك وواشنطن إذا لم تتعاون في مساندة غزو الولايات المتحدة لأفغانستان. وقال في هذا الصدد إنه تلقى مكالمة صباح اليوم الثاني من هجمات سبتمبر من وزير الخارجية الأمريكي في ذلك الوقت كولن باول، كان مفادها "إما معنا أو ضدنا"، كما أن ريتشارد ارميتاج، مساعد وزير الخارجية في هذا الوقت هدد مدير الاستخبارات الباكستانية الذي كان في وقت الهجمات يزور الولايات المتحدة، بأنه في حالة قرار باكستان رفض دعم البيت الأبيض في حربه القادمة ضد طالبان فإن أمريكا ستعيد باكستان للعصر الحجري، ووصف مشرف هذه الملاحظة بأنها بالغة القسوة، لكنه اضاف: يجب ان نفكر ونتخذ التدابير لما فيه مصلحة البلاد وهذا ما فعلته.‏

وفي 13 سبتمبر جاءت السفيرة الأمريكية في باكستان ويندي تشامبرلين بسبعة مطالب منها إعطاء الطائرات الأمريكية حرية الهبوط والإقلاع من المطارات الباكستانية، إضافة لاستخدام أمريكا للقواعد الجوية والبحرية والمواقع الاستراتيجية على الحدود أثناء غزوها لأفغانستان.

ووصف مشرف تلك الشروط والتهديدات بأنها كانت مثيرة للإحباط وتمثل إهانة لجندي مثله، إلا أنه اضطر للموافقة على دعم أمريكا ضد طالبان وعزا ذلك أساسا إلى أن: مصلحة شعبه اقتضت ذلك لأن حسابات الحرب تجعل باكستان في الطرف الخاسر مع أمريكا لضعف جيشها مقارنة مع الجيش الأمريكي، ولضعف الاقتصاد الباكستاني، خصوصا أن إسلام آباد لا نفط لديها، كما أن هناك نقصا فيما أسماه الانسجام الاجتماعي القادر على جمع الباكستانيين في جبهة واحدة لمواجهة العدوان الأمريكي وبالتالي فإن باكستان ستكون خاسرة حتما للمعركة. وأشار مشرف إلى أن الهند كانت ستبتلع باكستان بمساعدة واشنطن إذا قررت إسلام آباد رفض الاملاءات الأمريكية.

وقال مشرف أنه قرر الكشف عن العمليات ذات الطابع السري التي قامت بها باكستان بعد أحداث سبتمبر من أجل الرد على اتهام أصوات أمريكية بأن باكستان لم تقم بعمل أي شيء لمكافحة الإرهاب، موضحا أنه غضب من موقف واشنطن المتحرش بباكستان بعد أحداث سبتمبر حتى أنها ذهبت إلى مطالبته بقمع كل التظاهرات ضد أمريكا في بلاده، وهو مطلب وصفه بأنه تافه.



إعادة إلى العصر الحجري

تهديد واشنطن بإعادة باكستان إلى العصر الحجري جاء بعد سنوات من تعثر مشاريعها لإفشال برامج إسلام آباد الخاص بالحصول على السلاح النووي، غير أن البيت الأبيض وبعد أن حصد الهزيمة في معركته لمنع باكستان من إمتلاك سلاح الردع الأفضل في ذلك التوقيت واصل وضع الخطط للوصول إلى هدفه ولو بعد حين.

المؤرخ العسكري الأمريكي فريدريك كيغان أحد مهندسي خطة تعزيز القوات الأمريكية في العراق خلال سنة 2007، حث إدارة بوش على دراسة إرسال قوات من النخبة إلى باكستان للاستيلاء على أسلحتها النووية.

وذكرت صحيفة الغارديان البريطانية التي نشرت الخبر في عددها الصادر بتاريخ 12 يناير 2007 تحت عنوان "بوش يتسلم مخططًا للاستيلاء على الترسانة النووية الباكستانية"، أن كيغان يرى أن على الولايات المتحدة أن تحسب حساباتها لتحديد حجم الأزمة في باكستان وتحضير الرد المناسب عليها، حيث إنها لا تقل تهديدا لأمنها عما كانت تمثله الدبابات السوفيتية.

فباكستان، برأيه، هي الاختبار المستقبلي الكبير، وهو ما دعاه إلى تصور سلسلة من السيناريوهات الخاصة بباكستان.

في الوقت الذي كان يجري فيه هذا الجدل نشرت صحف صهيونية أخبارا عن احتمال مشاركة قوات من وحدات النخبة الإسرائيلية في عمليات ضد الترسانة النووية الباكستانية خاصة بعد أن تسربت من متعاملين مع المخابرات المركزية الأمريكية أخبار عن أن دولا عربية تعاونت مع البرنامج النووي لإسلام آباد أما ماديا أو بمشاركة عن طريق الخبرات، حصلت أما على رؤوس نووية قابلة للنقل بالطائرات أو الصواريخ، أو المعطيات التقنية الكاملة الكافية لصنع السلاح النووي دون الحاجة للمرور بمرحلة التجارب.

فريدريك كيغان من أنصار مشروع المحافظين الجدد حول الشرق الأوسط الكبير الذي ينص على تقسيم دول المنطقة إلى ما بين 54 و56 دويلة، وهو يعتبر باكستان جزء ضمن المخطط.



الدور المزدوج

بعد 10 سنوات على التهديدات الأمريكية ويوم الثلاثاء 20 سبتمبر 2011 اعلن رئيس اركان الجيوش الأمريكية المشتركة امام مؤسسة كارنيغي في واشنطن الاميرال مايكل مولن أن على أجهزة الاستخبارات الباكستانية أن تكف عن دعمها شبكة حقاني الاسلامية التي يشتبه بوقوفها وراء العديد من الهجمات على قوات التحالف في افغانستان.

وإتهم مولن باكستان "بتصدير العنف" الى افغانستان بواسطة اجهزتها الاستخباراتية عن طريق دعم شبكة حقاني التي وصفها امام الكونغرس في 22 سبتمبر ب"الذراع الحقيقية" للاستخبارات الباكستانية، واتهم باكستان بتقديم الدعم لهجوم شنته هذه الشبكة على السفارة الأمريكية في كابل في 13 سبتمبر 2011، وهجمات أخرى، وقال مولن أنه يعتقد أن باكستان أبقت علاقاتها مع شبكة حقاني بهدف تحسين أمنها.

واعتبر أنه "من دون وقف هذا الدعم الباكستاني لا يمكننا ان نحقق النجاح" في افغانستان. وأكد أن باكستان تدعم شبكة حقاني والعديد من حركات التمرد الأفغانية "منذ وقت طويل" لافتا الى "وجوب تغيير هذه الاستراتيجية في المستقبل".

وجاءت تصريحات مولن الذي غادر منصبه مع نهاية شهر سبتمبر أثر انتقادات حادة وجهها العديد من المسؤولين الأمريكيين لما وصفوه بالدور المزدوج الذي تقوم به باكستان في افغانستان.

وقبل ذلك بإسبوع اعلن وزير الدفاع الامريكي ليون بانيتا ان الولايات المتحدة ستبذل ما في وسعها للدفاع عن قواتها.

وردا على سؤال حول هذه النقطة، أكد مولن أن "الولايات المتحدة مستعدة لاتخاذ الخطوات الملائمة لحماية رجالنا ونسائنا الذين يخوضون معارك، وحماية المواطنين الأفغان".

لكنه رفض أن يحدد ماهية هذه "الخطوات الملائمة".

وتدهورت العلاقات بين الولايات المتحدة وباكستان خصوصا منذ مايو 2011 بعد تكثفت الهجمات الأمريكية داخل الأراضي الباكستانية.

يوم الجمعة 30 سبتمبر 2011 دعا الرئيس الامريكي باراك اوباما السلطات الباكستانية الى "معالجة المشكلة" التي يطرحها وجود شبكة حقاني على اراضيها.

ولكن اوباما لم يتبن نفس الاتهامات التي وجهها رئيس اركان الجيوش الأمريكية المشتركة مايكل مولن حيال السلطات الباكستانية.

وقال خلال مقابلة مع المذيع مايكل سميرشونيش بثتها عشرات الاذاعات المحلية الامريكية "اعتقد ان تصريحات مايكل تعكس امتعاضه من وجود ملاذات في باكستان ومن بينها ملاذات شبكة حقاني".

وتحدث اوباما عن العلاقات المفترضة بين اجهزة الاستخبارات الباكستانية وشبكة حقاني، مشيرا الى ان "المعلومات عن الطبيعة الحقيقية لهذه العلاقة ليست واضحة بالدرجة التي نتمناها".

وتابع الرئيس الامريكي "ولكن سواء أكانت هناك علاقات فعلية بين شبكة حقاني والباكستانيين ام أكان الباكستانيون يسمحون لها ببساطة بالتحرك من دون رادع في بعض المناطق الحدودية، فإن عليهم معالجة هذه المشكلة".

واعترف اوباما بان العلاقات بين واشنطن وإسلام اباد "ليست كما ينبغي أن تكون عليه"، وذلك في اقرار منه بأن هذه العلاقات تدهورت.

ولكن الرئيس الامريكي اشاد بتعاون الباكستانيين في مجال مكافحة تنظيم القاعدة، واضاف "سوف نواصل حضهم على الاقرار بأن من مصلحتهم، وليس من مصلحتنا فقط، ان لا ينشط المتطرفون على حدودهم".

ويوم الجمعة ايضا وفي تقرير أرسله إلى الكونغرس أقر البيت الابيض بان العمليات الباكستانية لمكافحة المتطرفين في المناطق القبلية في شمال غرب البلاد سجلت تراجعا كبيرا خلال الأشهر الاخيرة.

وبحسب نسخة من هذا التقرير رفعت عنها السرية وحصلت عليها وكالة "فرانس برس" فإن التوترات التي نشبت بين واشنطن واسلام اباد كان لها أثر سلبي بالغ على التعاون بين القوات الأمريكية ونظيرتها الباكستانية في المنطقة حيث تردت الأوضاع الامنية بين شهري يونيو وأغسطس 2011.وجاء في التقرير ان "العمليات العسكرية الباكستانية تواصلت في المناطق القبلية ولكن نشاط من وصفهم بالمتمردين وسلسلة هجمات ضد قوات الأمن ساهمت في تدهور الوضع على الصعيد الأمني".

ولم يأت التقرير في صيغته المعدة للنشر على ذكر شبكة حقاني.



جوقة الكونغرس

في الكونغرس الأمريكي تجري عملية تصعيد للتهديدات ضد إسلام آباد بهدف مساعدة البيت الأبيض في ضغوطه ولإسكات الاصوات التي قد تقول أن إدارة أوباما تقود البلاد نحو حرب جديدة. وهكذا أكد السناتور لينزي جراهام وهو صوت مؤثر من الحزب الجمهوري على السياسة الخارجية والشؤون العسكرية، وعضو بمجلس الشيوخ الأمريكي، إن الدعم يتزايد داخل الكونغرس لتوسيع خيارات نطاق العمل العسكري الأمريكي في باكستان، ليتجاوز الغارات بطائرات بدون طيار، وربما تشمل هذه الخيارات استخدام قاذفات قنابل أمريكية داخل باكستان.

وأضاف السناتور جراهام في مقابلة نشرت يوم الثلاثاء 27 سبتمبر، أنه لا يشجع إرسال قوات برية أمريكية إلى باكستان، وقال: "ولكن حين يتعلق الأمر بالدفاع عن الجنود الأمريكيين، فلدينا أدوات كثيرة تتجاوز الطائرات بلا طيار".

وأضاف جراهام: إن النواب الأمريكيين سيبحثون تصعيد الضغوط العسكرية، "إذا رأى الناس أن المسألة وصلت إلى مرحلة تكون فيها هذه هي الطريقة الوحيدة لحماية مصالحنا فإنني أعتقد أنه سيكون هناك الكثير من الدعم".

بدورها، قالت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون يوم الأربعاء 28 سبتمبر: "نحن في مرحلة المراجعة الرسمية الأخيرة التي يجب القيام بها لاتخاذ قرار على نطاق الحكومة لتصنيف شبكة حقاني كتنظيم إرهابي أجنبي"، وأضافت أن واشنطن أدرجت بالفعل عدداً من قيادات شبكة حقاني على القائمة الأمريكية للإرهاب.

ردا على التهديدات الأمريكية أنذرت إسلام آباد يوم الخميس 29 سبتمبر واشنطن برد عسكري إذا قصفت أراضيها. وأعلن رئيس الاستخبارات الباكستانية أن الجيش سيرد على أي عمل عسكري أمريكي في باكستان. وقال رئيس الوزراء الباكستاني يوسف رضا جيلاني في مؤتمر موسع ضم زعماء أحزاب الائتلاف الحاكم وأحزاب المعارضة والقادة العسكريين: إن الاتهامات الأمريكية لبلاده بدعم شبكة حقاني التي تقاتل القوات الأجنبية في أفغانستان مثيرة للصدمة. وتابع جيلاني أن واشنطن أنكرت تضحيات باكستان ونجاحاتها في مجال مكافحة الإرهاب، متهما في الوقت ذاته الولايات المتحدة بتحميل باكستان مسؤولية إخفاقها في أفغانستان، وأضاف مخاطبا المشاركين في المؤتمر ومن بينهم رئيس الوزراء الأسبق نواز شريف "لا يمكن أن تتعرض باكستان لمزيد من الضغط لبذل جهود إضافية. ستتم حماية مصالحنا الوطنية بأي ثمن". وتابع "يجب أن تتوقف لعبة اللوم، ويجب احترام مصالح باكستان القومية الحساسة".

وفي مقابل رفض الاتهامات والضغوط الأمريكية، شدد رئيس الوزراء الباكستاني على أنه ينبغي حل كل القضايا بين بلاده والولايات المتحدة بشكل مسؤول وعن طريق الحوار. ونقلت محطة "إكسبرس" التلفزونية المحلية لاحقًا عن رئيس أكبر جهاز للاستخبارات الباكستانية "آي أس آي" أحمد شجاع باشا قوله في المؤتمر: إن الجيش الباكستاني قادر على الرد على أي عمل عسكري تشنه القوات الأمريكية داخل باكستان. وشدد على أن أي عمل عسكري أمريكي في باكستان بذريعة مكافحة التطرف سيكون غير مقبول، إلا أنه أكد أن باكستان تحرص على ألا تبلغ العلاقة بين البلدين نقطة اللا عودة وفق ما نقلت عنه وسائل إعلام محلية.

وكانت تقارير ذكرت قبل أيام أن القوات الباكستانية وضعت في حالة تأهب تحسبا لعمليات أمريكية تستهدف مواقع مفترضة لشبكة حقاني.

يأتي ذلك فيما قال مسؤول أمريكي: إن كلا البلدين يبحثان اتفاقًا من شأنه السماح لما بين 100 و150 فردا من القوات المسلحة الأمريكية بالتمركز في باكستان وهو عدد أقل مما كان في الماضي القريب.

وذكر المسؤول الذي طلب عدم نشر اسمه: "هذا ما يسعون إليه".



تضحيات باكستان

في نطاق عملية شد الحبل بين واشنطن وإسلام آباد، نشرت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية يوم 1 أكتوبر 2011 مقالا للرئيس الباكستانى آصف على زردارى تناول فيه علاقة باكستان بأمريكا خلال الفترة الأخيرة، قائلا "إن الديمقراطية تفضل دائما الحوار بدلا من المواجهات، لقد استخدمت أمريكا مؤخرا إستراتيجية الاتهامات التى أضرت بالعلاقة بين باكستان والولايات المتحدة".

وأضاف"لم نكن نتوقع رد أمريكا الحليف الأقوى لنا، بهذه الاتهامات فى الوقت الذى يعانى فيه المواطنون الباكستانيون من كارثة الفيضانات، وهو ما صدم جميع أطياف الأمة التى تعانى من خطر الإرهاب على مدى عقود".

وأضاف بعد هجمات سبتمبر 11 عام 2001، فقدنا 30000 من المدنيين الأبرياء و5000 من ضباط الجيش والشرطة المسلحة فى الوقت التى اتهمتنا فيه الولايات المتحدة بدعم الشبكات الإرهابية، بعد أن عانينا من أكثر من 300 عملية انتحارية من قبل القوى التى تتخذ مناطق الحدود ملاذا لها.

ولقد استنزفنا ما يقرب من 100 مليار دولار بشكل مباشر فى المجهود الحربى، وعشرات المليارات من الاستثمارات الأجنبية المفقودة.

"الشارع الباكستانى لديه الآن الكثير من الأسئلة، وشعبى يسأل، هل دماؤنا رخيصة إلى هذا الحد؟ هل حياة أطفالنا لا قيمة لها؟ هل يجب علينا أن تحارب وحدنا فى منطقتنا؟

"نحن نخطط حاليا للتحضير لمرحلة ما بعد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، وأشعر أننا سنواجه عاصفة من النار، إذا لم نضع خطط بديلة للقضاء على هذه المجموعات الإرهابية، ونتحمل المسئولية وحدنا. أين الولايات المتحدة الآن؟، فنحن نقاتل نفس العدو، ونتقاسم نفس القيم الديمقراطية، ونقدر معا الأزمات الاقتصادية، لكن تم مؤخرا توجيه الاتهامات ضدنا وضد جهود الحرب ومصالحنا الاستراتيجية المشتركة. لكن لم نتوقف إطلاقا، وسنستمر فى استصلاح الأراضى وتعمير بلادنا "بوصة بوصة" من دون الولايات المتحدة، لأننا شعب عنيد، ولن نسمح أن يكون الدين سببا للإرهاب والاضطهاد. أخيرا كلما أسرعنا فى وقف إطلاق السهام اللفظية، ونسقنا مواردنا ضد التعصب، يمكننا استعادة الاستقرار ومواصلة التضحية لاستعادة أمن بلادنا".



أوهام النصر الأمريكية

يقول محللون وخبراء عسكريون ان إدارة الرئيس أوباما ورغم التعزيزات الكبيرة التي أرسلتها إلى ساحة الحرب الأفغانية أخذت تشك في إمكانية إحراز نصر عسكري، ومفاوضاتها عبر قنوات متعددة مع حركة طالبان لم تمكنها من التوصل إلى تسوية تحفظ بها ماء وجهها وتجنبها نهاية كالتي عرفتها في الفيتنام خلال عقد السبعينات من القرن الماضي. ولهذا تطرح عدة سيناريوهات.

البعض في مراكز القرار في الولايات المتحدة يريدها حربا جوية مفتوحة لتدمير كل قدرات باكستان عسكرية وإقتصادية وإشراك الهند في عملية تدجين إسلام آباد. معارضو هذا التوجه يحذرون من رد الصين التي سترى في إنقلاب واشنطن الكامل على إسلام آباد تهديدا مباشرا لأمنها القومي، فتصفية باكستان ستعني إستكمال حلقة في طوق الحصار الذي تحاول واشنطن تشييده حول الصين، كما يشكك هؤلاء في رغبة نيودلهي في ركوب قطار المغامرة الأمريكية.



التحريض

وفي نطاق محاولة جر الهند إلى المخطط الأمريكي القاضي بالدخول في مواجهة مباشرة مع إسلام آباد، أعلن في واشنطن يوم 24 سبتمبر أن وكالات امريكية تبحث عن تشابه محتمل بين هجمات على اهداف تابعة للولايات المتحدة وحلف شمال الاطلسي في افغانستان في 13 سبتمبر 2011 والهجوم الذي شنه متشددون على أهداف مدنية في مومباي بالهند في نوفمبر 2008.

وابلغ مسؤولون أمريكيون حاليون وسابقون في محاربة الارهاب "رويترز" انه تجري مقارنة الهجومين في اطار فحص الحكومة ادلة تربط هجوم كابل بوكالة المخابرات الباكستانية الرئيسية.

واحدى النقاط التي تخضع للدراسة اجراء متشددين اثناء الهجومين اتصالات هاتفية مع افراد بوكالة المخابرات في باكستان.

وقال بروس ريدل المحلل السابق في وكالة المخابرات المركزية الامريكية "سي.اي.ايه" الذي قدم استشارات للرئيس باراك اوباما بشان السياسة تجاه افغانستان ان ثمة اوجه شبه بين الهجومين تلمح الى تنفيذ وحدة سرية في الوكالة يطلق عليها الفرع "اس" الهجومين.

ونفى مسؤولون باكستانيون كبار الاتهامات الأمريكية بتورط الوكالة الباكستانية وحذروا واشنطن من خطر فقد حليف في جنوب اسيا.

وذكر ريدل ل"رويترز" ان الولايات المتحدة لديها أدلة على أن المهاجمين في كابل اتصلوا بالوكالة الباكستانية قبل واثناء والهجوم.

محلل ألماني علق فقال "التصريحات الأمريكية لا يمكن أن يصدقها حتى طفل".



الردع النووي

يقول خبير عسكري ألماني أن امتلاك الباكستان للسلاح النووي وقدرتها على استهداف مواقع تبعد عن حدودها بعدة آلاف الكيلومترات يعتبر صمام آمان وردع في نفس الوقت في مواجهة كل من يريدون ركوب قطار القصف والتدمير ضدها.

ويذكر الخبير الألماني بما قاله السفير البريطاني المنتهية ولايته في كوريا الشمالية بيتر هيو يوم الأربعاء 28 سبتمبر عن أن المسؤولين في "بيونغ يانغ" يعتقدون ان النظام الليبي سقط لأنه لم يحتفظ بأسلحته النووية!. وأضاف "أجريت نقاشات مع مسؤولين رفيعي المستوى "في بيونغ يانغ" أوضحوا لي بأنه لو لم يتخل العقيد القذافي عن الأسلحة النووية، لما كان الناتو هاجم البلاد".

واعتبر السفير ان هذا الكلام يعني ان كوريا الشمالية لن تقدم على نزع أسلحتها النووية إلا بعد أن ينزع العالم بأسره أسلحته النووية.



صفقة

في واشنطن وضمن من لا يريدون التصعيد في الوقت الحاضر على الأقل من يقترح صفقة مباشرة مع باكستان وتجاوز حركة طالبان، في حين يريد آخرون مواصلة التفاوض مع الحركة.

مع نهاية شهر سبتمبر 2011 قال الرئيس الافغاني حامد كرزاي إن الحكومة الافغانية لم تعد تعقد أي مفاوضات سلام مع حركة طالبان. وإن مقتل برهان الدين رباني الرئيس السابق والوسيط في التفاوض مع طالبان قد اقنعه بأن من الأفضل التركيز على الحوار مع باكستان.

واكمل "من هو الجانب الآخر في عملية السلام؟ ليس لدي أي جواب آخر غير القول إن باكستان هي الجانب الاخر في محادثات السلام معنا".

في تناقض واضح أعلن وزير الخارجية الأفغاني زلماي رسول من جانبه أمام الأمم المتحدة يوم الخميس 29 سبتمبر أن جهود المصالحة التي تقوم بها السلطات الأفغانية مع مقاتلي حركة طالبان ستستمر رغم اغتيال برهان الدين رباني.



دفن الرؤوس في الرمال

الادارة الأمريكية وحكومات العديد من الدول التي تشاركها في الحرب الأفغانية تحاول المغالطة بشأن انتكاساتها العسكرية، وتوهم نفسها والعالم أن وضع قواتها يتحسن.

يوم الاربعاء 28 سبتمبر ذكر تقرير للامم المتحدة أن أفغانستان شهدت زيادة بلغت نحو 40 بالمئة في معدل عدد الحوادث الأمنية التي سجلت خلال عام حتى نهاية أغسطس مقارنة مع نفس الفترة في 2010.

وأضاف التقرير الذي قدمه الامين العام للامم المتحدة بان كي مون لمجلس الأمن أيضا أن الخسائر في صفوف المدنيين بلغت بالفعل مستويات قياسية في الاشهر الستة الاولى من العام وزادت بنسبة خمسة بالمئة في الفترة من يونيو الى أغسطس مقارنة بنفس الفترة في 2010.

وأدى الصراع الى تشريد حوالي 130 الف شخص في الاشهر السبعة الاولى من العام بزيادة بلغت نحو الثلثين مقارنة مع نفس الفترة قبل عام.

مساعد السفير الروسي لدى الأمم المتحدة ايجور بانكين عضد التقرير الأممي مؤكدا أن القوات الأمريكية لم تحقق "تقدما". وأضاف بانكين "نلاحظ ذلك في الوتيرة الملفتة للأعمال المسلحة واغتيال مسؤولين أفغان رفيعي المستوى، بالإضافة إلى التوتر في باكستان والزيادة في الخسائر بين جنود قوات التحالف في أفغانستان".

رغم كل ذلك نفت قيادة القوة التي يقودها حلف شمال الأطلسي "ايساف" في أفغانستان تدهور الوضع الأمني وادعت إن "هجمات المتمردين كانت أقل بنسبة 2 في المائة في الأشهر الثمانية الأولى من العام الجاري مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي".

وقال المتحدث بإسم "ايساف" البريغادير جنرال كارستين جاكوبسون في مؤتمر صحفي أن "البيانات الأمنية للأمم المتحدة و"ايساف" تختلف من حيث تصنيفها وطريقة جمعها، وحجمها". "تصنيف الامم المتحدة للحوادث الامنية يشمل عدد كبيرا من الحوادث مقارنة بتصنيف "ايساف" لتقارير عن الانشطة البارزة.. فالامم المتحدة تشير الى حوادث اخرى لا تشير اليها "ايساف" من قبيل العثور على اسلحة وعمليات الاعتقال والاغتيالات والترهيب وغيرها".

وذكر إنه في الأشهر الثلاثة السابقة على أغسطس 2011، تراجعت الهجمات التي يشنها العدو بنسبة 17 بالمئة مقارنة بنفس الفترة العام الماضي".

وأصبح الاختلاف في حصيلة القتلى مصدرا للتوتر المتزايد بين قوات حلف الأطلسي والمؤسسات الدولية والجماعات المعنية.

وقتل في أفغانستان 459 عسكريا من "الناتو" خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2011 بحسب موقع الانترنت المتخصص في احصاء الضحايا "آيكاجولتيز اورغ".

وقد عززت طالبان التي اخرجت من السلطة في كابل قبل عشر سنوات من قبل تحالف غربي بقيادة الولايات المتحدة، صفوفها في السنوات الماضية ووسعت نطاق عملياتها لتصل إلى كافة انحاء البلاد تقريبا رغم وجود حوالى 140 الف جندي من قوات "الناتو" بينهم أكثر من مئة الف امريكي.



نكسات متتالية

وتسجل مصادر الرصد أن الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2011 عرفت عدة نكسات للقوات الحليفة وخاصة الأمريكية على يد طالبان لعل أبرزها اسقاط مروحية "تشينوك" للقوات الخاصة يوم 6 أغسطس وقتل 31 جنديا.

وقد قال عضو في تلك القوات إنه “صدم ولم يصدق” عندما علم الخبر. وأضاف "لم يسبق أن حصل هذا، إنه أسوأ يوم في تاريخنا".

وأسقط المقاتلون المروحية في وادي تانجي المنطقة النائية في ولاية ورداك على بعد 100 كلم جنوب غرب كابول. وقتل 31 أمريكيا بينهم 20 من القوات الخاصة "نيفي سيلز"، وهو اختصار لكلمات "سي إير لاند" بحر جو أرض. وتسبب الحادث في أكبر خسارة في يوم واحد للتحالف خلال الحرب التي بدأت قبل نحو 10 سنوات. وشكل ضربة كبيرة للقوات الخاصة التي فقدت بذلك قسما كبيرا من رجالها.

ويوم الاثنين 26 سبتمبر وفي مؤشر على مدى قدرة طالبان على اختراق الدفاعات الأمريكية في أحصن مواقعها قتل امريكي عضو في المخابرات برصاص موظف افغاني أردي بدوره داخل مبنى فندق "اريانا" في كابل الملحق بالسفارة الأمريكية والذي تستخدمه وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي أي"، ما شكل ثاني خرق كبير لأمن السفارة الأمريكية بكابل خلال اسبوعين، إذ هاجم مسلحون موقع السفارة ومقر الحلف الاطلسي "ناتو" لمدة 19 ساعة مطلع شهر سبتمبر.



البحث عن خروج مشرف

تقريبا في نفس اليوم الذي اسقطت فيه مروحية "تشينوك" دعت مجلة "تايم" الأمريكية إلى بذل الجهود المطلوبة للخروج من أفغانستان خروجا مشرفا لا يوحي بالهزيمة والاندحار، وقالت إن تحديات كبيرة تنتظر ما سمتها المهمة الأمريكية على الأرض الأفغانية.

وذكرت إن القائد السابق لقوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان الجنرال الأمريكي ديفد بترايوس طالما أكد على ضرورة سير العمليتين العسكرية والسياسية في آن واحد، وعلى شكل "فريق واحد بمهمة واحدة" في الحرب على أفغانستان.

وأوضحت المجلة أن تصريحات بترايوس تلك لم تكن جزافا، ولكنه كان يحاول إرسال رسالة إلى الإدارة الأمريكية.

ولكن بعد مضي أكثر من 13 شهرا على تسلمه لمهامه في أفغانستان، فإنه يبدو أن دعوته ذهبت أدراج الرياح دون أن تلقى صدى أو أذنا صاغية من إدارة أوباما، وقد ترك الساحة ليخلفه جنرال آخر قد يقدم آراء جديدة.

وتضيف "التايم" أما الانسحاب الأمريكي من أفغانستان فإنه يرمز إلى الهزيمة والاندحار، مشيرة أنه على الأمريكيين أن يعملوا بشكل يوحي على الأقل بأن انسحابهم لا يدل على هاتين الصفتين المهينتين.

يتفق عدد كبير من المحللين وفيهم غربيون على أن غالبية الشعب الأفغاني ترفض الوجود العسكري الغربي وتتحرك بشكل أو بآخر لإنهائه وإن كانت فئات منهم تختلف سياسيا مع طالبان، وهذا ما يفسر الهجمات التي يقوم بها أفغان يعملون في المصالح والقواعد الأمريكية دون أن تكون لديهم أي علاقات مع الحركة.

ويرى هؤلاء ان ساسة الولايات المتحدة أما لا يعترفون بهذا المعطى أو يتجاهلونه ويتصور بعضهم أنه سيمكن مع مرور الوقت وبإستخدام الاساليب الدعائية الذكية تكوين جيل يقبل الوجود الأمريكي ويتعاون معه.

والواقع أن واشنطن جربت هذا الأسلوب في الفيتنام وفشلت ولكنها نجحت نسبيا في أماكن أخرى لفترات قصيرة.

السؤال المطروح هو ماذا سيحدث عندما تقلص الولايات المتحدة و"الناتو" حضورهم، هل تستطيع القوة المحلية التي سيشكلونها ضبط الوضع الأمني؟ واليس هناك خطر من أن تتحول تلك القوة المحلية الأفغانية إلى عدو.

التجربة أثبتت بعد عشر سنوات من الاحتلال أن القوات المحلية التي أنشأها الأمريكيون غير فعالة أو تتهادن مع طالبان.



ملايير ضائعة

اعتبر الجنرال الامريكي وليام كالدويل المسؤول عن تدريب القوات الافغانية لحساب الحلف الاطلسي يوم الاثنين 26 سبتمبر ان النفقات الضرورية لتثبيت جيش وشرطة افغانيين قابلين للاستمرار في فترة محددة تصل الى 6000 مليون دولار سنويا.

وقال الجنرال اثناء مؤتمر عبر الفيديو من مقره العام في كابل ان "كلفة قوة من 352 الف رجل تصل الى حوالى 6 مليارات دولار" في السنة.

ويعد الجيش والشرطة الافغانيان اللذان سيتحملان مسؤولية الأمن في البلاد في نهاية 2014، ما يصل الى 305516 رجلا حاليا "169076 عسكريا و136440 شرطيا". والهدف هو الوصول الى 352 الف رجل في نوفمبر 2012.

ويتوقع البنتاغون انفاق 8120 مليون دولار في 2012 للقوات الافغانية.



الفرار المبكر

كتب راشيل اوبراين المحلل بوكالة "فرانس برس" يوم فاتح أكتوبر 2011 هناك سباق يخوضه المترجمون الأفغان الذين يعملون لحساب الأمريكيين للحصول على تاشيرة الهجرة قبل حلول 2014.

في موقع مونتي الميداني المتقدم يقول محمد يوسف المترجم الافغاني في الجيش الامريكي "طالبان سيقتلونني انا وعائلتي"، ولا يراوده شك حيال مصيره اذا بقي في بلاده بعد رحيل قوات "الناتو" المقرر في 2014.

وعلى غرار الالاف من زملائه يسعى الرجل حثيثا من اجل الحصول على تاشيرة هجرة الى الولايات المتحدة متيقنا، شأنه شأن العديد من الافغان, ان بلاده اما ستشهد حربا اهلية او تعود الى حكم طالبان عندما تنسحب القوات المقاتلة لحلف شمال الاطلسي.

وفي موقع مونتي الميداني المتقدم المتحصن للجيش الامريكي في ولاية كونار الشرقية التي تعج بمقاتلي طالبان يشرح محمد يوسف ان المتمردين وانصارهم يعتبرونه "كافرا مرتدا" وهو ما يعاقب عليه بالاعدام، "انهم يقولون ان الذين يعملون مع الامريكيين لا بد ان يقتلوا".

لكن حياة المترجمين ليست في خطر فقط عندما يكونون مع الجنود الامريكيين بل ايضا عندما يحصلون على اجازة. محمد على سبيل المثال لا يجرؤ على الذهاب لرؤية زوجته وابنائه الخمسة بالسيارة، وانما يعتمد على مروحيات الجيش لنقله.


بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

التعثر في حرب أفغانستان يدفع البيت الأبيض نحو المجهول

باكستان في مرمى التهديد الأمريكي

شبكة البصرة

عمر نجيب

قبل سنوات وخلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين كشف الرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف في كتابه "على خط النار" أن واشنطن هددت بقصف باكستان بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 على نيويورك وواشنطن إذا لم تتعاون في مساندة غزو الولايات المتحدة لأفغانستان. وقال في هذا الصدد إنه تلقى مكالمة صباح اليوم الثاني من هجمات سبتمبر من وزير الخارجية الأمريكي في ذلك الوقت كولن باول، كان مفادها "إما معنا أو ضدنا"، كما أن ريتشارد ارميتاج، مساعد وزير الخارجية في هذا الوقت هدد مدير الاستخبارات الباكستانية الذي كان في وقت الهجمات يزور الولايات المتحدة، بأنه في حالة قرار باكستان رفض دعم البيت الأبيض في حربه القادمة ضد طالبان فإن أمريكا ستعيد باكستان للعصر الحجري، ووصف مشرف هذه الملاحظة بأنها بالغة القسوة، لكنه اضاف: يجب ان نفكر ونتخذ التدابير لما فيه مصلحة البلاد وهذا ما فعلته.‏

وفي 13 سبتمبر جاءت السفيرة الأمريكية في باكستان ويندي تشامبرلين بسبعة مطالب منها إعطاء الطائرات الأمريكية حرية الهبوط والإقلاع من المطارات الباكستانية، إضافة لاستخدام أمريكا للقواعد الجوية والبحرية والمواقع الاستراتيجية على الحدود أثناء غزوها لأفغانستان.

ووصف مشرف تلك الشروط والتهديدات بأنها كانت مثيرة للإحباط وتمثل إهانة لجندي مثله، إلا أنه اضطر للموافقة على دعم أمريكا ضد طالبان وعزا ذلك أساسا إلى أن: مصلحة شعبه اقتضت ذلك لأن حسابات الحرب تجعل باكستان في الطرف الخاسر مع أمريكا لضعف جيشها مقارنة مع الجيش الأمريكي، ولضعف الاقتصاد الباكستاني، خصوصا أن إسلام آباد لا نفط لديها، كما أن هناك نقصا فيما أسماه الانسجام الاجتماعي القادر على جمع الباكستانيين في جبهة واحدة لمواجهة العدوان الأمريكي وبالتالي فإن باكستان ستكون خاسرة حتما للمعركة. وأشار مشرف إلى أن الهند كانت ستبتلع باكستان بمساعدة واشنطن إذا قررت إسلام آباد رفض الاملاءات الأمريكية.

وقال مشرف أنه قرر الكشف عن العمليات ذات الطابع السري التي قامت بها باكستان بعد أحداث سبتمبر من أجل الرد على اتهام أصوات أمريكية بأن باكستان لم تقم بعمل أي شيء لمكافحة الإرهاب، موضحا أنه غضب من موقف واشنطن المتحرش بباكستان بعد أحداث سبتمبر حتى أنها ذهبت إلى مطالبته بقمع كل التظاهرات ضد أمريكا في بلاده، وهو مطلب وصفه بأنه تافه.



إعادة إلى العصر الحجري

تهديد واشنطن بإعادة باكستان إلى العصر الحجري جاء بعد سنوات من تعثر مشاريعها لإفشال برامج إسلام آباد الخاص بالحصول على السلاح النووي، غير أن البيت الأبيض وبعد أن حصد الهزيمة في معركته لمنع باكستان من إمتلاك سلاح الردع الأفضل في ذلك التوقيت واصل وضع الخطط للوصول إلى هدفه ولو بعد حين.

المؤرخ العسكري الأمريكي فريدريك كيغان أحد مهندسي خطة تعزيز القوات الأمريكية في العراق خلال سنة 2007، حث إدارة بوش على دراسة إرسال قوات من النخبة إلى باكستان للاستيلاء على أسلحتها النووية.

وذكرت صحيفة الغارديان البريطانية التي نشرت الخبر في عددها الصادر بتاريخ 12 يناير 2007 تحت عنوان "بوش يتسلم مخططًا للاستيلاء على الترسانة النووية الباكستانية"، أن كيغان يرى أن على الولايات المتحدة أن تحسب حساباتها لتحديد حجم الأزمة في باكستان وتحضير الرد المناسب عليها، حيث إنها لا تقل تهديدا لأمنها عما كانت تمثله الدبابات السوفيتية.

فباكستان، برأيه، هي الاختبار المستقبلي الكبير، وهو ما دعاه إلى تصور سلسلة من السيناريوهات الخاصة بباكستان.

في الوقت الذي كان يجري فيه هذا الجدل نشرت صحف صهيونية أخبارا عن احتمال مشاركة قوات من وحدات النخبة الإسرائيلية في عمليات ضد الترسانة النووية الباكستانية خاصة بعد أن تسربت من متعاملين مع المخابرات المركزية الأمريكية أخبار عن أن دولا عربية تعاونت مع البرنامج النووي لإسلام آباد أما ماديا أو بمشاركة عن طريق الخبرات، حصلت أما على رؤوس نووية قابلة للنقل بالطائرات أو الصواريخ، أو المعطيات التقنية الكاملة الكافية لصنع السلاح النووي دون الحاجة للمرور بمرحلة التجارب.

فريدريك كيغان من أنصار مشروع المحافظين الجدد حول الشرق الأوسط الكبير الذي ينص على تقسيم دول المنطقة إلى ما بين 54 و56 دويلة، وهو يعتبر باكستان جزء ضمن المخطط.



الدور المزدوج

بعد 10 سنوات على التهديدات الأمريكية ويوم الثلاثاء 20 سبتمبر 2011 اعلن رئيس اركان الجيوش الأمريكية المشتركة امام مؤسسة كارنيغي في واشنطن الاميرال مايكل مولن أن على أجهزة الاستخبارات الباكستانية أن تكف عن دعمها شبكة حقاني الاسلامية التي يشتبه بوقوفها وراء العديد من الهجمات على قوات التحالف في افغانستان.

وإتهم مولن باكستان "بتصدير العنف" الى افغانستان بواسطة اجهزتها الاستخباراتية عن طريق دعم شبكة حقاني التي وصفها امام الكونغرس في 22 سبتمبر ب"الذراع الحقيقية" للاستخبارات الباكستانية، واتهم باكستان بتقديم الدعم لهجوم شنته هذه الشبكة على السفارة الأمريكية في كابل في 13 سبتمبر 2011، وهجمات أخرى، وقال مولن أنه يعتقد أن باكستان أبقت علاقاتها مع شبكة حقاني بهدف تحسين أمنها.

واعتبر أنه "من دون وقف هذا الدعم الباكستاني لا يمكننا ان نحقق النجاح" في افغانستان. وأكد أن باكستان تدعم شبكة حقاني والعديد من حركات التمرد الأفغانية "منذ وقت طويل" لافتا الى "وجوب تغيير هذه الاستراتيجية في المستقبل".

وجاءت تصريحات مولن الذي غادر منصبه مع نهاية شهر سبتمبر أثر انتقادات حادة وجهها العديد من المسؤولين الأمريكيين لما وصفوه بالدور المزدوج الذي تقوم به باكستان في افغانستان.

وقبل ذلك بإسبوع اعلن وزير الدفاع الامريكي ليون بانيتا ان الولايات المتحدة ستبذل ما في وسعها للدفاع عن قواتها.

وردا على سؤال حول هذه النقطة، أكد مولن أن "الولايات المتحدة مستعدة لاتخاذ الخطوات الملائمة لحماية رجالنا ونسائنا الذين يخوضون معارك، وحماية المواطنين الأفغان".

لكنه رفض أن يحدد ماهية هذه "الخطوات الملائمة".

وتدهورت العلاقات بين الولايات المتحدة وباكستان خصوصا منذ مايو 2011 بعد تكثفت الهجمات الأمريكية داخل الأراضي الباكستانية.

يوم الجمعة 30 سبتمبر 2011 دعا الرئيس الامريكي باراك اوباما السلطات الباكستانية الى "معالجة المشكلة" التي يطرحها وجود شبكة حقاني على اراضيها.

ولكن اوباما لم يتبن نفس الاتهامات التي وجهها رئيس اركان الجيوش الأمريكية المشتركة مايكل مولن حيال السلطات الباكستانية.

وقال خلال مقابلة مع المذيع مايكل سميرشونيش بثتها عشرات الاذاعات المحلية الامريكية "اعتقد ان تصريحات مايكل تعكس امتعاضه من وجود ملاذات في باكستان ومن بينها ملاذات شبكة حقاني".

وتحدث اوباما عن العلاقات المفترضة بين اجهزة الاستخبارات الباكستانية وشبكة حقاني، مشيرا الى ان "المعلومات عن الطبيعة الحقيقية لهذه العلاقة ليست واضحة بالدرجة التي نتمناها".

وتابع الرئيس الامريكي "ولكن سواء أكانت هناك علاقات فعلية بين شبكة حقاني والباكستانيين ام أكان الباكستانيون يسمحون لها ببساطة بالتحرك من دون رادع في بعض المناطق الحدودية، فإن عليهم معالجة هذه المشكلة".

واعترف اوباما بان العلاقات بين واشنطن وإسلام اباد "ليست كما ينبغي أن تكون عليه"، وذلك في اقرار منه بأن هذه العلاقات تدهورت.

ولكن الرئيس الامريكي اشاد بتعاون الباكستانيين في مجال مكافحة تنظيم القاعدة، واضاف "سوف نواصل حضهم على الاقرار بأن من مصلحتهم، وليس من مصلحتنا فقط، ان لا ينشط المتطرفون على حدودهم".

ويوم الجمعة ايضا وفي تقرير أرسله إلى الكونغرس أقر البيت الابيض بان العمليات الباكستانية لمكافحة المتطرفين في المناطق القبلية في شمال غرب البلاد سجلت تراجعا كبيرا خلال الأشهر الاخيرة.

وبحسب نسخة من هذا التقرير رفعت عنها السرية وحصلت عليها وكالة "فرانس برس" فإن التوترات التي نشبت بين واشنطن واسلام اباد كان لها أثر سلبي بالغ على التعاون بين القوات الأمريكية ونظيرتها الباكستانية في المنطقة حيث تردت الأوضاع الامنية بين شهري يونيو وأغسطس 2011.وجاء في التقرير ان "العمليات العسكرية الباكستانية تواصلت في المناطق القبلية ولكن نشاط من وصفهم بالمتمردين وسلسلة هجمات ضد قوات الأمن ساهمت في تدهور الوضع على الصعيد الأمني".

ولم يأت التقرير في صيغته المعدة للنشر على ذكر شبكة حقاني.



جوقة الكونغرس

في الكونغرس الأمريكي تجري عملية تصعيد للتهديدات ضد إسلام آباد بهدف مساعدة البيت الأبيض في ضغوطه ولإسكات الاصوات التي قد تقول أن إدارة أوباما تقود البلاد نحو حرب جديدة. وهكذا أكد السناتور لينزي جراهام وهو صوت مؤثر من الحزب الجمهوري على السياسة الخارجية والشؤون العسكرية، وعضو بمجلس الشيوخ الأمريكي، إن الدعم يتزايد داخل الكونغرس لتوسيع خيارات نطاق العمل العسكري الأمريكي في باكستان، ليتجاوز الغارات بطائرات بدون طيار، وربما تشمل هذه الخيارات استخدام قاذفات قنابل أمريكية داخل باكستان.

وأضاف السناتور جراهام في مقابلة نشرت يوم الثلاثاء 27 سبتمبر، أنه لا يشجع إرسال قوات برية أمريكية إلى باكستان، وقال: "ولكن حين يتعلق الأمر بالدفاع عن الجنود الأمريكيين، فلدينا أدوات كثيرة تتجاوز الطائرات بلا طيار".

وأضاف جراهام: إن النواب الأمريكيين سيبحثون تصعيد الضغوط العسكرية، "إذا رأى الناس أن المسألة وصلت إلى مرحلة تكون فيها هذه هي الطريقة الوحيدة لحماية مصالحنا فإنني أعتقد أنه سيكون هناك الكثير من الدعم".

بدورها، قالت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون يوم الأربعاء 28 سبتمبر: "نحن في مرحلة المراجعة الرسمية الأخيرة التي يجب القيام بها لاتخاذ قرار على نطاق الحكومة لتصنيف شبكة حقاني كتنظيم إرهابي أجنبي"، وأضافت أن واشنطن أدرجت بالفعل عدداً من قيادات شبكة حقاني على القائمة الأمريكية للإرهاب.

ردا على التهديدات الأمريكية أنذرت إسلام آباد يوم الخميس 29 سبتمبر واشنطن برد عسكري إذا قصفت أراضيها. وأعلن رئيس الاستخبارات الباكستانية أن الجيش سيرد على أي عمل عسكري أمريكي في باكستان. وقال رئيس الوزراء الباكستاني يوسف رضا جيلاني في مؤتمر موسع ضم زعماء أحزاب الائتلاف الحاكم وأحزاب المعارضة والقادة العسكريين: إن الاتهامات الأمريكية لبلاده بدعم شبكة حقاني التي تقاتل القوات الأجنبية في أفغانستان مثيرة للصدمة. وتابع جيلاني أن واشنطن أنكرت تضحيات باكستان ونجاحاتها في مجال مكافحة الإرهاب، متهما في الوقت ذاته الولايات المتحدة بتحميل باكستان مسؤولية إخفاقها في أفغانستان، وأضاف مخاطبا المشاركين في المؤتمر ومن بينهم رئيس الوزراء الأسبق نواز شريف "لا يمكن أن تتعرض باكستان لمزيد من الضغط لبذل جهود إضافية. ستتم حماية مصالحنا الوطنية بأي ثمن". وتابع "يجب أن تتوقف لعبة اللوم، ويجب احترام مصالح باكستان القومية الحساسة".

وفي مقابل رفض الاتهامات والضغوط الأمريكية، شدد رئيس الوزراء الباكستاني على أنه ينبغي حل كل القضايا بين بلاده والولايات المتحدة بشكل مسؤول وعن طريق الحوار. ونقلت محطة "إكسبرس" التلفزونية المحلية لاحقًا عن رئيس أكبر جهاز للاستخبارات الباكستانية "آي أس آي" أحمد شجاع باشا قوله في المؤتمر: إن الجيش الباكستاني قادر على الرد على أي عمل عسكري تشنه القوات الأمريكية داخل باكستان. وشدد على أن أي عمل عسكري أمريكي في باكستان بذريعة مكافحة التطرف سيكون غير مقبول، إلا أنه أكد أن باكستان تحرص على ألا تبلغ العلاقة بين البلدين نقطة اللا عودة وفق ما نقلت عنه وسائل إعلام محلية.

وكانت تقارير ذكرت قبل أيام أن القوات الباكستانية وضعت في حالة تأهب تحسبا لعمليات أمريكية تستهدف مواقع مفترضة لشبكة حقاني.

يأتي ذلك فيما قال مسؤول أمريكي: إن كلا البلدين يبحثان اتفاقًا من شأنه السماح لما بين 100 و150 فردا من القوات المسلحة الأمريكية بالتمركز في باكستان وهو عدد أقل مما كان في الماضي القريب.

وذكر المسؤول الذي طلب عدم نشر اسمه: "هذا ما يسعون إليه".



تضحيات باكستان

في نطاق عملية شد الحبل بين واشنطن وإسلام آباد، نشرت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية يوم 1 أكتوبر 2011 مقالا للرئيس الباكستانى آصف على زردارى تناول فيه علاقة باكستان بأمريكا خلال الفترة الأخيرة، قائلا "إن الديمقراطية تفضل دائما الحوار بدلا من المواجهات، لقد استخدمت أمريكا مؤخرا إستراتيجية الاتهامات التى أضرت بالعلاقة بين باكستان والولايات المتحدة".

وأضاف"لم نكن نتوقع رد أمريكا الحليف الأقوى لنا، بهذه الاتهامات فى الوقت الذى يعانى فيه المواطنون الباكستانيون من كارثة الفيضانات، وهو ما صدم جميع أطياف الأمة التى تعانى من خطر الإرهاب على مدى عقود".

وأضاف بعد هجمات سبتمبر 11 عام 2001، فقدنا 30000 من المدنيين الأبرياء و5000 من ضباط الجيش والشرطة المسلحة فى الوقت التى اتهمتنا فيه الولايات المتحدة بدعم الشبكات الإرهابية، بعد أن عانينا من أكثر من 300 عملية انتحارية من قبل القوى التى تتخذ مناطق الحدود ملاذا لها.

ولقد استنزفنا ما يقرب من 100 مليار دولار بشكل مباشر فى المجهود الحربى، وعشرات المليارات من الاستثمارات الأجنبية المفقودة.

"الشارع الباكستانى لديه الآن الكثير من الأسئلة، وشعبى يسأل، هل دماؤنا رخيصة إلى هذا الحد؟ هل حياة أطفالنا لا قيمة لها؟ هل يجب علينا أن تحارب وحدنا فى منطقتنا؟

"نحن نخطط حاليا للتحضير لمرحلة ما بعد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، وأشعر أننا سنواجه عاصفة من النار، إذا لم نضع خطط بديلة للقضاء على هذه المجموعات الإرهابية، ونتحمل المسئولية وحدنا. أين الولايات المتحدة الآن؟، فنحن نقاتل نفس العدو، ونتقاسم نفس القيم الديمقراطية، ونقدر معا الأزمات الاقتصادية، لكن تم مؤخرا توجيه الاتهامات ضدنا وضد جهود الحرب ومصالحنا الاستراتيجية المشتركة. لكن لم نتوقف إطلاقا، وسنستمر فى استصلاح الأراضى وتعمير بلادنا "بوصة بوصة" من دون الولايات المتحدة، لأننا شعب عنيد، ولن نسمح أن يكون الدين سببا للإرهاب والاضطهاد. أخيرا كلما أسرعنا فى وقف إطلاق السهام اللفظية، ونسقنا مواردنا ضد التعصب، يمكننا استعادة الاستقرار ومواصلة التضحية لاستعادة أمن بلادنا".



أوهام النصر الأمريكية

يقول محللون وخبراء عسكريون ان إدارة الرئيس أوباما ورغم التعزيزات الكبيرة التي أرسلتها إلى ساحة الحرب الأفغانية أخذت تشك في إمكانية إحراز نصر عسكري، ومفاوضاتها عبر قنوات متعددة مع حركة طالبان لم تمكنها من التوصل إلى تسوية تحفظ بها ماء وجهها وتجنبها نهاية كالتي عرفتها في الفيتنام خلال عقد السبعينات من القرن الماضي. ولهذا تطرح عدة سيناريوهات.

البعض في مراكز القرار في الولايات المتحدة يريدها حربا جوية مفتوحة لتدمير كل قدرات باكستان عسكرية وإقتصادية وإشراك الهند في عملية تدجين إسلام آباد. معارضو هذا التوجه يحذرون من رد الصين التي سترى في إنقلاب واشنطن الكامل على إسلام آباد تهديدا مباشرا لأمنها القومي، فتصفية باكستان ستعني إستكمال حلقة في طوق الحصار الذي تحاول واشنطن تشييده حول الصين، كما يشكك هؤلاء في رغبة نيودلهي في ركوب قطار المغامرة الأمريكية.



التحريض

وفي نطاق محاولة جر الهند إلى المخطط الأمريكي القاضي بالدخول في مواجهة مباشرة مع إسلام آباد، أعلن في واشنطن يوم 24 سبتمبر أن وكالات امريكية تبحث عن تشابه محتمل بين هجمات على اهداف تابعة للولايات المتحدة وحلف شمال الاطلسي في افغانستان في 13 سبتمبر 2011 والهجوم الذي شنه متشددون على أهداف مدنية في مومباي بالهند في نوفمبر 2008.

وابلغ مسؤولون أمريكيون حاليون وسابقون في محاربة الارهاب "رويترز" انه تجري مقارنة الهجومين في اطار فحص الحكومة ادلة تربط هجوم كابل بوكالة المخابرات الباكستانية الرئيسية.

واحدى النقاط التي تخضع للدراسة اجراء متشددين اثناء الهجومين اتصالات هاتفية مع افراد بوكالة المخابرات في باكستان.

وقال بروس ريدل المحلل السابق في وكالة المخابرات المركزية الامريكية "سي.اي.ايه" الذي قدم استشارات للرئيس باراك اوباما بشان السياسة تجاه افغانستان ان ثمة اوجه شبه بين الهجومين تلمح الى تنفيذ وحدة سرية في الوكالة يطلق عليها الفرع "اس" الهجومين.

ونفى مسؤولون باكستانيون كبار الاتهامات الأمريكية بتورط الوكالة الباكستانية وحذروا واشنطن من خطر فقد حليف في جنوب اسيا.

وذكر ريدل ل"رويترز" ان الولايات المتحدة لديها أدلة على أن المهاجمين في كابل اتصلوا بالوكالة الباكستانية قبل واثناء والهجوم.

محلل ألماني علق فقال "التصريحات الأمريكية لا يمكن أن يصدقها حتى طفل".



الردع النووي

يقول خبير عسكري ألماني أن امتلاك الباكستان للسلاح النووي وقدرتها على استهداف مواقع تبعد عن حدودها بعدة آلاف الكيلومترات يعتبر صمام آمان وردع في نفس الوقت في مواجهة كل من يريدون ركوب قطار القصف والتدمير ضدها.

ويذكر الخبير الألماني بما قاله السفير البريطاني المنتهية ولايته في كوريا الشمالية بيتر هيو يوم الأربعاء 28 سبتمبر عن أن المسؤولين في "بيونغ يانغ" يعتقدون ان النظام الليبي سقط لأنه لم يحتفظ بأسلحته النووية!. وأضاف "أجريت نقاشات مع مسؤولين رفيعي المستوى "في بيونغ يانغ" أوضحوا لي بأنه لو لم يتخل العقيد القذافي عن الأسلحة النووية، لما كان الناتو هاجم البلاد".

واعتبر السفير ان هذا الكلام يعني ان كوريا الشمالية لن تقدم على نزع أسلحتها النووية إلا بعد أن ينزع العالم بأسره أسلحته النووية.



صفقة

في واشنطن وضمن من لا يريدون التصعيد في الوقت الحاضر على الأقل من يقترح صفقة مباشرة مع باكستان وتجاوز حركة طالبان، في حين يريد آخرون مواصلة التفاوض مع الحركة.

مع نهاية شهر سبتمبر 2011 قال الرئيس الافغاني حامد كرزاي إن الحكومة الافغانية لم تعد تعقد أي مفاوضات سلام مع حركة طالبان. وإن مقتل برهان الدين رباني الرئيس السابق والوسيط في التفاوض مع طالبان قد اقنعه بأن من الأفضل التركيز على الحوار مع باكستان.

واكمل "من هو الجانب الآخر في عملية السلام؟ ليس لدي أي جواب آخر غير القول إن باكستان هي الجانب الاخر في محادثات السلام معنا".

في تناقض واضح أعلن وزير الخارجية الأفغاني زلماي رسول من جانبه أمام الأمم المتحدة يوم الخميس 29 سبتمبر أن جهود المصالحة التي تقوم بها السلطات الأفغانية مع مقاتلي حركة طالبان ستستمر رغم اغتيال برهان الدين رباني.



دفن الرؤوس في الرمال

الادارة الأمريكية وحكومات العديد من الدول التي تشاركها في الحرب الأفغانية تحاول المغالطة بشأن انتكاساتها العسكرية، وتوهم نفسها والعالم أن وضع قواتها يتحسن.

يوم الاربعاء 28 سبتمبر ذكر تقرير للامم المتحدة أن أفغانستان شهدت زيادة بلغت نحو 40 بالمئة في معدل عدد الحوادث الأمنية التي سجلت خلال عام حتى نهاية أغسطس مقارنة مع نفس الفترة في 2010.

وأضاف التقرير الذي قدمه الامين العام للامم المتحدة بان كي مون لمجلس الأمن أيضا أن الخسائر في صفوف المدنيين بلغت بالفعل مستويات قياسية في الاشهر الستة الاولى من العام وزادت بنسبة خمسة بالمئة في الفترة من يونيو الى أغسطس مقارنة بنفس الفترة في 2010.

وأدى الصراع الى تشريد حوالي 130 الف شخص في الاشهر السبعة الاولى من العام بزيادة بلغت نحو الثلثين مقارنة مع نفس الفترة قبل عام.

مساعد السفير الروسي لدى الأمم المتحدة ايجور بانكين عضد التقرير الأممي مؤكدا أن القوات الأمريكية لم تحقق "تقدما". وأضاف بانكين "نلاحظ ذلك في الوتيرة الملفتة للأعمال المسلحة واغتيال مسؤولين أفغان رفيعي المستوى، بالإضافة إلى التوتر في باكستان والزيادة في الخسائر بين جنود قوات التحالف في أفغانستان".

رغم كل ذلك نفت قيادة القوة التي يقودها حلف شمال الأطلسي "ايساف" في أفغانستان تدهور الوضع الأمني وادعت إن "هجمات المتمردين كانت أقل بنسبة 2 في المائة في الأشهر الثمانية الأولى من العام الجاري مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي".

وقال المتحدث بإسم "ايساف" البريغادير جنرال كارستين جاكوبسون في مؤتمر صحفي أن "البيانات الأمنية للأمم المتحدة و"ايساف" تختلف من حيث تصنيفها وطريقة جمعها، وحجمها". "تصنيف الامم المتحدة للحوادث الامنية يشمل عدد كبيرا من الحوادث مقارنة بتصنيف "ايساف" لتقارير عن الانشطة البارزة.. فالامم المتحدة تشير الى حوادث اخرى لا تشير اليها "ايساف" من قبيل العثور على اسلحة وعمليات الاعتقال والاغتيالات والترهيب وغيرها".

وذكر إنه في الأشهر الثلاثة السابقة على أغسطس 2011، تراجعت الهجمات التي يشنها العدو بنسبة 17 بالمئة مقارنة بنفس الفترة العام الماضي".

وأصبح الاختلاف في حصيلة القتلى مصدرا للتوتر المتزايد بين قوات حلف الأطلسي والمؤسسات الدولية والجماعات المعنية.

وقتل في أفغانستان 459 عسكريا من "الناتو" خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2011 بحسب موقع الانترنت المتخصص في احصاء الضحايا "آيكاجولتيز اورغ".

وقد عززت طالبان التي اخرجت من السلطة في كابل قبل عشر سنوات من قبل تحالف غربي بقيادة الولايات المتحدة، صفوفها في السنوات الماضية ووسعت نطاق عملياتها لتصل إلى كافة انحاء البلاد تقريبا رغم وجود حوالى 140 الف جندي من قوات "الناتو" بينهم أكثر من مئة الف امريكي.



نكسات متتالية

وتسجل مصادر الرصد أن الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2011 عرفت عدة نكسات للقوات الحليفة وخاصة الأمريكية على يد طالبان لعل أبرزها اسقاط مروحية "تشينوك" للقوات الخاصة يوم 6 أغسطس وقتل 31 جنديا.

وقد قال عضو في تلك القوات إنه “صدم ولم يصدق” عندما علم الخبر. وأضاف "لم يسبق أن حصل هذا، إنه أسوأ يوم في تاريخنا".

وأسقط المقاتلون المروحية في وادي تانجي المنطقة النائية في ولاية ورداك على بعد 100 كلم جنوب غرب كابول. وقتل 31 أمريكيا بينهم 20 من القوات الخاصة "نيفي سيلز"، وهو اختصار لكلمات "سي إير لاند" بحر جو أرض. وتسبب الحادث في أكبر خسارة في يوم واحد للتحالف خلال الحرب التي بدأت قبل نحو 10 سنوات. وشكل ضربة كبيرة للقوات الخاصة التي فقدت بذلك قسما كبيرا من رجالها.

ويوم الاثنين 26 سبتمبر وفي مؤشر على مدى قدرة طالبان على اختراق الدفاعات الأمريكية في أحصن مواقعها قتل امريكي عضو في المخابرات برصاص موظف افغاني أردي بدوره داخل مبنى فندق "اريانا" في كابل الملحق بالسفارة الأمريكية والذي تستخدمه وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي أي"، ما شكل ثاني خرق كبير لأمن السفارة الأمريكية بكابل خلال اسبوعين، إذ هاجم مسلحون موقع السفارة ومقر الحلف الاطلسي "ناتو" لمدة 19 ساعة مطلع شهر سبتمبر.



البحث عن خروج مشرف

تقريبا في نفس اليوم الذي اسقطت فيه مروحية "تشينوك" دعت مجلة "تايم" الأمريكية إلى بذل الجهود المطلوبة للخروج من أفغانستان خروجا مشرفا لا يوحي بالهزيمة والاندحار، وقالت إن تحديات كبيرة تنتظر ما سمتها المهمة الأمريكية على الأرض الأفغانية.

وذكرت إن القائد السابق لقوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان الجنرال الأمريكي ديفد بترايوس طالما أكد على ضرورة سير العمليتين العسكرية والسياسية في آن واحد، وعلى شكل "فريق واحد بمهمة واحدة" في الحرب على أفغانستان.

وأوضحت المجلة أن تصريحات بترايوس تلك لم تكن جزافا، ولكنه كان يحاول إرسال رسالة إلى الإدارة الأمريكية.

ولكن بعد مضي أكثر من 13 شهرا على تسلمه لمهامه في أفغانستان، فإنه يبدو أن دعوته ذهبت أدراج الرياح دون أن تلقى صدى أو أذنا صاغية من إدارة أوباما، وقد ترك الساحة ليخلفه جنرال آخر قد يقدم آراء جديدة.

وتضيف "التايم" أما الانسحاب الأمريكي من أفغانستان فإنه يرمز إلى الهزيمة والاندحار، مشيرة أنه على الأمريكيين أن يعملوا بشكل يوحي على الأقل بأن انسحابهم لا يدل على هاتين الصفتين المهينتين.

يتفق عدد كبير من المحللين وفيهم غربيون على أن غالبية الشعب الأفغاني ترفض الوجود العسكري الغربي وتتحرك بشكل أو بآخر لإنهائه وإن كانت فئات منهم تختلف سياسيا مع طالبان، وهذا ما يفسر الهجمات التي يقوم بها أفغان يعملون في المصالح والقواعد الأمريكية دون أن تكون لديهم أي علاقات مع الحركة.

ويرى هؤلاء ان ساسة الولايات المتحدة أما لا يعترفون بهذا المعطى أو يتجاهلونه ويتصور بعضهم أنه سيمكن مع مرور الوقت وبإستخدام الاساليب الدعائية الذكية تكوين جيل يقبل الوجود الأمريكي ويتعاون معه.

والواقع أن واشنطن جربت هذا الأسلوب في الفيتنام وفشلت ولكنها نجحت نسبيا في أماكن أخرى لفترات قصيرة.

السؤال المطروح هو ماذا سيحدث عندما تقلص الولايات المتحدة و"الناتو" حضورهم، هل تستطيع القوة المحلية التي سيشكلونها ضبط الوضع الأمني؟ واليس هناك خطر من أن تتحول تلك القوة المحلية الأفغانية إلى عدو.

التجربة أثبتت بعد عشر سنوات من الاحتلال أن القوات المحلية التي أنشأها الأمريكيون غير فعالة أو تتهادن مع طالبان.



ملايير ضائعة

اعتبر الجنرال الامريكي وليام كالدويل المسؤول عن تدريب القوات الافغانية لحساب الحلف الاطلسي يوم الاثنين 26 سبتمبر ان النفقات الضرورية لتثبيت جيش وشرطة افغانيين قابلين للاستمرار في فترة محددة تصل الى 6000 مليون دولار سنويا.

وقال الجنرال اثناء مؤتمر عبر الفيديو من مقره العام في كابل ان "كلفة قوة من 352 الف رجل تصل الى حوالى 6 مليارات دولار" في السنة.

ويعد الجيش والشرطة الافغانيان اللذان سيتحملان مسؤولية الأمن في البلاد في نهاية 2014، ما يصل الى 305516 رجلا حاليا "169076 عسكريا و136440 شرطيا". والهدف هو الوصول الى 352 الف رجل في نوفمبر 2012.

ويتوقع البنتاغون انفاق 8120 مليون دولار في 2012 للقوات الافغانية.



الفرار المبكر

كتب راشيل اوبراين المحلل بوكالة "فرانس برس" يوم فاتح أكتوبر 2011 هناك سباق يخوضه المترجمون الأفغان الذين يعملون لحساب الأمريكيين للحصول على تاشيرة الهجرة قبل حلول 2014.

في موقع مونتي الميداني المتقدم يقول محمد يوسف المترجم الافغاني في الجيش الامريكي "طالبان سيقتلونني انا وعائلتي"، ولا يراوده شك حيال مصيره اذا بقي في بلاده بعد رحيل قوات "الناتو" المقرر في 2014.

وعلى غرار الالاف من زملائه يسعى الرجل حثيثا من اجل الحصول على تاشيرة هجرة الى الولايات المتحدة متيقنا، شأنه شأن العديد من الافغان, ان بلاده اما ستشهد حربا اهلية او تعود الى حكم طالبان عندما تنسحب القوات المقاتلة لحلف شمال الاطلسي.

وفي موقع مونتي الميداني المتقدم المتحصن للجيش الامريكي في ولاية كونار الشرقية التي تعج بمقاتلي طالبان يشرح محمد يوسف ان المتمردين وانصارهم يعتبرونه "كافرا مرتدا" وهو ما يعاقب عليه بالاعدام، "انهم يقولون ان الذين يعملون مع الامريكيين لا بد ان يقتلوا".

لكن حياة المترجمين ليست في خطر فقط عندما يكونون مع الجنود الامريكيين بل ايضا عندما يحصلون على اجازة. محمد على سبيل المثال لا يجرؤ على الذهاب لرؤية زوجته وابنائه الخمسة بالسيارة، وانما يعتمد على مروحيات الجيش لنقله.
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

التعثر في حرب أفغانستان يدفع البيت الأبيض نحو المجهول
باكستان في مرمى التهديد الأمريكي


عمر نجيب

قبل سنوات وخلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين كشف الرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف في كتابه "على خط النار" أن واشنطن هددت بقصف باكستان بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 على نيويورك وواشنطن إذا لم تتعاون في مساندة غزو الولايات المتحدة لأفغانستان. وقال في هذا الصدد إنه تلقى مكالمة صباح اليوم الثاني من هجمات سبتمبر من وزير الخارجية الأمريكي في ذلك الوقت كولن باول، كان مفادها "إما معنا أو ضدنا"، كما أن ريتشارد ارميتاج، مساعد وزير الخارجية في هذا الوقت هدد مدير الاستخبارات الباكستانية الذي كان في وقت الهجمات يزور الولايات المتحدة، بأنه في حالة قرار باكستان رفض دعم البيت الأبيض في حربه القادمة ضد طالبان فإن أمريكا ستعيد باكستان للعصر الحجري، ووصف مشرف هذه الملاحظة بأنها بالغة القسوة، لكنه اضاف: يجب ان نفكر ونتخذ التدابير لما فيه مصلحة البلاد وهذا ما فعلته.‏
وفي 13 سبتمبر جاءت السفيرة الأمريكية في باكستان ويندي تشامبرلين بسبعة مطالب منها إعطاء الطائرات الأمريكية حرية الهبوط والإقلاع من المطارات الباكستانية، إضافة لاستخدام أمريكا للقواعد الجوية والبحرية والمواقع الاستراتيجية على الحدود أثناء غزوها لأفغانستان.
ووصف مشرف تلك الشروط والتهديدات بأنها كانت مثيرة للإحباط وتمثل إهانة لجندي مثله، إلا أنه اضطر للموافقة على دعم أمريكا ضد طالبان وعزا ذلك أساسا إلى أن: مصلحة شعبه اقتضت ذلك لأن حسابات الحرب تجعل باكستان في الطرف الخاسر مع أمريكا لضعف جيشها مقارنة مع الجيش الأمريكي، ولضعف الاقتصاد الباكستاني، خصوصا أن إسلام آباد لا نفط لديها، كما أن هناك نقصا فيما أسماه الانسجام الاجتماعي القادر على جمع الباكستانيين في جبهة واحدة لمواجهة العدوان الأمريكي وبالتالي فإن باكستان ستكون خاسرة حتما للمعركة. وأشار مشرف إلى أن الهند كانت ستبتلع باكستان بمساعدة واشنطن إذا قررت إسلام آباد رفض الاملاءات الأمريكية.
وقال مشرف أنه قرر الكشف عن العمليات ذات الطابع السري التي قامت بها باكستان بعد أحداث سبتمبر من أجل الرد على اتهام أصوات أمريكية بأن باكستان لم تقم بعمل أي شيء لمكافحة الإرهاب، موضحا أنه غضب من موقف واشنطن المتحرش بباكستان بعد أحداث سبتمبر حتى أنها ذهبت إلى مطالبته بقمع كل التظاهرات ضد أمريكا في بلاده، وهو مطلب وصفه بأنه تافه.

إعادة إلى العصر الحجري
تهديد واشنطن بإعادة باكستان إلى العصر الحجري جاء بعد سنوات من تعثر مشاريعها لإفشال برامج إسلام آباد الخاص بالحصول على السلاح النووي، غير أن البيت الأبيض وبعد أن حصد الهزيمة في معركته لمنع باكستان من إمتلاك سلاح الردع الأفضل في ذلك التوقيت واصل وضع الخطط للوصول إلى هدفه ولو بعد حين.
المؤرخ العسكري الأمريكي فريدريك كيغان أحد مهندسي خطة تعزيز القوات الأمريكية في العراق خلال سنة 2007، حث إدارة بوش على دراسة إرسال قوات من النخبة إلى باكستان للاستيلاء على أسلحتها النووية.
وذكرت صحيفة الغارديان البريطانية التي نشرت الخبر في عددها الصادر بتاريخ 12 يناير 2007 تحت عنوان "بوش يتسلم مخططًا للاستيلاء على الترسانة النووية الباكستانية"، أن كيغان يرى أن على الولايات المتحدة أن تحسب حساباتها لتحديد حجم الأزمة في باكستان وتحضير الرد المناسب عليها، حيث إنها لا تقل تهديدا لأمنها عما كانت تمثله الدبابات السوفيتية.
فباكستان، برأيه، هي الاختبار المستقبلي الكبير، وهو ما دعاه إلى تصور سلسلة من السيناريوهات الخاصة بباكستان.
في الوقت الذي كان يجري فيه هذا الجدل نشرت صحف صهيونية أخبارا عن احتمال مشاركة قوات من وحدات النخبة الإسرائيلية في عمليات ضد الترسانة النووية الباكستانية خاصة بعد أن تسربت من متعاملين مع المخابرات المركزية الأمريكية أخبار عن أن دولا عربية تعاونت مع البرنامج النووي لإسلام آباد أما ماديا أو بمشاركة عن طريق الخبرات، حصلت أما على رؤوس نووية قابلة للنقل بالطائرات أو الصواريخ، أو المعطيات التقنية الكاملة الكافية لصنع السلاح النووي دون الحاجة للمرور بمرحلة التجارب.
فريدريك كيغان من أنصار مشروع المحافظين الجدد حول الشرق الأوسط الكبير الذي ينص على تقسيم دول المنطقة إلى ما بين 54 و56 دويلة، وهو يعتبر باكستان جزء ضمن المخطط.

الدور المزدوج
بعد 10 سنوات على التهديدات الأمريكية ويوم الثلاثاء 20 سبتمبر 2011 اعلن رئيس اركان الجيوش الأمريكية المشتركة امام مؤسسة كارنيغي في واشنطن الاميرال مايكل مولن أن على أجهزة الاستخبارات الباكستانية أن تكف عن دعمها شبكة حقاني الاسلامية التي يشتبه بوقوفها وراء العديد من الهجمات على قوات التحالف في افغانستان.
وإتهم مولن باكستان "بتصدير العنف" الى افغانستان بواسطة اجهزتها الاستخباراتية عن طريق دعم شبكة حقاني التي وصفها امام الكونغرس في 22 سبتمبر ب"الذراع الحقيقية" للاستخبارات الباكستانية، واتهم باكستان بتقديم الدعم لهجوم شنته هذه الشبكة على السفارة الأمريكية في كابل في 13 سبتمبر 2011، وهجمات أخرى، وقال مولن أنه يعتقد أن باكستان أبقت علاقاتها مع شبكة حقاني بهدف تحسين أمنها.
واعتبر أنه "من دون وقف هذا الدعم الباكستاني لا يمكننا ان نحقق النجاح" في افغانستان. وأكد أن باكستان تدعم شبكة حقاني والعديد من حركات التمرد الأفغانية "منذ وقت طويل" لافتا الى "وجوب تغيير هذه الاستراتيجية في المستقبل".
وجاءت تصريحات مولن الذي غادر منصبه مع نهاية شهر سبتمبر أثر انتقادات حادة وجهها العديد من المسؤولين الأمريكيين لما وصفوه بالدور المزدوج الذي تقوم به باكستان في افغانستان.
وقبل ذلك بإسبوع اعلن وزير الدفاع الامريكي ليون بانيتا ان الولايات المتحدة ستبذل ما في وسعها للدفاع عن قواتها.
وردا على سؤال حول هذه النقطة، أكد مولن أن "الولايات المتحدة مستعدة لاتخاذ الخطوات الملائمة لحماية رجالنا ونسائنا الذين يخوضون معارك، وحماية المواطنين الأفغان".
لكنه رفض أن يحدد ماهية هذه "الخطوات الملائمة".
وتدهورت العلاقات بين الولايات المتحدة وباكستان خصوصا منذ مايو 2011 بعد تكثفت الهجمات الأمريكية داخل الأراضي الباكستانية.
يوم الجمعة 30 سبتمبر 2011 دعا الرئيس الامريكي باراك اوباما السلطات الباكستانية الى "معالجة المشكلة" التي يطرحها وجود شبكة حقاني على اراضيها.
ولكن اوباما لم يتبن نفس الاتهامات التي وجهها رئيس اركان الجيوش الأمريكية المشتركة مايكل مولن حيال السلطات الباكستانية.
وقال خلال مقابلة مع المذيع مايكل سميرشونيش بثتها عشرات الاذاعات المحلية الامريكية "اعتقد ان تصريحات مايكل تعكس امتعاضه من وجود ملاذات في باكستان ومن بينها ملاذات شبكة حقاني".
وتحدث اوباما عن العلاقات المفترضة بين اجهزة الاستخبارات الباكستانية وشبكة حقاني، مشيرا الى ان "المعلومات عن الطبيعة الحقيقية لهذه العلاقة ليست واضحة بالدرجة التي نتمناها".
وتابع الرئيس الامريكي "ولكن سواء أكانت هناك علاقات فعلية بين شبكة حقاني والباكستانيين ام أكان الباكستانيون يسمحون لها ببساطة بالتحرك من دون رادع في بعض المناطق الحدودية، فإن عليهم معالجة هذه المشكلة".
واعترف اوباما بان العلاقات بين واشنطن وإسلام اباد "ليست كما ينبغي أن تكون عليه"، وذلك في اقرار منه بأن هذه العلاقات تدهورت.
ولكن الرئيس الامريكي اشاد بتعاون الباكستانيين في مجال مكافحة تنظيم القاعدة، واضاف "سوف نواصل حضهم على الاقرار بأن من مصلحتهم، وليس من مصلحتنا فقط، ان لا ينشط المتطرفون على حدودهم".
ويوم الجمعة ايضا وفي تقرير أرسله إلى الكونغرس أقر البيت الابيض بان العمليات الباكستانية لمكافحة المتطرفين في المناطق القبلية في شمال غرب البلاد سجلت تراجعا كبيرا خلال الأشهر الاخيرة.
وبحسب نسخة من هذا التقرير رفعت عنها السرية وحصلت عليها وكالة "فرانس برس" فإن التوترات التي نشبت بين واشنطن واسلام اباد كان لها أثر سلبي بالغ على التعاون بين القوات الأمريكية ونظيرتها الباكستانية في المنطقة حيث تردت الأوضاع الامنية بين شهري يونيو وأغسطس 2011.وجاء في التقرير ان "العمليات العسكرية الباكستانية تواصلت في المناطق القبلية ولكن نشاط من وصفهم بالمتمردين وسلسلة هجمات ضد قوات الأمن ساهمت في تدهور الوضع على الصعيد الأمني".
ولم يأت التقرير في صيغته المعدة للنشر على ذكر شبكة حقاني.

جوقة الكونغرس
في الكونغرس الأمريكي تجري عملية تصعيد للتهديدات ضد إسلام آباد بهدف مساعدة البيت الأبيض في ضغوطه ولإسكات الاصوات التي قد تقول أن إدارة أوباما تقود البلاد نحو حرب جديدة. وهكذا أكد السناتور لينزي جراهام وهو صوت مؤثر من الحزب الجمهوري على السياسة الخارجية والشؤون العسكرية، وعضو بمجلس الشيوخ الأمريكي، إن الدعم يتزايد داخل الكونغرس لتوسيع خيارات نطاق العمل العسكري الأمريكي في باكستان، ليتجاوز الغارات بطائرات بدون طيار، وربما تشمل هذه الخيارات استخدام قاذفات قنابل أمريكية داخل باكستان.
وأضاف السناتور جراهام في مقابلة نشرت يوم الثلاثاء 27 سبتمبر، أنه لا يشجع إرسال قوات برية أمريكية إلى باكستان، وقال: "ولكن حين يتعلق الأمر بالدفاع عن الجنود الأمريكيين، فلدينا أدوات كثيرة تتجاوز الطائرات بلا طيار".
وأضاف جراهام: إن النواب الأمريكيين سيبحثون تصعيد الضغوط العسكرية، "إذا رأى الناس أن المسألة وصلت إلى مرحلة تكون فيها هذه هي الطريقة الوحيدة لحماية مصالحنا فإنني أعتقد أنه سيكون هناك الكثير من الدعم".
بدورها، قالت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون يوم الأربعاء 28 سبتمبر: "نحن في مرحلة المراجعة الرسمية الأخيرة التي يجب القيام بها لاتخاذ قرار على نطاق الحكومة لتصنيف شبكة حقاني كتنظيم إرهابي أجنبي"، وأضافت أن واشنطن أدرجت بالفعل عدداً من قيادات شبكة حقاني على القائمة الأمريكية للإرهاب.
ردا على التهديدات الأمريكية أنذرت إسلام آباد يوم الخميس 29 سبتمبر واشنطن برد عسكري إذا قصفت أراضيها. وأعلن رئيس الاستخبارات الباكستانية أن الجيش سيرد على أي عمل عسكري أمريكي في باكستان. وقال رئيس الوزراء الباكستاني يوسف رضا جيلاني في مؤتمر موسع ضم زعماء أحزاب الائتلاف الحاكم وأحزاب المعارضة والقادة العسكريين: إن الاتهامات الأمريكية لبلاده بدعم شبكة حقاني التي تقاتل القوات الأجنبية في أفغانستان مثيرة للصدمة. وتابع جيلاني أن واشنطن أنكرت تضحيات باكستان ونجاحاتها في مجال مكافحة الإرهاب، متهما في الوقت ذاته الولايات المتحدة بتحميل باكستان مسؤولية إخفاقها في أفغانستان، وأضاف مخاطبا المشاركين في المؤتمر ومن بينهم رئيس الوزراء الأسبق نواز شريف "لا يمكن أن تتعرض باكستان لمزيد من الضغط لبذل جهود إضافية. ستتم حماية مصالحنا الوطنية بأي ثمن". وتابع "يجب أن تتوقف لعبة اللوم، ويجب احترام مصالح باكستان القومية الحساسة".
وفي مقابل رفض الاتهامات والضغوط الأمريكية، شدد رئيس الوزراء الباكستاني على أنه ينبغي حل كل القضايا بين بلاده والولايات المتحدة بشكل مسؤول وعن طريق الحوار. ونقلت محطة "إكسبرس" التلفزونية المحلية لاحقًا عن رئيس أكبر جهاز للاستخبارات الباكستانية "آي أس آي" أحمد شجاع باشا قوله في المؤتمر: إن الجيش الباكستاني قادر على الرد على أي عمل عسكري تشنه القوات الأمريكية داخل باكستان. وشدد على أن أي عمل عسكري أمريكي في باكستان بذريعة مكافحة التطرف سيكون غير مقبول، إلا أنه أكد أن باكستان تحرص على ألا تبلغ العلاقة بين البلدين نقطة اللا عودة وفق ما نقلت عنه وسائل إعلام محلية.
وكانت تقارير ذكرت قبل أيام أن القوات الباكستانية وضعت في حالة تأهب تحسبا لعمليات أمريكية تستهدف مواقع مفترضة لشبكة حقاني.
يأتي ذلك فيما قال مسؤول أمريكي: إن كلا البلدين يبحثان اتفاقًا من شأنه السماح لما بين 100 و150 فردا من القوات المسلحة الأمريكية بالتمركز في باكستان وهو عدد أقل مما كان في الماضي القريب.
وذكر المسؤول الذي طلب عدم نشر اسمه: "هذا ما يسعون إليه".

تضحيات باكستان
في نطاق عملية شد الحبل بين واشنطن وإسلام آباد، نشرت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية يوم 1 أكتوبر 2011 مقالا للرئيس الباكستانى آصف على زردارى تناول فيه علاقة باكستان بأمريكا خلال الفترة الأخيرة، قائلا "إن الديمقراطية تفضل دائما الحوار بدلا من المواجهات، لقد استخدمت أمريكا مؤخرا إستراتيجية الاتهامات التى أضرت بالعلاقة بين باكستان والولايات المتحدة".
وأضاف"لم نكن نتوقع رد أمريكا الحليف الأقوى لنا، بهذه الاتهامات فى الوقت الذى يعانى فيه المواطنون الباكستانيون من كارثة الفيضانات، وهو ما صدم جميع أطياف الأمة التى تعانى من خطر الإرهاب على مدى عقود".
وأضاف بعد هجمات سبتمبر 11 عام 2001، فقدنا 30000 من المدنيين الأبرياء و5000 من ضباط الجيش والشرطة المسلحة فى الوقت التى اتهمتنا فيه الولايات المتحدة بدعم الشبكات الإرهابية، بعد أن عانينا من أكثر من 300 عملية انتحارية من قبل القوى التى تتخذ مناطق الحدود ملاذا لها.
ولقد استنزفنا ما يقرب من 100 مليار دولار بشكل مباشر فى المجهود الحربى، وعشرات المليارات من الاستثمارات الأجنبية المفقودة.
"الشارع الباكستانى لديه الآن الكثير من الأسئلة، وشعبى يسأل، هل دماؤنا رخيصة إلى هذا الحد؟ هل حياة أطفالنا لا قيمة لها؟ هل يجب علينا أن تحارب وحدنا فى منطقتنا؟
"نحن نخطط حاليا للتحضير لمرحلة ما بعد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، وأشعر أننا سنواجه عاصفة من النار، إذا لم نضع خطط بديلة للقضاء على هذه المجموعات الإرهابية، ونتحمل المسئولية وحدنا. أين الولايات المتحدة الآن؟، فنحن نقاتل نفس العدو، ونتقاسم نفس القيم الديمقراطية، ونقدر معا الأزمات الاقتصادية، لكن تم مؤخرا توجيه الاتهامات ضدنا وضد جهود الحرب ومصالحنا الاستراتيجية المشتركة. لكن لم نتوقف إطلاقا، وسنستمر فى استصلاح الأراضى وتعمير بلادنا "بوصة بوصة" من دون الولايات المتحدة، لأننا شعب عنيد، ولن نسمح أن يكون الدين سببا للإرهاب والاضطهاد. أخيرا كلما أسرعنا فى وقف إطلاق السهام اللفظية، ونسقنا مواردنا ضد التعصب، يمكننا استعادة الاستقرار ومواصلة التضحية لاستعادة أمن بلادنا".

أوهام النصر الأمريكية
يقول محللون وخبراء عسكريون ان إدارة الرئيس أوباما ورغم التعزيزات الكبيرة التي أرسلتها إلى ساحة الحرب الأفغانية أخذت تشك في إمكانية إحراز نصر عسكري، ومفاوضاتها عبر قنوات متعددة مع حركة طالبان لم تمكنها من التوصل إلى تسوية تحفظ بها ماء وجهها وتجنبها نهاية كالتي عرفتها في الفيتنام خلال عقد السبعينات من القرن الماضي. ولهذا تطرح عدة سيناريوهات.
البعض في مراكز القرار في الولايات المتحدة يريدها حربا جوية مفتوحة لتدمير كل قدرات باكستان عسكرية وإقتصادية وإشراك الهند في عملية تدجين إسلام آباد. معارضو هذا التوجه يحذرون من رد الصين التي سترى في إنقلاب واشنطن الكامل على إسلام آباد تهديدا مباشرا لأمنها القومي، فتصفية باكستان ستعني إستكمال حلقة في طوق الحصار الذي تحاول واشنطن تشييده حول الصين، كما يشكك هؤلاء في رغبة نيودلهي في ركوب قطار المغامرة الأمريكية.

التحريض
وفي نطاق محاولة جر الهند إلى المخطط الأمريكي القاضي بالدخول في مواجهة مباشرة مع إسلام آباد، أعلن في واشنطن يوم 24 سبتمبر أن وكالات امريكية تبحث عن تشابه محتمل بين هجمات على اهداف تابعة للولايات المتحدة وحلف شمال الاطلسي في افغانستان في 13 سبتمبر 2011 والهجوم الذي شنه متشددون على أهداف مدنية في مومباي بالهند في نوفمبر 2008.
وابلغ مسؤولون أمريكيون حاليون وسابقون في محاربة الارهاب "رويترز" انه تجري مقارنة الهجومين في اطار فحص الحكومة ادلة تربط هجوم كابل بوكالة المخابرات الباكستانية الرئيسية.
واحدى النقاط التي تخضع للدراسة اجراء متشددين اثناء الهجومين اتصالات هاتفية مع افراد بوكالة المخابرات في باكستان.
وقال بروس ريدل المحلل السابق في وكالة المخابرات المركزية الامريكية "سي.اي.ايه" الذي قدم استشارات للرئيس باراك اوباما بشان السياسة تجاه افغانستان ان ثمة اوجه شبه بين الهجومين تلمح الى تنفيذ وحدة سرية في الوكالة يطلق عليها الفرع "اس" الهجومين.
ونفى مسؤولون باكستانيون كبار الاتهامات الأمريكية بتورط الوكالة الباكستانية وحذروا واشنطن من خطر فقد حليف في جنوب اسيا.
وذكر ريدل ل"رويترز" ان الولايات المتحدة لديها أدلة على أن المهاجمين في كابل اتصلوا بالوكالة الباكستانية قبل واثناء والهجوم.
محلل ألماني علق فقال "التصريحات الأمريكية لا يمكن أن يصدقها حتى طفل".

الردع النووي
يقول خبير عسكري ألماني أن امتلاك الباكستان للسلاح النووي وقدرتها على استهداف مواقع تبعد عن حدودها بعدة آلاف الكيلومترات يعتبر صمام آمان وردع في نفس الوقت في مواجهة كل من يريدون ركوب قطار القصف والتدمير ضدها.
ويذكر الخبير الألماني بما قاله السفير البريطاني المنتهية ولايته في كوريا الشمالية بيتر هيو يوم الأربعاء 28 سبتمبر عن أن المسؤولين في "بيونغ يانغ" يعتقدون ان النظام الليبي سقط لأنه لم يحتفظ بأسلحته النووية!. وأضاف "أجريت نقاشات مع مسؤولين رفيعي المستوى "في بيونغ يانغ" أوضحوا لي بأنه لو لم يتخل العقيد القذافي عن الأسلحة النووية، لما كان الناتو هاجم البلاد".
واعتبر السفير ان هذا الكلام يعني ان كوريا الشمالية لن تقدم على نزع أسلحتها النووية إلا بعد أن ينزع العالم بأسره أسلحته النووية.

صفقة
في واشنطن وضمن من لا يريدون التصعيد في الوقت الحاضر على الأقل من يقترح صفقة مباشرة مع باكستان وتجاوز حركة طالبان، في حين يريد آخرون مواصلة التفاوض مع الحركة.
مع نهاية شهر سبتمبر 2011 قال الرئيس الافغاني حامد كرزاي إن الحكومة الافغانية لم تعد تعقد أي مفاوضات سلام مع حركة طالبان. وإن مقتل برهان الدين رباني الرئيس السابق والوسيط في التفاوض مع طالبان قد اقنعه بأن من الأفضل التركيز على الحوار مع باكستان.
واكمل "من هو الجانب الآخر في عملية السلام؟ ليس لدي أي جواب آخر غير القول إن باكستان هي الجانب الاخر في محادثات السلام معنا".
في تناقض واضح أعلن وزير الخارجية الأفغاني زلماي رسول من جانبه أمام الأمم المتحدة يوم الخميس 29 سبتمبر أن جهود المصالحة التي تقوم بها السلطات الأفغانية مع مقاتلي حركة طالبان ستستمر رغم اغتيال برهان الدين رباني.

دفن الرؤوس في الرمال
الادارة الأمريكية وحكومات العديد من الدول التي تشاركها في الحرب الأفغانية تحاول المغالطة بشأن انتكاساتها العسكرية، وتوهم نفسها والعالم أن وضع قواتها يتحسن.
يوم الاربعاء 28 سبتمبر ذكر تقرير للامم المتحدة أن أفغانستان شهدت زيادة بلغت نحو 40 بالمئة في معدل عدد الحوادث الأمنية التي سجلت خلال عام حتى نهاية أغسطس مقارنة مع نفس الفترة في 2010.
وأضاف التقرير الذي قدمه الامين العام للامم المتحدة بان كي مون لمجلس الأمن أيضا أن الخسائر في صفوف المدنيين بلغت بالفعل مستويات قياسية في الاشهر الستة الاولى من العام وزادت بنسبة خمسة بالمئة في الفترة من يونيو الى أغسطس مقارنة بنفس الفترة في 2010.
وأدى الصراع الى تشريد حوالي 130 الف شخص في الاشهر السبعة الاولى من العام بزيادة بلغت نحو الثلثين مقارنة مع نفس الفترة قبل عام.
مساعد السفير الروسي لدى الأمم المتحدة ايجور بانكين عضد التقرير الأممي مؤكدا أن القوات الأمريكية لم تحقق "تقدما". وأضاف بانكين "نلاحظ ذلك في الوتيرة الملفتة للأعمال المسلحة واغتيال مسؤولين أفغان رفيعي المستوى، بالإضافة إلى التوتر في باكستان والزيادة في الخسائر بين جنود قوات التحالف في أفغانستان".
رغم كل ذلك نفت قيادة القوة التي يقودها حلف شمال الأطلسي "ايساف" في أفغانستان تدهور الوضع الأمني وادعت إن "هجمات المتمردين كانت أقل بنسبة 2 في المائة في الأشهر الثمانية الأولى من العام الجاري مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي".
وقال المتحدث بإسم "ايساف" البريغادير جنرال كارستين جاكوبسون في مؤتمر صحفي أن "البيانات الأمنية للأمم المتحدة و"ايساف" تختلف من حيث تصنيفها وطريقة جمعها، وحجمها". "تصنيف الامم المتحدة للحوادث الامنية يشمل عدد كبيرا من الحوادث مقارنة بتصنيف "ايساف" لتقارير عن الانشطة البارزة.. فالامم المتحدة تشير الى حوادث اخرى لا تشير اليها "ايساف" من قبيل العثور على اسلحة وعمليات الاعتقال والاغتيالات والترهيب وغيرها".
وذكر إنه في الأشهر الثلاثة السابقة على أغسطس 2011، تراجعت الهجمات التي يشنها العدو بنسبة 17 بالمئة مقارنة بنفس الفترة العام الماضي".
وأصبح الاختلاف في حصيلة القتلى مصدرا للتوتر المتزايد بين قوات حلف الأطلسي والمؤسسات الدولية والجماعات المعنية.
وقتل في أفغانستان 459 عسكريا من "الناتو" خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2011 بحسب موقع الانترنت المتخصص في احصاء الضحايا "آيكاجولتيز اورغ".
وقد عززت طالبان التي اخرجت من السلطة في كابل قبل عشر سنوات من قبل تحالف غربي بقيادة الولايات المتحدة، صفوفها في السنوات الماضية ووسعت نطاق عملياتها لتصل إلى كافة انحاء البلاد تقريبا رغم وجود حوالى 140 الف جندي من قوات "الناتو" بينهم أكثر من مئة الف امريكي.

نكسات متتالية
وتسجل مصادر الرصد أن الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2011 عرفت عدة نكسات للقوات الحليفة وخاصة الأمريكية على يد طالبان لعل أبرزها اسقاط مروحية "تشينوك" للقوات الخاصة يوم 6 أغسطس وقتل 31 جنديا.
وقد قال عضو في تلك القوات إنه “صدم ولم يصدق” عندما علم الخبر. وأضاف "لم يسبق أن حصل هذا، إنه أسوأ يوم في تاريخنا".
وأسقط المقاتلون المروحية في وادي تانجي المنطقة النائية في ولاية ورداك على بعد 100 كلم جنوب غرب كابول. وقتل 31 أمريكيا بينهم 20 من القوات الخاصة "نيفي سيلز"، وهو اختصار لكلمات "سي إير لاند" بحر جو أرض. وتسبب الحادث في أكبر خسارة في يوم واحد للتحالف خلال الحرب التي بدأت قبل نحو 10 سنوات. وشكل ضربة كبيرة للقوات الخاصة التي فقدت بذلك قسما كبيرا من رجالها.
ويوم الاثنين 26 سبتمبر وفي مؤشر على مدى قدرة طالبان على اختراق الدفاعات الأمريكية في أحصن مواقعها قتل امريكي عضو في المخابرات برصاص موظف افغاني أردي بدوره داخل مبنى فندق "اريانا" في كابل الملحق بالسفارة الأمريكية والذي تستخدمه وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي أي"، ما شكل ثاني خرق كبير لأمن السفارة الأمريكية بكابل خلال اسبوعين، إذ هاجم مسلحون موقع السفارة ومقر الحلف الاطلسي "ناتو" لمدة 19 ساعة مطلع شهر سبتمبر.

البحث عن خروج مشرف
تقريبا في نفس اليوم الذي اسقطت فيه مروحية "تشينوك" دعت مجلة "تايم" الأمريكية إلى بذل الجهود المطلوبة للخروج من أفغانستان خروجا مشرفا لا يوحي بالهزيمة والاندحار، وقالت إن تحديات كبيرة تنتظر ما سمتها المهمة الأمريكية على الأرض الأفغانية.
وذكرت إن القائد السابق لقوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان الجنرال الأمريكي ديفد بترايوس طالما أكد على ضرورة سير العمليتين العسكرية والسياسية في آن واحد، وعلى شكل "فريق واحد بمهمة واحدة" في الحرب على أفغانستان.
وأوضحت المجلة أن تصريحات بترايوس تلك لم تكن جزافا، ولكنه كان يحاول إرسال رسالة إلى الإدارة الأمريكية.
ولكن بعد مضي أكثر من 13 شهرا على تسلمه لمهامه في أفغانستان، فإنه يبدو أن دعوته ذهبت أدراج الرياح دون أن تلقى صدى أو أذنا صاغية من إدارة أوباما، وقد ترك الساحة ليخلفه جنرال آخر قد يقدم آراء جديدة.
وتضيف "التايم" أما الانسحاب الأمريكي من أفغانستان فإنه يرمز إلى الهزيمة والاندحار، مشيرة أنه على الأمريكيين أن يعملوا بشكل يوحي على الأقل بأن انسحابهم لا يدل على هاتين الصفتين المهينتين.
يتفق عدد كبير من المحللين وفيهم غربيون على أن غالبية الشعب الأفغاني ترفض الوجود العسكري الغربي وتتحرك بشكل أو بآخر لإنهائه وإن كانت فئات منهم تختلف سياسيا مع طالبان، وهذا ما يفسر الهجمات التي يقوم بها أفغان يعملون في المصالح والقواعد الأمريكية دون أن تكون لديهم أي علاقات مع الحركة.
ويرى هؤلاء ان ساسة الولايات المتحدة أما لا يعترفون بهذا المعطى أو يتجاهلونه ويتصور بعضهم أنه سيمكن مع مرور الوقت وبإستخدام الاساليب الدعائية الذكية تكوين جيل يقبل الوجود الأمريكي ويتعاون معه.
والواقع أن واشنطن جربت هذا الأسلوب في الفيتنام وفشلت ولكنها نجحت نسبيا في أماكن أخرى لفترات قصيرة.
السؤال المطروح هو ماذا سيحدث عندما تقلص الولايات المتحدة و"الناتو" حضورهم، هل تستطيع القوة المحلية التي سيشكلونها ضبط الوضع الأمني؟ واليس هناك خطر من أن تتحول تلك القوة المحلية الأفغانية إلى عدو.
التجربة أثبتت بعد عشر سنوات من الاحتلال أن القوات المحلية التي أنشأها الأمريكيون غير فعالة أو تتهادن مع طالبان.

ملايير ضائعة
اعتبر الجنرال الامريكي وليام كالدويل المسؤول عن تدريب القوات الافغانية لحساب الحلف الاطلسي يوم الاثنين 26 سبتمبر ان النفقات الضرورية لتثبيت جيش وشرطة افغانيين قابلين للاستمرار في فترة محددة تصل الى 6000 مليون دولار سنويا.
وقال الجنرال اثناء مؤتمر عبر الفيديو من مقره العام في كابل ان "كلفة قوة من 352 الف رجل تصل الى حوالى 6 مليارات دولار" في السنة.
ويعد الجيش والشرطة الافغانيان اللذان سيتحملان مسؤولية الأمن في البلاد في نهاية 2014، ما يصل الى 305516 رجلا حاليا "169076 عسكريا و136440 شرطيا". والهدف هو الوصول الى 352 الف رجل في نوفمبر 2012.
ويتوقع البنتاغون انفاق 8120 مليون دولار في 2012 للقوات الافغانية.

الفرار المبكر
كتب راشيل اوبراين المحلل بوكالة "فرانس برس" يوم فاتح أكتوبر 2011 هناك سباق يخوضه المترجمون الأفغان الذين يعملون لحساب الأمريكيين للحصول على تاشيرة الهجرة قبل حلول 2014.
في موقع مونتي الميداني المتقدم يقول محمد يوسف المترجم الافغاني في الجيش الامريكي "طالبان سيقتلونني انا وعائلتي"، ولا يراوده شك حيال مصيره اذا بقي في بلاده بعد رحيل قوات "الناتو" المقرر في 2014.
وعلى غرار الالاف من زملائه يسعى الرجل حثيثا من اجل الحصول على تاشيرة هجرة الى الولايات المتحدة متيقنا، شأنه شأن العديد من الافغان, ان بلاده اما ستشهد حربا اهلية او تعود الى حكم طالبان عندما تنسحب القوات المقاتلة لحلف شمال الاطلسي.
وفي موقع مونتي الميداني المتقدم المتحصن للجيش الامريكي في ولاية كونار الشرقية التي تعج بمقاتلي طالبان يشرح محمد يوسف ان المتمردين وانصارهم يعتبرونه "كافرا مرتدا" وهو ما يعاقب عليه بالاعدام، "انهم يقولون ان الذين يعملون مع الامريكيين لا بد ان يقتلوا".
لكن حياة المترجمين ليست في خطر فقط عندما يكونون مع الجنود الامريكيين بل ايضا عندما يحصلون على اجازة. محمد على سبيل المثال لا يجرؤ على الذهاب لرؤية زوجته وابنائه الخمسة بالسيارة، وانما يعتمد على مروحيات الجيش لنقله

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر