الراصد القديم

2011/10/09

تركيا و"إسرائيل": حدود الحرب الباردة ..

د. وحيد عبد المجيد

لم يكن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط وحده الذي حذّر من نشوب حرب مسلحة بين تركيا وإسرائيل في تقريره الصادر مؤخراً. فمنذ أن قررت أنقرة خفض علاقاتها الديبلوماسية وتجميد الاتفاقات العسكرية مع تل أبيب، حفلت مقالات وتقارير إعلامية، فضلاً عن تصريحات بعض السياسيين الإسرائيليين، بإشارات صريحة أو ضمنية إلى أن تدهور العلاقات بين البلدين قد ينذر بصدام ما.



غير أن المعهد الأميركي المعروف بانحيازه لإسرائيل، ركَّز على الإجراء الثالث فيما تعتبره تركيا "الخطة ب" التي تعتبر المرحلة الثانية في ردها على قتل تسعة من مواطنيها في الهجوم الذي شنته قوة كوماندوز إسرائيلية على السفينة "مرمرة" في عرض البحر المتوسط ضمن "أسطول الحرية" الذي كان متجهاً إلى قطاع غزة في مهمة إنسانية يوم 31 مايو 2010.



شملت "الخطة ب" ثلاثة إجراءات أعلنتها تركيا بعد فشل "الخطة أ" التي قامت على مطالبة إسرائيل بالاعتذار عن قتل الأتراك وتعويض عائلاتهم ورفع الحصار الذي تفرضه على قطاع غزة. وكان الإجراء الثالث في "الخطة ب" هو تحريك بوارج عسكرية لحماية السفن التركية في البحر المتوسط. واعتبر تقرير المعهد هذا الإجراء تخويفاً لإسرائيل يمكن أن تترتب عليه تداعيات خطيرة قد لا يرغب الطرفان في حدوثها، بينما صارت الخصومة بينهما واضحة وآخذة في الازدياد.



كما باتت علاقاتهما الرسمية في أدنى مستوى في تاريخها بعد أن هبط التمثيل الديبلوماسي إلى درجة السكرتير الثاني. لذلك حذّر تقرير المعهد من إصرار تركيا على إرسال معونات إلى غزة عبر البحر المتوسط في ظل قرارها حماية سفنها المدنية بواسطة بوارجها الحربية، حتى لا تغامر بنشوب صدام مسلح. وقال: "ماذا لو قرر الإسرائيليون إيقاف سفن تركية متجهة إلى قطاع غزة مثلما أوقفوا سفينة مرمرة وغيرها من سفن أسطول الحرية في العام الماضي، ولكن في وجود بوارج حربية مرافقة لهذه السفن؟ وهل ستقوم هذه البوارج بالرد؟ وما الذي يحدث في هذه الحالة؟". وأضاف التقرير أن هذا السيناريو يبدو مروعاً، لكنه غير مستبعد إذا عجزت الدولتان عن وضع حد للتصعيد. وعندئذ قد تجدان أنهما صارتا في قلب صراع ينذر بصدام مسلح.



ولم يغفل التقرير قضية التنقيب عن الغاز في شرق البحر المتوسط، إذ تعترض تركيا على رغبة إسرائيل في أن تفعل ذلك بالتعاون مع قبرص "اليونانية" في منطقة تعتبرها الأخيرة تابعة لها، بينما تسعى أنقرة إلى ضمان ما تعتبره حقوق قبرص "التركية".



وهكذا أثار قرار تركيا تحريك بوارجها لحماية سفنها المدنية في مياه المتوسط الدولية حديث الحرب الساخنة مع إسرائيل فيما بلغت الحرب الباردة بين البلدين ذروة غير مسبوقة ولا كانت متوقعة. واهتمت أوساط إستراتيجية إسرائيلية بما اعتبرته دلالة خطيرة لقيام تركيا بتغيير نظام التعريف الخاص بالطائرات المقاتلة طراز "إف -16". فالنظام المزودة به هذه الطائرات، والتي حصلت عليها تركيا من الولايات المتحدة، يصَّنف الطائرات الإسرائيلية باعتبارها طائرات صديقة وبالتالي يمنعها من مهاجمتها. لكن تركيا غيَّرت هذا النظام واستبدلت به نظاماً تعريفياً جديداً يسمح للطائرات المذكورة بمهاجمة طائرات إسرائيلية عند الحاجة.



غير أن موقف تركيا المتعلق بتسيير بوارجها لحماية سفنها يظل محض عمل دفاعي لا يمكن أن يهدد بنشوب حرب إلا إذا اعتدت إسرائيل على هذه السفن. لذلك لا يخشى خطر مثل هذه الحرب إلا من يعرف المدى الذي بلغته الإستراتيجية الإسرائيلية في استهانتها بالقوانين والأعراف الدولية في آن معاً. فثمة اتجاه قوي في الأوساط الإستراتيجية الإسرائيلية يتعامل مع البحر المتوسط الآن وكأنه بحيرة إسرائيلية بما يعنيه ذلك من الاستيلاء على المياه الدولية التي هي حق مشترك لدول العالم كله وليس للدول المطلة عليها فقط.



ومع ذلك، لا يبدو الآن وفي الأفق المنظور أن النزاع التركي الإسرائيلي يمكن أن ينفجر عسكرياً. فالتصعيد التركي محسوب وليس أهوج. والسلوك الإسرائيلي الرسمي يسعى إلى احتواء الأزمة بعد أن استوعب المفاجأة. فلم تتوقع إسرائيل، وخصوصاً في ظل حكومة يمينية متشددة ومتغطرسة مثل حكومة نتنياهو، أن تفرض تركيا عليها عقوبات دبلوماسية وسياسية وعسكرية على هذا المستوى. فقد اعتادت إسرائيل ألاَّ تُحاسب على انتهاكاتها وتجاوزاتها وأن تضع نفسها فوق القانون، الأمر الذي أفقدها الشعور بالمسؤولية السياسية التي ينبغي أن تتحلى بها أية دولة في علاقاتها مع الآخرين.



لذلك كان التصعيد التركي مفاجأة استوعبتها وشرعت في السعي إلى احتوائها عبر إعلان التزامها ضبط النفس وعدم صب الزيت على النار والسعي إلى تهدئة الموقف وخفض مستوى التوتر في العلاقات مع أنقرة. وكان هذا واضحاً منذ أن أعرب نتنياهو في 12 سبتمبر الماضي، عن رغبته في تهدئة التوتر مع تركيا واعتزامه تجنب أي تصعيد جديد. وكان هذا مضمون تصريح رسمي إسرائيلي أُعلن عقب اجتماع نتنياهو وثمانية من كبار وزراء حكومته يوم 15 من الشهر نفسه. ويميل اتجاه قوي في إسرائيل إلى هذه السياسة وينصح بالسعي إلى ترميم العلاقات مع تركيا، ليس فقط تجنباً لعزلة محتملة في المنطقة، خصوصاً في ظل تداعيات "الربيع العربي"، ولكن أيضاً لحاجة تل أبيب إلى التعاون مع أنقرة لمواجهة بعض هذه التداعيات وخصوصاً في سوريا.



ورغم أن ترميم العلاقات يبدو مستبعداً في المدى القصير على الأقل، فليس متوقعاً حدوث مزيد من التصعيد إلى الحد الذي ينذر بنشوب صدام مسلح. لذلك فالأرجح أن تستمر الحرب الباردة التي بدأت ملامحها الأولى عبر الرد التركي على الاعتداء الإسرائيلي على قطاع غزة في نهاية 2008، واستمرت بعد ذلك إلى أن دخلت مرحلة أكثر حدة في الآونة الأخيرة.



وربما تسعى تركيا، عبر استمرار هذه الحرب، إلى اختبار إمكان تحقيق هدف لم تفصح عنه أبداً حتى الآن وهو أن تنتزع من إسرائيل مكانة الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وقد يصل طموحها إلى حد وضع واشنطن في موقف الاختيار بين حليفين.



ولعل هذا يفسر لماذا تزامن تصعيد تركيا حربها الباردة ضد إسرائيل مع قرار ظل مؤجلاً لأشهر طويلة وهو وضع رادارات نظام الدفاع الصاروخي التي طالبتها بها واشنطن.



وإذا صح أن لهذا التزامن دلالة إستراتيجية، فالأرجح أن تركيا لن تكون مستعدة للتهدئة مع إسرائيل في المدى القصير على الأقل، إلى أن تختبر مدى استعداد واشنطن اعتمادها حليفاً أولاً في الشرق الأوسط.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر