الراصد القديم

2011/10/23

هل من دور خاص للوجود المسيحي في الربيع العربي؟


الوجود المسيحي هو أولا شهادة لقيم كونية. لما يخرج المسيحي إلى الفضاء العام، يتكلم في وسط الجماعة ويخاطب العالم. ليس له دور فئوي خاص، فهو مواطن حر له الحق المطلق كفرد أن يناصر هذه الحركة السياسية أو تلك. في زمن المحنة، منبر الخطاب المسيحي هو صليب الضحية البريئة وليس عرش الملوك.
الأخلاقيات المسيحية تنبذ الفئوية وترتكز، في الحياة العامة على بعض الثوابت التي لا تتزعزع لأنها وجودية ويمكن تلخيصها ببعض القيم: كرامة – حقوق – حرية – عدالة – سلام.
أما من حيث الدور فإنني ألخصها بكلمة واحدة "المواطنة".
كرامة الفرد البشري التي ليست صفة مضافة له لأنها من صلب كيانه، وقد وصفها آباء الكنيسة بأنها الاسم الآخر لمجد الله على الأرض وهذا منذ نشأة المسيحية.
الحقوق الأساسية لكل إنسان وهي أصيلة في طبيعته البشرية ونهائية شخصه الفردي وليست مكتسبة من دور ما في المجتمع.
الإقرار بهذه الكرامة الكينية وبتلك الحقوق الأساسية "يشكل أساس الحرية والعدل والسلام"
الجماعة المسيحية أو الكنيسة هي مجموعة هؤلاء الأحرار الذين يشهدون لهذه القيم. في إطار أوطانهم حيث يلعبون دوراً فعالاً ضمن مجتمع المدينة أو Political Community.
من هنا
- أنت تتمتع بكونك كائن بشري بكرامة وحقوق أساسية
- ولكن في وسط الجماعة أنت مواطن والمواطنة هي التي تؤنسنك تدريجياً. تولد بشراً فتصبح إنساناً.
- عليك أن تفصل بين حقوقك كإنسان ودورك كملتزم بعقيدة ما.
- نحن أمام ولادة نظام جديد في العالم العربي لم تتبلور معالمه بعد. أنت لا تستطيع أن تطلب ضمانات مسبقة لجماعتك الفئوية تشارك في هذا الربيع. أنت لم تخرج من ذمة السلطان أو الوالي كي تسخر نفسك في ذمة طاغية أو فئة أو نظام. أنت لست في ذمة أحد حتى في ذمة دولة مدنية.
- الربيع العربي هو انتفاضة على أنظمة فئوية قطّعت مفاصل الحياة العامة واستباحت المواطنة لصالحها وانتهكت إنسانية البشر فحولتهم إلى دواجن.
لمّا ترى كيف يستشهد المواطن بإسم كرامته وحريته ومواطنته، كيف لك أن تخاف وتبحث عن حماية القوي؟ إذا أنت تجاهلت الضحية وناصرت الديكتاتور, إذاً أنت صلبت المسيح مجدداً. وهذا تقزيم معيب للمسيحية وإذلال مهين لقيمة الإنسان الوجودية التي أدخلتها المسيحية إلى الحضارة العالمية.
أنا شخصياً لست خائفاً ولست مبالياً بمحاولات التخويف. كل جماعة مسيحية في هذا المشرق لها خصوصياتها وإشكالياتها. أما في لبنان فأتمنى أن يثمر هذا الربيع بثورة على الذات في الذهنية المسيحية تُحرّر المواطن من رواسب عقلية أهل الذمة والعصبيات الفئوية وذالك في إطار الطائف. وإذا من أمنية يمكنني أن أعبر عنها:
1 – أن نلتزم بالعمل كي نلغي في الحياة العامة هاجس الهويات الفئوية التي ورثناها عن تنظيم الدولة العثمانية. الطائف لا يقول للأسف بالعلمنة ولكن بالإنصاف بين فئتين محمدية و نصرانية. لماذا لا نكتفي أن نكون فئة مدنية مسيحية واحدة ونتحرر من شرذمة العصبيات المذهبية؟
2 – أن نطلق ورشة عمل مع كل الشركاء في الوطن كي نرسم تصور أو روئية مستقبلية لوطننا لبنان في هذا المشرق العربي مهد الحضارة.
الإنسان الحر يفتخر بمواطنة أساسها القانون وليس الهوية الجماعية.


أنطوان قربان

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر