الراصد القديم

2011/10/08

النظام المدلّل خسر السلام والحرب

- عبد الكريم أبو النصر
"الصراع الدولي الكبير على سوريا ينطلق من اقتناع الدول المعنية بأن نظام الرئيس بشار الأسد في خطر، لكن روسيا والصين تتخوفان من انعكاسات سقوطه على الأوضاع الداخلية والإقليمية وقت ترى دول غربية وعربية وإقليمية بارزة عدة أن تغيير النظام ضروري لمصلحة سوريا والسوريين لأنه يؤدي الى قيام نظام ديموقراطي تعددي والى تحولات جوهرية في المنطقة تعزز الأمن والاستقرار والسلام وتدعم القوى المعتدلة والديموقراطية وتضعف كثيراً الدور الإقليمي لإيران. ويرفض المسؤولون الروس والصينيون إعطاء الأسد الضوء الأخضر لمواصلة العمليات العسكرية ضد المحتجين وهم استخدموا "الفيتو" في مجلس الأمن لإسقاط مشروع القرار الأوروبي الذي يدين بشدة ممارسات السلطات السورية لأنهم يريدون إعطاء مهلة إضافية للنظام لوقف العنف وتنفيذ الإصلاحات من طريق حوار مع المعارضة في رعاية دولية - عربية مناسبة. لكن التصاعد المتوقع للمواجهات نتيجة إصرار نظام الأسد على تبني الخيار العسكري - الأمني سيشكل إحراجاً كبيراً للروس والصينيين الأمر الذي سيدفع الدول الغربية الى تحميلهم مسؤولية ما يجري في سوريا". هذا ما عبّرت عنه مصادر ديبلوماسية أوروبية في باريس معنية بالملف السوري. وأوضحت "ان إعلان تشكيل المجلس الوطني السوري في اسطنبول تطور مهم إذ انها المرة الأولى منذ نصف قرن تؤلف في سوريا قيادة سياسية لانتفاضة شعبية واسعة تلقى دعماً داخلياً وخارجياً وتعمل على إسقاط النظام وبناء دولة مدنية ديموقراطية يتم فيها التداول السلمي للسلطة من طريق انتخابات حرة وشفافة".
وضمن هذا السياق أفاد مبعوث أوروبي زار دمشق "ان نظام الأسد يشعر بصدمة حقيقية لأنه لم يعد النظام المدلل الذي تغفر له الدول الإقليمية والأجنبية ممارساته وأعماله الخاطئة وتتعاون معه من أجل تغيير سياساته الإقليمية، كما أن الرئيس السوري ضائع في هذا العالم الجديد الذي يدعم الثورات والانتفاضات الشعبية العربية المطالبة بالحرية والديموقراطية والكرامة، لكنه يكابر ويرى خلاصه في استخدام العنف والقمع لإرهاب شعبه المحتج ودفعه الى التخلي عن مطالبه المشروعة". وقال المبعوث الأوروبي انه أبلغ المسؤولين السوريين "ان العنف لن ينقذ النظام بل سيضعفه أكثر فأكثر وان الدول الغربية والإقليمية البارزة فقدت ثقتها بهذا النظام وقررت الاستغناء عنه ومحاصرته بإجراءات وعقوبات قاسية وغير مسبوقة سياسية وديبلوماسية واقتصادية ومالية ونفطية. لكن المسؤولين السوريين يرفضون الأخذ بأي نصائح تدعوهم الى وقف المواجهة مع مواطنيهم". ولاحظ "ان القيادة السورية تتعامل مع الأوضاع من وجهة نظر عسكرية - أمنية، فترى انها تملك إمكانات حربية هائلة تمكنها، نظرياً، من سحق المحتجين والمتمردين وتتصرف كأنها في حال حرب مع الأعداء. لكن القيادة السورية تتجاهل منطق الثورات الشعبية وديناميكيتها وان المعركة الحقيقية ليست عسكرية بل انها سياسية - شعبية داخلية وخارجية، كما تتجاهل حقيقة أساسية هي انه لم يعد ممكناً حكم سوريا من دون تأمين المطالب الحيوية المشروعة لمواطنيها ومن دون العمل على بناء دولة مدنية ديموقراطية حقيقية عادلة يتم فيها التداول السلمي للسلطة من طريق انتخابات حرة وشفافة".
وشدد المبعوث الأوروبي في تقريره "على ان نظام الأسد خسر السلام مع شعبه إذ انه يرفض التحاور مع المحتجين وإصلاح الأوضاع جدياً، وخسر الحرب أيضاً لأن عمليات القمع والقتل توسع أسبوعاً بعد أسبوع حجم الانتفاضة التي صارت تشمل مختلف المدن والمناطق. النظام يحاول التهرب من الواقع، وهذا دليل ضعف لا قوة، لكن المعلومات التي تملكها دول وجهات معنية بالأمر تظهر أن سوريا تشهد تدهوراً جدياً غير مسبوق في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية وفي عمل مؤسسات الدولة، وهي خسرت السياح والاستثمارات الخارجية وثقة الدول والمؤسسات العربية والدولية بها، الأمر الذي دفع كثيرين الى تهريب أموالهم الى الخارج. كما تشهد سوريا تأزماً بالغ الخطورة بين مكونات المجتمع وطوائفه وانهيار الثقة بقدرة النظام على ضبط الأوضاع وحفظ السلم الأهلي والوحدة الوطنية. والأسد لم يعد قادراً على أن يحكم سوريا لأسباب داخلية وخارجية لكنه ليس مستعداً لاستخلاص الدرس المناسب والرحيل بل ان أركان الحكم يرددون انهم لن يتأثروا بشيء لكنهم في الواقع يتأثرون بكل شيء وسيكتشفون هذه الحقيقة بعد فوات الأوان".
وخلص المبعوث الأوروبي الى القول: "يتحمل الأسد مسؤولية هذا الوضع الشديد التأزم لأنه هو من حدد خطة التعامل مع المحتجين وفشل إذ انه لم يستطع كسبهم والتفاهم معهم ولم يتمكن من إنهاء حركتهم. لقد تصرف الأسد على أساس أن الأولوية هي لإنقاذ النظام ولكن تبين ان هذا قرار خاطئ وخطر لأن انهيار الأوضاع وانفجار أزمات داخلية في مجالات عدة سيعجلان في سقوط النظام".

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر