الراصد القديم

2011/10/03

المجلس الوطني السوري ومهمة إنجاز التحول الديمقراطي المنشود


لؤي صافي


تم أخيرا الإعلان عن المجلس الوطني السوري من اسطنبول بعد أسابيع من التشاورات مع القوى السياسية الشبابية والحزبية، ومجموعة من الناشطين السياسيين السوريين في الداخل والخارج. تتألف الكثرة الغالبة من أعضاء المجلس من ناشطين سياسيين مستقلين وقيادات الصف الثاني من السياسيين الذين أمضوا سنوات طويلة في الدفاع عن حق الشعب السوري في المشاركة في القرار السياسي الذي استأثرت به القيادات الأمنية وبعض المتنفذين من حزب البعث الحاكم لعقود طويلة.

وكما هو متوقع فقد أثار بعض الناشطين والمشتغلين بالشأن السوري الإعلان الكثير من اللغط وحملات التشكيك في نوايا أعضائه وقدرتهم على قيادة العمل السياسي في غياب قيادات الصف الأول ذات التاريخ الطويل في مواجهة استبداد النظام.بالاضافة إلى النقد الهدام المتحامل الذي لا يقوم على حقائق بل أوهام وتخمينات، تطرح مجموعة من الأسئلة المهمة حول تشكيل المجلس وأهدافه وعلاقته بالثورة والثوار وقدرته على دعم الحراك الشعبي الديمقراطي، هذه الأسئلة والتساؤلات مهمة وتحتاج إلى توضيح، مع الاعتراف بأن أي توضيح لا يزيل الحاجة إلى استمرار النقاش والمتابعة النقدية طالما تم هذا بعيد عن التجريح والتشويش والاستهداف المغرض لأي ناشط سياسي دون برهان أو دليل.

من الضروري أن نشير أولا أن دخول العديد من المستقلين الذين لم يتمرسوا في العمل السياسي قبل بداية الثورة على خط العمل السياسي يعود إلى أمرين أساسيين: الرد الأمني الشرس على مطالب احترام الحريات المدنية والاعتراف بحق المشاركة السياسية لأبناء الشعب السوري من قبل نظام الأسد وعجز القيادات والأحزاب السياسية التقليدية عن مواجهة بطش النظام الأمني. ولا يعود هذا العجز بالضرورة إلى غياب المهارات والحنكة السياسية عن قادة الاحزاب التقليدية، فهم في حقيقة الأمر يمتلكون مهارات فردية كبيرة جلتها وقلمتها سنوات طويلة من العمل الصعب للدفاع عن كرامة الشعب السوري وحقه الطبيعي في العمل السياسي تحت ظروف قاسية. سبب العجز الذي استشعره الجميع نابع من الظروف القاسية نفسها واختزال الأحزاب في شخصيات قادتها القوية، والتنافس الأديولوجي فيما بينها، والمخاوف العميقة من استئثار بعض القيادات بالقرار في غياب أطر وآليات متطورة للتشاور والوصول إلى قرار المناسب.

وهنا تبرز أهمية المجلس الوطني السوري ودور المستقلين وقيادات الصف الثاني من السياسيين في الخارج. فأعضاء المجلس بما لديهم من خبرة كبيرة في الإدارة والتنظيم وبالمساحة الواسعة التي يمتلكونها للتحرك لمواجهة محاولات النظام للحصول على دعم وتأييد قوى أقليمية ودولية لإطالة عمره ومده بأسباب الاستمرار من الخارج بعدما فقد المدد الشعبي وأساء استخدام السلطة السياسية وقاد البلاد إلى حافة الهاوية اقتصاديا نتيجة أصراره على الاستئثار بالسلطة ومراكز القرار، ورفضه مطالب الشعب العادلة بالالغاء احتكار الحزب للسلطة واعترافه بالحقوق المدنية والسياسية لأبناء الشعب. آليا ت المجلس تسمح بالشراكة الكاملة بين قيادات الثورة والمعارضة في الداخل والخارج باتخاذ القرار، وتحافظ على أولوية احتياجات الداخل في صنع أي قرار سياسي.

دخول المجلس الوطني السوري إلى ساحة الصراع السياسي بين دعاة الديمقراطية والحرية وسدنة الاستبداد والعبودية للفرد سيكون له تأثير كبير على وضع الصراع في إطاره الحقيقي باعتباره صراعا بين قوى الشعب السوري ومراكز القوى الأمنية ومن حالفهم من المستفيدين من الآلام الشعب ومعاناته. ذلك أن تشرذم قوى المعارضة كان السبب الرئيسي الذي أتاح للنظام السوري القدرة على المراوغة ووضع الصراع الحالي على قاعدة "أنا أو الطوفان." إذ سيتيح المجلس الفرصة للقوى الشعبية والدولية لتلحظ وجود خطة لنقل البلاد إلى حياة ديمقراطية وفق تصور واضح وتوفر الإرادة والقدرة للمعارضة للتعاون لتحقيق مصلحة الوطن. وهذا ستطلب بطبيعة الحال التفاف القوى السياسية والثورية والشعبية حول المجلس وتقديم الدعم المعنوي الكافي للقيام بمهامه.

وعلى الرغم من تشكيك المشككين في المجلس الوطني السوري، فإن المسؤولية الملقى على عاتقه واضحة، تتمثل في إدارة عملية نقل السلطة من الحالة الاستبدادية الراهنة التي تنذر بانهيار الدولة اإلى نظام ديمقراطي يحترم الحقوق ويتيح للمواطنين مساءلة قيادتهم السياسية ومواجهة أعمال الفساد. وستنتهي مهمة المجلس بإنشاء حكومة مؤقتة بعد الخلاص من حالة الاستبداد التي ستتولى قيادة البلاد خلال الفترة التحضيرية لانتخاب الحكومة الديمقراطية القادمة. التحدي الذي يواجه المجلس ليس تحديا من خارجه بل من داخل صفوفه، والامتحان الذي سيحدد قدرة المجلس على المضي في مهمته يتحدد بانضباط القوى المنضوية تحته بمبادئ العمل الديمقراطي وامتناع أي من هذه القوى عن تجيير جهود المجلس لتكريس هيمنتها والانفراد بالقرار السياسي.

التحدي الذي يواجه المجلس هو خروج الهيئة الإدارية المؤقتة من المفاوضات التي تجريها اليوم مع ممثلي إعلان دمشق والأحزاب الكردية والإخوان المسلمين بصيغة لا تؤدي إلى إضعاف صلاحيات الهيئة العمومية التي يتمثل بعمومها الزخم الشبابي وأبناء المجتمع المدني الناشط في الداخل والخارج. الغاية الرئيسة من المفاوضات التي يحضرها أيضا برهان غليون هي توسيع دائرة التمثيل في المجلس الوطني. القوى السياسية التي تتحاور مع مفاوضي المجلس الوطني تسعى إلى الوصول إلى مشاركة متساوية في الهيئة الرئاسية وقيادة الهيئة التنفيذية والرئاسة بالتناوب. الخوف الآن من أن يؤدي السعي إلى التمثيل الواسع إلى إضعاف صلاحيات المجلس وإضعاف الرئاسة من خلال مبدأ التناوب. لذلك فإن مهمة الفريق المفاوض الرئيسية هي العمل على تجنب الوصول إلى مجلس ضعيف وبالتالي الإصرار على صلاحيات غير منقوصة للهيئة العامة للمجلس الوطني السوري.

ومهما تكن نتيجة المفاوضات في اسطنبول فإن مهمة المعارضة الكبيرة هي القدرة على اتخاذ موقف موحد وتوظيف القدرات الكبيرة المتوفرة لها لانهاء مرحلة الحكم الاستبدادي وإدخال البلاد في حياة ديمقراطية. هل ستحقق المعارضة الآمال المعقودة بها؟ الأيام والأسابيع القادمة كفيلة بالاجابة على هذه السؤال الحيوي والمحوري وقدرة الهيئة العامة على الفعل والمراقبة والمبادرة عنصر أساسي للوصول إلى جواب إيجابي.

د. لؤي صافي

استاذ جامعي وناشط حقوقي وعضو في المجلس الوطني السوري.. يمكن قراءة تعليقاته على الشؤون السياسية على مدونته http://safireflections.wordpress.com/

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر