الراصد القديم

2011/10/16

حشرجة الاستبداد.. بين يدي الشعب - خمسة نماذج.. أفحشها في سورية

كثيرا ما يتردّد الحديث عن هروب المستبدّ بن علي، وتنحّي المستبدّ مبارك، واندحار المستبدّ القذافي، وأصبح الثوار في اليمن وسورية يطرحون هذه النماذج الثلاثة باعتبارها -أو باعتبار بعضها- الصيغ الممكنة الوحيدة لمصير الاستبداد المترنّح في البلدين، بين يدي الثورتين الشعبيتين البطوليتين.. ولا يزال المستبدّ في كل من البلدين يمارس مراوغة دموية فاحشة، وهو يعلم أنّ أمره انتهى، فلم يبق سوى السؤال: كيف تأتي النهاية؟..

الصورة التاريخية في البلدان الخمسة واحدة بمعالمها الكبرى، ولن تختلف السطور التي تسجّلها في كتب التاريخ اختلافا كبيرا عن بعضها بعضا، اللهم إلاّ في ترتيب درجات الهمجية الدموية الاستبدادية أثناء السقوط، وهنا يظهر أنّ المنحدر المتدنّي الذي وصلت إليه بقايا النظام القائم في سورية، أشدّ عمقا من سواه، فأين تكمن الفوارق التي تترك أثرها أكثر من سواها في نوعية حشرجة الموت وطول فترة الاحتضار؟..


بنية القمع الاستبدادي

لا شكّ أن السلطة الاستبدادية في تونس ومصر، اعتمدت كسواها على العناصر الثلاثة التقليدية في البنية الاستبدادية: أجهزة قمعية باسم الأمن، وفساد مطلق يموّل التسلّط، وولاء نفعي لقيادات عسكرية تحمي هياكل الاستبداد.. إنّما بقي الجيش في البلدين جيشا نظاميا بصفة عامة، ولم يمنع ولاء القيادات التخلّي السريع نسبيا عن رأس الاستبداد في اللحظة الحرجة من مسار الثورة، كيلا يشملها السقوط، وبالتالي يشهد البلدان الآن بقية مفعول لذلك الولاء على امتداد المرحلة الانتقالية بين "الثورة" و"الدولة".

أمّا السلطات الاستبدادية في ليبيا واليمن وسورية فاستندت إلى هذه العناصر الثلاثة أيضا، ولكن حوّلت قطاعات كبرى من القوات المسلّحة إلى ميليشيات منفصلة عن "الجيش الوطني"، في تكوينها أفرادا، وضبطها قيادات، وخصوصية مهامّها تدريبا، وتحصين مواقعها تسلّحا. صحيح أنّ تونس ومصر عرفتا أدوات مشابهة لحماية التسلّط، إنّما تجاوزتها الميليشيات في البلدان الأخرى بمراحل، من حيث إعدادها لتبطش بطشا ذريعا همجيا وجماعيا لا يقف عند حدود، وبالتالي اختلف مسار الثورات في مواجهة القمع.

لقد أصبحت الثورة مسلّحة في ليبيا، أي حيث لم يوجد سوى ميليشيات مسلّحة بينما بلغت نسبة القضاء على الجيش النظامي درجة بعيدة المدى..

وبقيت الثورة سلميّة المسار في اليمن مع ارتفاع عدد الضحايا، وتولّي الجزء "السليم" من بنية القوات المسلّحة مهمة حماية الثورة..

الوضع مختلف في سورية عبر عنصر آخر، وهو موقع الأجهزة القمعية باسم الأمن، فهذه لم تقتصر هيمنتها استخباراتيا وتسلّطا على الشعب، بل شملت إرهابَ الجيش النظامي بأسره. كما أن تفتيت الجيش إلى ميليشيات موالية وقوات عسكرية تقليدية تجاوز ما صُنع في اليمن بمراحل، فأصبحت الميليشيات هي الأقوى تسلّحا وقدرة على السيطرة.

هذا الخليط الإجرامي من أجهزة استخباراتية وقمعية وميليشيات موالية، وصُنعت خصيصا للبطش الهمجي ودُرّبت عليه، وجثمت بثقلها على كاهل الجيش الوطني والشعب معا.. هو ما جعل مسيرة القمع الدموي الاستبدادي في سورية تصل خلال الشهور السبعة من عمر الثورة الشعبية السلمية الواسعة النطاق، إلى درجة دنيئة، لم يُعرف لها مثيل في التاريخ المعاصر، في أنحاء الأرض، وليس في نطاق الأقطار الخمسة فقط، التي سبقت سواها في مسيرة ثورات الربيع العربي.


خمسة نماذج قمعية صارخة

من مواطن الاختلاف في المرتكزات الثلاثة للبنية الاستبدادية القمعية أيضا، أنّها بقيت في تونس ومصر قائمة على أجنحة منفصلة عن بعضها بعضا نسبيا، فكان انهيار جناح رأس الاستبداد السياسي والفساد المالي سريعا دون أن يمثل زوالا كاملا للاستبداد المستشري في بقية الأجهزة، ولا بدّ من مضيّ فترة من الزمن ليتحقّق تطهيرها في موازاة بناء الدولة الجديدة.

من ذلك على سبيل المثال أنّ مشاركة أفراد عائلة رأس الاستبداد في التسلّط على المجتمع والدولة، كانت مركّزة على الفساد المالي، بينما كانت في البلدان الثلاثة الأخرى، تجمع بين مراكز التسلّط عبر الاستخبارات القمعية والفساد المالي والميليشيات المسلّحة في وقت واحد، ويعني ذلك على أرض الواقع أنّ الثورة الشعبية السلمية واجهت كتلة استبدادية متجانسة ومستميتة، في ليبيا واليمن وسورية، ولكن بقي الاختلاف في التفاصيل قائما.

كانت الهمجية الوحشية المطلقة متميّزة في تسلّط الاستبداد في ليبيا، وشملت الرؤوس والكتلة البنوية، كما تميّزت بدرجة من العجرفة البعيدة عن أي منطق عقلاني، فأطلقت على الفور كلّ ما تملك من قدرة على القمع الهمجي الدموي، فتحوّل مسار الثورة الشعبية السلمية سريعا إلى مقاومة مسلّحة، وجدت دعما أجنبيا، فأصبح عليها مهمة مزدوجة أن تُسقط الاستبداد من جهة وأن تمنع من جهة أخرى استقرار أقدام هيمنة أجنبية.. ولا تزال هذه المعركة مستمرة، بل أصبح الجزء الثاني منها هو الأهمّ في مسار الثورة.

وحاول المستبدّ في اليمن سلوك طريق قرينه في ليبيا، دون أن تتوافر له مواصفات مماثلة، ممّا أدّى إلى سرعة انفصال الجزء السليم من القوات العسكرية، ورغم ذلك استحال -بتأثير سلمية الثورة- أن يتحوّل مسارها إلى مواجهات عسكرية أو حرب أهلية، ويمكن القول إنّ النصر النهائي للثورة بات قاب قوسين أو أدنى.

أمّا في سورية فحاول المستبدّ المتسلّط أن يطبّق ما شاع عنه من مواصفات "الدهاء" (وهما وتضليلا.. كما تبيّن سريعا)..

عمد في البداية إلى بطش قمعي إرهابي نوعي ومركّز (أطفال درعا.. نساء بانياس.. جامعة حلب) ولم يحصد سوى تصعيد قوّة الثورة السلمية الشعبية وانتشارها..

سلك سبيل المراوغة (المكشوفة) تحت عناوين "إصلاح" مزعوم (التلويح بالانتخابات.. الجنسية للأكراد.. تبديل مسؤولين محليين) ولم يكسب ولو حدّا أدنى من المصداقية لسحب البساط من تحت أقدام الشعب الثائر..

لجأ إلى التدرّج الزمني على امتداد سبعة شهور.. في تصعيد القمع (حتى بلغ قصف الأحياء السكنية في المدن) وتوسيع المراوغة (حتى بلغ طرح مشروع دستور جديد) وبقدر ما سلك طريق هذا التدرّج المزدوج، كان يخدم الثورة من حيث لا يقصد خدمة مزدوجة أيضا، فمن جهة حصلت المعارضة السياسية التقليدية (الضعيفة بحكم ما صنعه استبداد نصف قرن) على فرصة زمنية ضرورية لتتلاقى على خطوط عمل عامة مشتركة، تلاقيا لا ريب أنّ تماسكه ورفع مستواه، سيعجّل من قطع الطريق على مراوغات الاستبداد "الإصلاحية!" المخادعة.. ومن جهة أخرى أنهكت البنيةُ القمعية الاستبدادية المتجانسة نفسها بنفسها، فبلغت مرحلة الاحتضار وحشرجة الموت.. هذا مع عدم التهوين من شأن السلوك الهمجي الدموي الانتقامي، الذي رفع ثمن إسقاط الاستبداد إلى درجة تثير الذهول، عند متابعة نوعية التضحيات التي يقدّمها الشعب الثائر وحجمها، ودرجة المصابرة المقترنة بها، ومستوى العزيمة على الاستمرار واليقين بحتمية الانتصار.

نهاية التسلّط الاستبدادي

ليس التنبؤّ بانتصار الثورة عاجلا لا آجلا، مجرّد "أمنية" في مرحلة لا تمثل الأماني فيها أمرا منكرا، بل هو التنبؤ القائم على رصد موضوعي لجملة عوامل موضوعية محضة، تؤكّد أنّ التسلّط الاستبدادي في سورية يتسابق مع التسلّط الاستبدادي في اليمن على لفظ أنفاسه الأخيرة. ويمكن لبيان ذلك الوقوف عند مظاهر حشرجة الموت وقد أصبحت ظاهرة للعيان، رغم استمرار فتك الشبّيحة المسلّحة وضجيج الشبّيحة الإعلامية، ويمكن تعداد بعض تلك المظاهر، المهمّ.. فالأهمّ:

1- مثال: ما يوصف بمظاهرات التأييد في ساحة "السبع بحرات" بدمشق يوم 12/10/2011م، ويبدو أنّها تحوّلت عن ساحة الأمويين وساحة العباسيين الأوسع مساحة لحشد الأنصار، لإدراك رؤوس الاستبداد أنّه لم يعد باستطاعتهم أن يصنعوا ما صنعوه قبل أسابيع في أكثر من مدينة، فلم يعد ممكنا جلبُ المتظاهرين بالإكراه تحت طائلة فصل من الوظيفة أو تسريح من العمل أو طرد من المدرسة والجامعة، ويتبين ذلك من خلال مثال واحد، وهو ما واجهته آلة القمع من تحدّيات تلاميذ المدارس خلال الأيام المعدودة الماضية، فهذا بعض ما يثير مخاوف سلطة صناعة التأييد المزعوم من خلال حشد كبير، إذ يمكن أن تتحوّل هتافات التأييد إلى هتافات تنديد، بعد أن تحطّمت أغلال الخوف جميعا، حتى عند الناشئة والأطفال، وقد بات أقرانهم، حمزة وإخوانه وأخواته، مثالا على ما يتهدّد الأطفال والناشئة من خطر.. إذا بقي الاستبداد ردحا آخر من الزمن!..

2- ما يوصف بأبواق السلطة، أفرادا وأجهزة، وصلوا جميعا إلى مرحلة العجز عن مواصلة تصديق أنفسهم أنهم قادرون على أداء أيّ مهمة ذات معنى، ويلفت النظر في الفضائيات التابعة للاستبداد المتسلّط أنّها تحولت في هذه الأثناء إلى ملء الساعات الطوال بمسلسلات "ترفيهية"، لا تمثل فقط "رقصة الموت على أنغام الاحتضار"، بقدر ما تكشف أيضا عن فراغ جعبة المتخصصين في التضليل الإعلامي، من إنتاج مسلسلات "فبركة" الأساطير، التي لم يتجاوز مفعولها يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر، حدودَ نشر "التهكّم.. والتندّر" شعبيا، فساهمت من حيث لا تريد في "تخفيف المعاناة اليومية للثوار" ألماً على الشهداء والمفقودين والجرحى والمعتقلين والمعذبين.. ويسري شبيه ذلك على الأبواق الإعلامية من الأفراد، إذ فرغت جعبتهم إلاّ من أسلوب "الصراخ.. والشتائم"، ولم يبق أثر يستحق الذكر حتى من التضليل المكشوف من قبل، والž4;ي كان من أمثلته المبكية المضحكة، حديثهم آنذاك عن المظاهرات الحاشدة، أنها مجرّد تجمعات بالعشرات للخارجين من المساجد، تزوّر عدسات التصوير خروجهم لتزعم أنّهم يتظاهرون!..

3- ما يوصف بالسند الإقليمي والدولي للنظام، وما كان يقال حول أنّه "بارع" في المناورات السياسية، التي تجعله قادرا على التعاون الاستخباراتي مع أمريكا والعسكري مع روسيا، وعلى استعادة العلاقات السياسية مع فرنسا وبناء علاقات جديدة مع تركيا دون أن يُسقط تحالفه العتيق مع إيران، وعلى استبقاء نفوذه في لبنان عبر النافذة بعد خروجه من الباب، وقادر على أن يصف أقرانه من "الزعماء العرب" بأنصاف الرجال، ثم يتلاقى معهم من جديد في قاعات القمم العربية.. وإذا بصمود الشعب الثائر في سورية، واستمرارية ثورته السلمية البطولية، يلتهم تلك الأوراق واحدة بعد الأخرى، حتى أصبحت مسألة العزلة المطلقة عربيا وإقليميا ودوليا مسألة أيّام معدودة على الأرجح، وكان آخر مظاهرها، أنّ التضخيم من شأن زيارة بعض ساسة دول أمريكية جنوبية بعيدة، تزامن مع تعديل الموقفين الروسي والصين لينذر بأن ينقلب "الفيتو" إلى "إدانة".. حتى من قبل أن تنقطع مسلسلات تصريحات الإشادة به وتأكيد الاعتماد عليه!..

4- مراسيم تبديل الحكومات والوزراء في ماضي حقبة الاستبداد تحوّلت خلال الثورة إلى مراسيم إعلانات العزل والوفاة، وما كان يقال عن القدرة المتميزة لوزير خارجية يوصف بأنه "المعلّم" ديبلوماسيا لا اسما فقط، تحوّل إلى سلسلة مواقف تثير السخرية المريرة، وهو يمحو القارة الأوروبية تارة، ويهدّد بإجراءات مضادة تارة أخرى، ويزعم أنّ مسيرة الإصلاحات رغم المؤامرة مستمرة تارة ثالثة.. ولا يبدو أنّه سيتمكّن من إطلاق تصريح واحد يحمل وزنا سياسيا من أي مستوى، على مختلف الأصعدة العربية والإقليمية والدولية، فلم يبلغ الوضع بالسياسات الرسمية للاستبداد المتسلّط مرحلة "انهيار" فحسب، بل تجاوزها إلى درجة "الإفلاس" بمعنى الكلمة.

5- مسلسل الحديث الهادئ على ألسنة "متخصصين ومسؤولين" من قطاع الاقتصاد والمال، عن أنّ الوضع مستقرّ، وبخير، ولا توجد مشكلة، ولا يوجد انهيار، اضمحلّ عبر الشاشة الصغيرة، جنبا إلى جنب مع ازدياد نسبة ما يتسرّب من وثائق، من قبيل تعليمات رئاسة الوزراء للوزارات، لتتقشف، ومن قبيل نضوب ما يخصص من أموال طائلة أجورا للشبيحة المستأجرة ممّا يسمّى "شركات أمنية خاصة" على غرار ما استخدمته قوات الغزو الأمريكية في أفغانستان والعراق، فضلا عن طباعة "العملة"، وتسريح العاملين، في القطاعات الرسمية والخاصة، ومزيد على ذلك.. ممّا يجعل الانهيار الذاتي للبنية القمعية الاستبدادية أمرا متوقعا في أية لحظة، وهو أيضا من أسباب العجز عن القيام بحملات "غزو الميليشيات المسلّحة" للمدن، إلا مدينة بعد مدينة، وقرية بعد قرية، فقد أنهكت الثورة السلمية الشعبية الاستبدادَ الهمجي.. وبات الحديث عن تدخّل عسكري أجنبي من باب فضل القول، فالثورة منتصرة بإذن الله وبفضل إرادة الشعب الثائر وصموده البطولي وطاقات أهل سورية من مختلف الأعمار ومن مختلف المدن والبلدات.. رغم دموية الإجرام الاستبدادي القمعي المتواصل.

. . .

لقد انتهى أمر هذا التسلّط رغما عنه، انتهى إرهابا للشعب، وتضليلا إعلاميا، وعزلة خارجية، وإفلاسا سياسيا، وانهيارا ماليا واقتصاديا.. وأصبحت ساعة انتصار الشعب على الاستبداد أقرب بكثير ممّا يتصوّر المخلصون ويخشى المجرمون، وسيسجّل التاريخ أنّ ساعة احتضاره كانت دموية وطويلة.. ولكنها كانت أيضا حتمية بحكم سنن التاريخ الثابتة، من اللحظة الأولى التي انطلقت فيها حناجر شعب سورية بالهتاف: الشعب يريد إسقاط النظام.

نبيل شبيب

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر