الراصد القديم

2011/10/13

أحداث ماسبيرو: هل يغذي الجيش الفتنة الدينية للبقاء في السلطة؟


القاهرة - تم تصوير اشتباكات بين متظاهرين مسيحيين وأفراد الشرطة العسكرية في القاهرة هذا الأسبوع على أنها "طائفية"، ولكنها في الحقيقة توضح أشياءً عن الثورة المصرية أكثر بكثير مما تقوله عن التوتر بين المسلمين والمسيحيين.

حيث كتبت الروائية المصرية والمعلقة السياسية أهداف سويف في صحيفة الغارديان الصادرة في المملكة المتحدة "لم يكن هذا عنفاً طائفياً، بل إن الجيش قتل 25 مواطناً".

وكانت الاشتباكات قد اندلعت مساء 9 أكتوبر أثناء قيام المسيحيين الأقباط، الذين يشكلون نحو 10 بالمائة من سكان مصر البالغ عددهم 85 مليون نسمة، بالاحتجاج على اعتداء مسلمين متطرفين على كنيسة في جنوب مصر في أواخر الشهر الماضي.

ويدل عدد الضحايا، الذي بلغ 26 قتيلاً وأكثر من 500 جريح، على أن هذه كانت أكثر المواجهات دموية بين المواطنين والدولة منذ أن أجبرت الانتفاضة الشعبية الرئيس المصري حسني مبارك على التنحي في شهر فبراير الماضي.

وقد تباينت روايات شهود العيان عن المعركة، ولكن بعض الناس، بما فيهم البابا القبطي الأرثوذكسي شنودة الثالث نفسه، يزعمون أن غرباء اندسوا بين المتظاهرين المسيحيين المسالمين وبدأوا يرشقون الشرطة العسكرية التي كانت تحرس المنطقة بالحجارة وقنابل المولوتوف، مما أثار رد فعل غاضب من قبل الجيش.

وقام المحتجون بإحراق عدة مركبات عسكرية وسيارات خاصة وحافلات نقل عام، ولكنهم يصرون على أن العنف بدأ بعد هجوم قوات الأمن عليهم.

وقد أصدر التلفزيون المصري نداءً يطلب فيه من المواطنين المصريين "حماية الجيش من البلطجية المسيحيين" - وهي خطوة يقول نشطاء أنها كانت تهدف إلى تقسيم الشعب على أساس طائفي.

وفي خطابه الذي أذاعه التلفزيون في 9 أكتوبر، قال عصام شرف، رئيس وزراء الحكومة الانتقالية المؤقتة، أن بعض الناس يحاولون زرع بذور الفتنة في مصر لوأد تحولها المنتظر إلى الديمقراطية، مضيفاً أن "هذه الأحداث عادت بنا إلى الخلف خطوات".

ويرى العديد من الناشطين في هذا الحادث محاولة من جانب القوات الحكومية لزعزعة استقرار البلاد من أجل تبرير استمرار حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والذي يمكن أن يؤدي إلى خنق الثورة ووضع حد سريع لأحلام التحول الديمقراطي في أكبر البلدان العربية من حيث تعداد السكان.

ويسيطر الحكام العسكريون على البلاد خلال هذه الفترة الانتقالية، قبل أول انتخابات برلمانية في مرحلة ما بعد مبارك والتي من المقرر أن تبدأ في شهر نوفمبر القادم والتي تدل العديد من المؤشرات على احتمال تأجيلها، قررت الحكومة يوم 11 أكتوبر تأجيل انتخابات نقابة المحامين - التي كان من المقرر عقدها في نهاية هذا الاسبوع - إلى أجل غير مسمى، مبررة ذلك بأنها لا تستطيع ضمان أن تكون الانتخابات سلمية).

وقالت مها عادل قاسم، وهي مسلمة انضمت إلى المسيحيين الذين تظاهروا خارج المستشفى الذي نقلت إليه جثث الضحايا، لوكالة اسوشيتد برس "إننا نعلم جميعاً أن المجلس العسكري يحاول زرع بذور الفتنة الدينية من أجل البقاء في السلطة وتمديد فترة تطبيق قانون الطوارئ".

وأضاف نبيل عبد الفتاح، وهو محلل سياسي بارز في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن "هذه حجة قوية في الواقع"، مؤكداً أن "الأوضاع الأمنية في البلاد آخذة في التدهور بطرق غير مفهومة لكثير من الناس، واعتقادي هو أن الجيش سوف يستغل هذه الأوضاع الأمنية المتدهورة للبقاء في السلطة لفترة طويلة".

ولكن وزير الدفاع محمد حسين طنطاوي، القائد الفعلى للبلاد، أكد في مناسبات عديدة أن الجيش ليس مهتماً بالبقاء في السلطة. وفي المقابل، ترى الحكومة أن العنف الذي اندلع هذا الأسبوع كان نتيجة لتحريض أفراد من الحزب الحاكم السابق، الذين هددوا بنشر الفوضى بعد أن تم منعهم من الترشح في الانتخابات لمدة خمس سنوات مقبلة. وفي كلتا الحالتين، فإن هذه الاشتباكات لا تبشر بالخير بالنسبة للثورة.

وهناك نذر شؤم أخرى. ففي خطوة تذكرنا بآلة الدعاية التابعة للنظام القديم، ذكر تلفزيون الدولة في البداية أن المتظاهرين قد قتلوا 19 جندياً خلال هذه الاشتباكات، دون أي ذكر عن وقوع أية إصابات في صفوف المسيحيين، ثم عاد وأعلن فيما بعد أنه لا توجد أية حالة وفاة بين الجنود (على الرغم من هذا لا يزال غير مؤكد).

وبعد بضع ساعات من وقوع الاشتباكات المميتة في القاهرة، ألقى شرف باللوم كله على "أياد خفية" - في لغة تذكرنا بأيام الثورة.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي اتهمت فيها الحكومة بالتلاعب بورقة التوترات الطائفية لخدمة مصالحها الخاصة، فمن بين كنز من الوثائق الحكومية التي كشف عنها النشطاء الذين اقتحموا مكاتب مباحث أمن الدولة في وقت سابق من هذا العام، كان هناك دليل على أن وزارة الداخلية خططت لتفجير كنيسة في الإسكندرية في ديسمبر 2010، مما أدى إلى مقتل 21 شخصاً (وكانت الوزارة قد اتهمت وقتها مفجراً انتحارياً بتنفيذ الهجوم، أما اليوم، فهي تقول أن الوثيقة كانت مزيفة).

وهذا لا يعني أنه لا يوجد توتر طائفي في مصر، فقد استندت مواجهات يوم الأحد إلى الهجمات التي شنها مواطنون مسلمون ضد كنيسة مسيحية لا تزال قيد الإنشاء في مدينة إدفو في جنوب مصر في أواخر الشهر الماضي.

ويقول المسيحيون في مصر أن جذور معاناتهم طوال عقود تكمن في عدم قدرتهم على بناء عدد كاف من الكنائس الجديدة لاستيعاب الزيادة السكانية المسيحية.

وفي هذا السياق، أفادت كريمة الحفناوي، وهي إحدى الناشطات السياسيات الرائدات، بأن فشل الحكومات المصرية المتعاقبة في معالجة مشاكل المسيحيين في البلاد قد أدى إلى رد فعل رئيس الوزراء الضعيف على أحداث 9 أكتوبر. ولم تقم الحكومة الجديدة حتى الآن بإصدار أي قانون يسمح للمسيحيين ببناء أو إعادة بناء كنائسهم.

ما يخشاه المصريون الآن هو أن التاريخ الطويل من المواجهات الطائفية قد يزداد سوءاً. ففي اجتماع طارئ للقوى السياسية في البلاد، عبر الكثيرون عن مخاوفهم من أن مصر تتجه نحو حرب أهلية بسرعة كبيرة بسبب تصاعد العنف بين المسلمين والمسيحيين.

وهو ما علق عليه فؤاد عبد المنعم رياض، وهو دبلوماسي سابق وخبير في مجال حقوق الإنسان، بقوله: "إذا لم ننتبه جيداً، فقد نفقد بلدنا بأكملها".

وبينما كانت الاشتباكات مندلعة في القاهرة، هاجم بعض المسلمين ممتلكات للمسيحيين في أجزاء أخرى من البلاد، بما في ذلك المستشفى القبطي، حيث كان المتظاهرون الجرحى يتلقون العلاج، ودعا المسيحيون إلى الانتقام.

وفي مناطق أخرى، تظاهر المسلمون في الشوارع ملوحين بالقرآن وداعين إلى إنشاء دولة إسلامية في مصر، مما يثير المخاوف بشأن مستقبل التعايش بين الأغلبية المسلمة والأقلية المسيحية.

وكان أكثر من 100 ألف مسيحي قد غادروا مصر بالفعل منذ سقوط مبارك خوفاً من التنامي السريع لنفوذ الإسلام السياسي، وفقاً لدراسة حديثة أجراها الاتحاد المصري لحقوق الإنسان، وهي منظمة غير حكومية محلية مسيحية. وقد أشارت الدراسة إلى إن المغادرين سافروا إلى الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وأوروبا، بحثاً عن مزيد من الحريات الدينية وفرص العمل.(إيرين)

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر