الراصد القديم

2011/10/21

مختصرغيرمفيد


د. رفيق حاج


"الطريق المختزلة" (او ما يسمى بالانجليزية the shortcut) هي طريق الكسالى والمحتالين والضعفاء وهي قادرة ان تودي بمرتاديها الى السجن او الى خراب البيوت او الى الفضيحة, ولذا فهي لا تستوفي معايير الجدوى الاقتصادية والاجتماعية. ان من يبحث عن طرق مختصرة ويختار الالتفاف على الصعاب بدل تذليلها لن يصل الى هدفه المنشود وسيتورط في مشاكل في منتهى الخطورة.!

هل حدَثَ ان صادفتَ طابوراً من السياراتِ أمامك, وبحثتَ عن طريقٍ ترابيةٍ جانبيةٍ لتقصير الطريق الى هدفك؟ وهل وصلتَ بعدها الى طريقٍ مسدودٍ واضطررتَ الرجوع الى نقطة الانطلاق؟ او هل عَلِقت عجلات سيارتك بالوحل فلعنتَ الساعة التي خوّلت لك نفسك اتخاذِ هذا المسلك؟ او هل انكسر إثرها عادِمُ(*) السيارة او انفزَرَ مِشعاعُها(**) بعدما ارتطمت بالحفر والنتوءات فاضطررتَ ان تدفع مبالغ طائلة لصاحب المرآب؟ هذا ما سنحاول سكبَ الضوء عليه في هذه العجالة لنؤكّد ان لا بديل للعمل الشاقّ والدؤوب لبلوغ الهدف المُرتجى, وان من يبحث عن طرق مختصرة ويختار الالتفاف على الصعاب بدل تذليلها ومجابهتها لن يصل الى هدفه المنشود وسيتورط في مشاكل في منتهى الخطورة.

لا شك ان "تقديسِنا" للمادة وسعينا للحصول على المال السهل يجعلنا نلهثُ ورا ءه للحاق به وكأننا في سباق مع الزمن. نريد ان نصلَ الى الهدف قبل الآخرين وان يضعونا في مرتبة السّباقين والاوائل وعلية القوم دون ان نكدّ ونعرق وتسيل دماؤنا ونثبتُ ونبرهن ونبارز وننافس. ما بالِكُم بفتاةٍ تتزوج من مُسنٍّ ثريٍّ لينقذها من ورطتها المالية وأخرى تنحدر للعمل كوليفة مرافقة لتموّل احتياجاتها وتسدُّ ديونها للبنك؟ وبـ "طلاب عِلم" خارج البلاد يدفعون الرشوى للمُمتحِنين للحصول على الشهادة الجامعية؟ وآخر ين يغشون في الامتحانات للحصول على تقديرات عالية؟ ما بالِكُم بشخصٍ يُرفقُ مستندات مزورة وتوصيات وهمية ليقصّر مسارقبوله الى مكان العمل؟

طبعا واضح ان من يسلك الطريق المختصرة او الالتفافية يحاول التملص من القيام بجهد كبير للحصول على مُراده وذلك لعدة اسباب :اولها انعدام الموارد والمهارات والقدرات الذاتية المطلوبة لذلك, وثانيها هي رغبته الجامحة بالفوز على منافسيه او ترك الانطباع الجيد على المحيطين به بكل ثمن, وثالثها هو حالة الياس التي آل اليها صاحبنا بعد فشله للمرة المائة.

في مجتمعات تتواجد بها فروقات اقتصادية كبيرة بين شرائح المجتمع وهوات شاسعة بين الطبقات الغنية والفقيرة تنشط ظاهرة "اختزال الطريق". ان لهفة الطبقة الدنيا لتحسين احوالها ومحاولتها نيل المساواة والعيش الكريم أسوةً بالطبقة الوسطى او العليا قد يدفعها الى استعمال الطرق "المختزلة" و "الالتفاقية" و "الملتوية" للوصول الى ذلك. ان عدم حيازتها للمصادر والمهارات يُدخلها في حالة يأس احيانا ويمهّد تبنيها للطرق المختزلة ومن ثم الى انزلاقها. تتفاقم ايضاً ظاهرة الاختزالات في بُلدان تتفشى فيها البيروقراطية والتي بموجبها تُلزم الجهات الرسمية كالمكاتب الحكومية, والبنوك, والتأمين القومي وغيرها المواطنين بتقديم اطنانا من المستندات لتسيير معاملاتهم مما يُفقد الناس اعصابما ويجعلهم يبحثون عن "اختزالات".

هنالك الكثير ممن يُدمنون على شراء تذاكر اليانصيب ويتهافتون على الرهان على الالعاب الرياضية وسباق الخيول بمبالغ خيالية على حساب قوت اولادهم آملين ان تُسنح لهم فرصة الفوز بالجائزة المالية الكبرى. كل ما هو مطلوب منهم هو جهد بسيط وهو تعبئة النموذج والتكهن بالارقام الرابحة او بتنبؤ هوية الفريق الفائز في المباراة ومن ثم انتظار الحظ ليقرع بابهم.

لقد تربينا في صغرنا على اسطورة "علي بابا والاربعين حرامي" وعبارة "افتح يا سمسم" حيث تفتح الدنيا ابوابها امامنا بكنوزها ومرجانها وياقوتها, وترعرعنا على اسطورة "المارد" الذي يظهر أمامنا بعد فرك مصباح "علاء الدين", وكل ما هو مطلوب منا هو ان نطلب ونتمنى ما نريد فيستجيب لمطلبنا, لكن يجب ان نضع الاساطير على "رف الاساطير" وان نحاول الوصول الى ما نهفو اليه عن طريق النضال والمثابرة والعمل الجاد.

يتذرّع مرتادو الطرق المختصرة بحجة أن "اختزال الطريق" هو البديل الوحيد الذي وقف امامهم ساعتها ليخرجوا من محنتهم ولفكّ كَربهم ولإنقاذهم من الفضيحة الكبرى, لكنك لو تابعت مسيرة حياتهم تجدها زاخرة "بالاختزالات" وقد باتوا مُدمنين على هذا النمط الأعوج, وما الادعاء بأنهم امام خيار وحيد الا ذريعة ليتملصوا من الجهد والعناء وليكسبوا تضامنك معهم. البدائل موجودة دائما وما علينا إلا تقصّيها, وإن أحوج الأمر فعلينا خلقها.

تخيلوا ان اغلبية الناس في المجتمع تقوم بالاستغناء عن العمل المهنيِّ والجادِّ والدؤوبِ لصالح "الطرق المختصرة" بغرض الحصول على ارباح سريعة او القاب اكاديمية او وظائف مرموقه. ساعتها سيتدهور الاقتصاد كليا ويعم الفساد الخلقي وتنهار المباني على ساكنيها ويحل الخراب والدمار في كل ركن, وتمتلئ السهول والوديان بالسيارات العالقة بعد ان حاول اصحابها اختزال الطريق.

اضف الى ذلك ان الاسراع القسري الذي تُمليه "الطرق المُختزله" يُققد "الطبخة" طعمها ونكهتها الاصليه لأن مركباتها يجب ان تنضج في أوانها, وإلا فسنحصل على وجبة مغايرة لِما اردنا. الاسراع القسري يمس ايضا بجودة المنتوجات واصالتها وجماليتها واستيفائها لمعايير المتانة والامان هذا يضر باقتصاد البلد.

"الطريق المختزلة" هي طريق الكسالى والاتكاليين والمحتالين والضعفاء وهي تؤدي حتما الى السجن او الى خراب البيوت او الى الفضيحة وفقدان السمعة الطيبة, وكلها لا تستوفي معايير الجدوى الاقتصادية او الاجتماعية, فلماذا نرتادها؟

* العادم هوالاكزوست

** المشعاع هوالرادياتور

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر