الراصد القديم

2011/10/11

فتنة ماسبيرو.. من الجاني؟


اختلط الحابل بالنابل، وارتفعت أصوات عويل البكاء، ووقعت الصلبان على الأرض، وتحولت منطقة "ماسبيرو" بوسط القاهرة إلى ساحة حرب أهلية، وتراشق بالخرطوش، والحجارة، ما بين المتظاهرين الأقباط وقوات الجيش والشرطة، واندس دعاة التخريب وسط المتظاهرين، وأشعلوا نيران الفتنة بين الجيش والأقباط؛ لتتأجج وتلتهم الأخضر واليابس. ورغم تعليمات مسئولي القوات المسلحة للجنود بضرورة ضبط النفس، الا أن عدد القتلى وصل إلى 24 شهيدا و272 مصابا، وهو الأمر المرعب يؤكد أن هناك أياد خارجية تضرب استقرار مصر في هذا التوقيت بالذات؛ ونحن على مشارف حياة ديمقراطية جديدة، وأن هذه الأيادي فشلت في اشعال نار "الفتنة الطائفية" بين المسلمين والاقباط في "مصر ما بعد الثورة" أثناء احداث كنيسة "صول" ثم "امبابة"؛ فحاولوا مرة أخرى، ولكن بشكل مختلف تماما.. وهو إشعالها بين حماة الثورة "رجال القوات المسلحة "، وبين "الأقباط" على أمل ان تمتد هذه النيران إلى العديد من المحافظات.

(1)

مخطط القوى الخارجية دائما يحظي بالفشل في مصر، فهي على مر الحقب التاريخية نسيج واحد من الوطنية والتكتل؛ وقد أكد د. عصام شرف رئيس مجلس الوزراء، على أن الأحداث المؤسفة التي شهدتها منطقة "ماسبيرو"، خطة مدبرة لإسقاط الدولة وتفتيتها. وأنه لا يمكن لأي عاقل ومخلص لهذا البلد أن يتصور أن الاستمرار في هذا العبث سيعود عليه أو على الوطن بالنفع، قائلاً: "هذه اليد العابثة لا بد أن تقطع. وهذا الكلام ابرز دليل على وجود مخطط يستهدف استقرار البلاد. وأن جموع المصريين مسلمين وأقباط يدينون بشدة أحداث ماسبيرو الدامية التي أُهدرت فيها دماء المصريين الغالية ما بين مصاب وقتيل؛ وانهم ما كانوا ليرضوا أن تُهدر دماء المتظاهرين المسالمين أو دماء أبناء قواتنا المسلحة الطاهرة جراء تلك الفتنة ولا يساورهم أي شك في أن ما حدث ما هو إلا تدبير لأيادٍ خفية خارجية تريد الفتك بثورة يناير العظيمة وإشعال فتنه تؤدي إلى حرب أهلية.. وفي الوقت نفسه يدين الجميع بشدة الإفراط في استخدام القوة ضد المتظاهرين، ولا يجدوا سببا رئيسيا في تباطؤ حكومة شرف في حل مثل هذه الازمات التي تهدد أمن واستقرار مصر، ونرفض جميعا محاولات اخفاء الحقائق او قلبها وترويج الشائعات المثيرة للفتن؛ لأن مصر اكبر من هذه الفتن؛ لاننا جميعا ندفع الثمن".

وبعد اهدار الدماء كانت البداية في البورصة التي خسرت نحو 10.2 مليار جنيه من رأسمالها السوقي في بداية خلال جلسة يوم الاثنين – التالي للأحداث - ليصل إلى 302.6 مليار جنيه، واستهلت تعاملات اليوم ذاته على انهيار جماعي للمؤشرات وتراجع جماعي للأسهم القيادية، ناهيك عن التصريحات الأميركية المسيئة لمصر على لسان وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون التي عرضت استعداد بلادها لإرسال جنود لحماية الكنائس والأقلية من الاقباط - على حد زعمها - وهو الأمر المرفوض شكلا وموضوعا؛ لأن مصر ومجلسها الأعلى للقوات المسلحة، وابناءها المخلصين قادرون على حماية انفسهم، وليرفعوا هم ايديهم عنا.

لابد من ايجاد حلول جذرية لهذه الازمة المتجددة. والتعامل مع الملف القبطي بحرص وعناية دون تمييز، ودون إخلال بمبدأ المواطنة، والذي هو حق لكل مواطن؛ فلا أحد ينكر تصاعد الشعور بالغبن الطائفي لدى فئات واسعة من المواطنين الأقباط، دون التمييز بين ما هو فعلي وما هو غير واقعي ومبالغ فيه ضمن الطروحات المختلفة حول وضع المصريين الاقباط، ونعتقد أن التعامل مع هذا الملف الحساس من المفترض له أن ينطلق من منطق إعمال مبدأ المواطنة المتساوية وأن الديمقراطية هي الإطار الملائم لمثل هذه الامور، وسنصل في النهاية إلى نتيجة مفادها أنّ هنالك ملفاً قبطياً في مصر يجب أن يعالج. وأنه ملفّ حقيقي وليس نتاج تآمر أجنبي أو تحريض إسلامي، ولا هو محض نتاج انعزالية تتبعها المؤسّسة الكنسية، وأن معالجته هي شرط لمواجهة كل العوامل الأخرى التي تستغلّه فتزيده حدّةً. وهذا يعني أيضا أن أيّ نظام ديمقراطي مقبل لا يمكنه الاكتفاء بالتّشديد على "تآخي الطوائف"، وسيكون عليه أن يعالج قضايا عينيّة.

(2)

لا يمكن وضع كل القضايا المزمنة على طاولة الثورة ونظامها الجديد المستقبلي دفعة واحدة، وبنظرة سريعة للأحداث سنجد أن السبب الرئيسي في تأجيج الأوضاع في هذه الفترة، هو عدم إصدار قانون العبادة الموحد، والذي هو من المفروض أنه سيقضي على مختلف المشكلات الخاصة ببناء وترميم الكنائس التي تشتعل النيران من آن لآخر بسببها؛ لذلك من الضروري أن يعترف الجميع – قيادة وشعبا -أولا بوجود هذا الملف، وهو مركب من قضايا ذات علاقة بهوية الدولة، والتعامل مع الأقباط كأقلية يمارس معها التسامح. وهنا مكمن الخطر؛ فالأقباط ليسوا في حاجة إلى تسامح، وهم لا يمثّلون رأيا مختلفا يمكن التعامل معه بمقاربة تعدّدية تسامحية. إنهم مواطنون أصيلون لا يحتملون من حيث وعيهم بذاتهم أيّ نوع من التمييز. ومن هنا فإنّ المفتاح للتعامل مع هذا الملفّ الشائك هو المواطنة المتساوية.

الأزمة لم تكن جديدة على الأقباط الذي يشكون على الدوام من تضييق الحكومة على بناء الكنائس وترميمها، حيث يسري إجراءٌ أسسه قانونٌ عثماني سنة 1856، ينصّ على أنّ غير المسلمين يحتاجون إلى إذن من رئيس الدولة حصلوا على تسهيلات قانونيّة في عهد مبارك، فقد أصدر رئيس الجمهورية قانوناً جديداً في عام 1999 ينص على أنّ ترميم دُور العبادة كلها، سواء كانت مساجد أو كنائس، هو من اختصاص الإدارة الهندسية في المراكز والمدن.

(3)

مصر تمر هذه الايام بمنعطف خطير، وقد نجحت الثورة في كسر قيود الفساد، والمفترض أنه لا رجعة في هذا الموضوع، وأن الشعب بجميع طوائفه يطلب الحرية ويطلب إلغاء قانون الطوارئ فورا، وليتأكد الجميع - سواء في حكومة د. شرف أو في المجلس العسكري والذين يظنون ان قانون الطوارئ سيحمي الأمن والأمان داخل البلاد - أنهم خاطئون، وان هذا القانون فشل في حماية الامن القومي المصري؛ ولا مناص عن الغاء هذا القانون سيئ السمعة؛و اعادة هيكلة جهاز الامن؛ بفكر ورؤية جديدة ليتولى مسئولياته ومهامه من جديد؛ حتى تعود القوات المسلحة إلى ثكناتها، وليعود الأمن والامان إلى الشارع، وعليه فلابد على الجميع التكاتف من أجل أن يستعيد رجل الشرطة هيبته المفقودة، وهناك دور على مختلف المؤسسات الدينية لهذا الأمر، ومن الضروري أن يسعي الخطاب الديني لتهدئة الأوضاع؛ لأن الوطن ليس في حاجة إلى حروب داخلية ومشكلات جديدة في غني عنها.

وعلى جانب آخر، لابد من التحقيق الفوري في هذه القضية، ومعاقبة المتورطين في اشعال الفتنة في أسرع وقت، والبحث عن الأيدي الخفية التي حاولت اشعال نار الفتنة والغضب، خاصة أن مثل هؤلاء معادون للثورة، وليسوا ببعيدين عن التورط في كل الاحداث التي تحدث.

ويتّضح جليًّا بعد كل هذه الأحداث المتتالية، وجود ملفّ قبطي مفتوح في مصر، يحتاج إلى معالجة. وأيّ معالجة جدية للموضوع تبدأ بوجود النيّة لذلك، إذ لا يكفي الادّعاء. وهذه النية لم تتوفّر لدى النظام السياسي السابق، وربما توفّر لديه عكسها تماما.. ومعالجة القضية الطائفية، لابد أن تكون بتخفيف تأثير فهم معيّن للدّين في الدولة، والذي قد يحوّل الديمقراطية إلى إطار لتفاقم القضية بسبب القدرة غير المتاحة سابقا للتّعبير عنها.

د. خالد محمد غازي

رئيس تحرير وكالة الصحافة العربية بالقاهرة

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر