الراصد القديم

2011/10/19

تسليم المتهمين: ساعة الحقيقة تقترب!


طوني عيسى
ليس تمويل المحكمة الدولية هو التحدّي الأكبر للحكومة حتى حلول موعد التمديد في آذار. فهناك مسألة "كامنة" قد تخرج الى الضوء، وهي: هل إن المحكمة، التي صَنّفت في وقت سابق تجاوب الحكومة اللبنانية مع طلبها البحث عن المتهمين الأربعة في خانة "المقبول"، ستُبقي على هذا التصنيف في الأشهر المقبلة أم لا؟ فهذا التصنيف يحدّد كيفية تعاطي المحكمة، ومجلس الأمن الدولي عموما، مع السلطة في لبنان. وهو يقرّر ما إذا كان لبنان الرسمي ينصاع الى الإرادة الدولية، أم إنه يعرّض نفسه للعقوبات التي يحدّدها الفصل السابع من نظام الأمم المتحدة. فالقرار 1757، الذي نشأت المحكمة الدولية على أساسه، يستند الى هذا الفصل.
الحكومة اللبنانية كانت ردّت على طلب المحكمة تسليم المتهمين الأربعة، قبل أيام من انقضاء المهلة التي حدّدها القرار الاتهامي، مؤكدة أنها بذلت ما في وسعها لإبلاغهم مذكرات التوقيف وجلبهم الى المحكمة، لكنها لم تعثر عليهم على الأراضي اللبنانية. وبذلك، "نَأت بنفسها" عن هذه المهمة. وكان جواب رئيس المحكمة السابق أنطونيو كاسيزي على الكتاب اللبناني: الحكومة بذلت جهودا "مقبولة"، ولكن عليها استمرار البحث وتزويد المحكمة تقارير دورية عن نتائج عملها.
المحكمة تداولت يومذاك في الردّ الوارد إليها من لبنان. وتبيّن لها ان الحكومة تريد إثبات تعاون الحدّ الأدنى مع المحكمة، ولكن تحت سقف عدم اصطدامها مع "حزب الله" الذي تقصّد أمينه العام السيد حسن نصرالله القول: لن نسلّم أيّا من عناصرنا ولو بعد 300 عام! وكان رئيسها أنطونيو كاسيزي أمام خيارين: إمّا تقدير "الحدّ الأدنى" من التعاون، وإما القول بوجود "ممانعة في الأساس"، وفقا للتعبير القانوني، فتبنّى الخيار الأول.
عناصر جديدة في لاهاي
ولكن، طرأت، على الأقل، ثلاثة عناصر جديدة وبالغة الأهمية، أو هي قيد الدخول على ملف المحكمة، ومن شأنها إعادة تقويم التجاوب اللبناني. وهذه العناصر هي الآتية:
1 - التبديل الذي حصل على مستوى رئاسة المحكمة، بعد استقالة كاسيزي لأسباب صحية، مع بقائه في غرفة الاستئناف. فنظام المحكمة يخوّل رئيسها تقدير التجاوب الرسمي اللبناني. فإذا ما ارتأى وجود تلكؤ أو ممانعة في هذا المجال، يرفع كتابا الى مجلس الأمن يبلغه فيه بذلك. فيجتمع المجلس لاتخاذ الإجراءات التي تتناسب ومنطوق الفصل السابع.
ولذلك، سيكون على القاضي الجديد ديفيد باراغوانت إعادة تقويم التعاطي اللبناني في ملف البحث عن المتهمين. ويقول مرجع في القانون الدولي إن المسألة هنا تقديرية، وتعود الى اجتهاد رئيس المحكمة. فقد يوافق القاضي الجديد على تقدير كاسيزي، أو يخالفه إذا كان نهجه أكثر تشدّدا.
2 - ثمّة معطيات سيفرزها صدور قرارات اتهامية جديدة عن المحكمة في نهاية العام الجاري أو بداية العام المقبل، في محاولتي اغتيال نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع السابق إلياس المر والنائب مروان حمادة، واغتيال الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي. ويقول المرجع إن هذه القرارات الاتهامية يُفترض أن تسمّي مطلوبين جُددا، وقد يكون بعضهم معروفَ مكان الإقامة ولا يمكن القول بتعذّر إبلاغه. وعندئذٍ ستقع الحكومة في مطبّ المواجهة، إمّا مع الطرف الداخلي الرافض للتسليم، وإما مع المجتمع الدولي.
3 - سيشكّل بدء المحاكمات الغيابية، المتوقّع أيضا في الفترة الزمنية عينها، اختبارا حثيثا لمطلب تسليم المتهمين، ولتعاون السلطات اللبنانية المعنية مع متطلبات عمل المحكمة، في موازاة التزام التمويل والتمديد.
لذلك، وفقا للمرجع الحقوقي، ستكون الحكومة اللبنانية في الأشهر القليلة المقبلة أمام احتمال جدّي للانزلاق الى المواجهة التي تحاول حتى اليوم أن تتجنبها، ليس فقط من الباب المفتوح حول التمويل والتمديد، بل أيضا من باب التجاوب الحقيقي في البحث عن المتهمين.
فهل تختار المواجهة الداخلية أم الدولية، أم تفضّل الهرب بالاستقالة؟

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر