الراصد القديم

2011/10/21

نهاية عصر تهميش المرأة..جدل المرأة والإسلام

نبيل الحيدري


لازال الجدل يحتدم حول المرأة وصلاحيتها وولايتها ومكانتها فى الإسلام. فقد يتوهم بعض الإسلاميين أن المرأة عورة وينبغى أن تحبس فى الدار ويتم ضربها وإجبارها على ذلك فهى ناقصة العقل والإيمان وخير لها وللمجتمع كله أن لاترى رجلا ولا يراها رجل بناءا على بعض الموروث فى التراث من أحاديث ضعيفة وروايات منسوبة.
والتدقيق والتحقيق يرى أن تلك الأحاديث ضعيفة جدا من ناحيتين الأولى سندها الضعيف من حيث رواته والكتب الناقلة له كذلك ضعف دلالاتها لتعارضها مع القرآن الكريم والسنة والعقل فضلا عن سياق بعضها وظروفها آنذاك وهو ما يحتاج بحثه لبطلان ادعاء الإسلاميين فى تهميش المرأة وغبن حقوقها.
فالملاحظ وجود سورة كاملة فى القرآن الكريم باسم (سورة النساء) تتحدث عن المرأة وبعض حقوقها وموقعها وأهميتها الكبيرة ولاتوجد سورة للرجال، وفيها آيات كثيرة ومنها جعل المرأة نظيرة للرجل مساوية له بقاعدة منطقية عامة رائعة (للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن)، فالعمل الصالح والكسب هو المائز والمعيار وليس الجنس، كما توجب السورة على الزوج وتأمره بضرورة معاملتها دائما بالمعروف (وعاشروهن بالمعروف) وما أبلغها من آية تختصر كل التصرفات بإطلاقها وعمومها، كما تمنع التصرف فى أموالها وإرثها (لايحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن) (وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا، أتأخذونه بهتانا وإثما كبيرا)، وغير ذلك من آيات سورة النساء فضلا عن غيرها كثير فى مختلف السور الأخرى.
وقبل النبى دخول المرأة فى بيعة الرضوان وفيهن النساء ما يعنى اليوم مشاركتهن السياسية فى الإنتخابات ورضى الله بإمضاء البيعة وقبوله رضا منه تعالى. ومن النادر فى تاريخ الفقهاء القدماء أن لانجد من أساتذتهم نساء تلمذوا على أيديهن بل كانت تمثل مصدرا مهما للأحاديث والدروس والتراث بكل ما يحمله التراث
وقد مدح القرآن نساء عديدات جعل منهن رموزا وأمثلة رائعات مثل مريم بنت عمران (يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين) وتعبير الإصطفاء من أرقى التعابير القرآنية للتميز والسمو والرفعة، وزوجة فرعون الصامدة أمام زوجها فرعون وجبروته وطغيانه (ضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لى عندك بيتا فى الجنة ونجنى من فرعون وعمله)، وأم موسى (وأوحينا إلى أم موسى أن ارضعيه فإذا خفت عليه فألقيه فى اليم ولاتخافى ولاتحزنى إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) والوحى هو أعلى وسائل الإتصال الربانى
إضافة إلى قصة بلقيس الحاكمة السياسية الحكيمة، فما أن جاءها كتاب سليمان حتى نظرت إليه وتأملته وسمته بكتاب كريم، وطريقتها فى استشارة قومها وأخذ رأيهم دوما قبل اتخاذ أى قرار (قالت يا أيها الملأ أفتونى فى أمرى ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون) وهى سياسة حكيمة، فإنها تستطيع أن تكون دبلوماسية فى الجواب عن الأسئلة المحرجة (قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدى أم تكون من الذين لايهتدون. فلما جاءت قيل أهكذا عرشك، قالت كأنه هو) فأجابت بين الإثبات والنفى (كأنه هو)، وما أروعه من جواب سياسى حكيم
وقد حظيت نسوة بموقع متميز وعظيم مثل خديجة بنت خويلد التاجرة الكبيرة المعروفة والتى خطبها كبار القوم وتمنى الزواج بها لكنها رفضتهم وقد اشتغل عندها النبى حتى رأت صدقه وأمانته ثم تزوجته، وآمنت به إذ كفر به قومه، وصدقته إذ كذبوه، وساندته مساندة عظيمة وإيثارا شامخا حتى صرفت كل مالها وملكها فنامت على جلد كبش فى حصار قاس دام ثلاث سنوات فى شعاب مكة حتى رحلت فحزن النبى عليها كثيرا، ودعى لها بيتا فى الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب، وسمى ذلك العام بعام الحزن، وظل يذكرها إلى آخر حياته، حتى قالت له بعض أزواجه (مازلت تفتأ تذكر خديجة، وقد أبدلك الله خيرا منها) فقال (لا والله ما أبدلنى خيرا منها فقد واستنى بمالها ونفسها إذ حرمنى الناس). وجاءت امرأة تجادل النبى فأنزل الله سورة كاملة بحقها وأحكاما تشريعية فى استجابة لها وعلاج ما طرحته من مشكلة الظهار المستحكمة آنذاك (قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها وتشتكى إلى الله والله يسمع تحاوركما). كما كان للمرأة موقع رائع فى مختلف المواقع السياسية والإجتماعية والعسكرية فقد اشتركت فى معركة أحد مثلا أمهات المؤمنين كعائشة وأم سلمة، إضافة إلى بنات النبى، كذلك فى قصة المباهلة مع نصارى نجران فى موقع تحد ومواجهة سياسية واجتماعية ولم يكتف عندها بالرجال بل أضاف ضرورة النساء (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل...). كما كان النبى يعجب كثيرا بشعر الخنساء بنت عمرو بن الحارث ويقول لها مرارا (هيه يا خناس) حتى اشتهر قوله (فينا أشعر الناس الخنساء). وكيف لايقول ذلك وقد أقر به جرير، وحكم به النابغة الذبيانى عند المفاضلة بينها وبين الأعشى وحسان بن ثابت فقال (الخنساء تكاد تكون أشعر الجن والإنس)، كيف لا، وهى القائلة
إن الزمان وما يفنى له عجب أبقى لنا ذنبا واستأصل الرأس
إن الجديدين فى طول اختلافهما لايفسدان ولكن يفسد الناس
وقد كان للنساء مواقف سياسية يخلدها التاريخ وقد وقفت نساء يحاججن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب أمام الملأ وفى خطب الجمعة ويبدين آراءهن مخالفة للخليفة حتى استدلت إحداهن بالقرآن فيجيبها (أصابت امرأة وأخطأ الخليفة) وما أروعه من موقف عظيم. وكان من النساء العظيمات ما يخلدهن التاريخ كسويدة الهمدانية من البصرة حيث عزلت واليين إثنين فى مدينتها البصرة، أحدهما أيام خلافة على بن أبى طالب والآخر أيام معاوية بن أبى سفيان، وهى تنظم الأشعار وتشترك فى حرب صفين وغيرها.
وقد وردت أحاديث نبوية كثيرة ومسهبة فى فضل المرأة وأهميتها فى شتى المواقع فقد ورد مثل (المرأة ريحانة وليست بقهرمانة) (الجنة تحت أقدام الأمهات) (خير الأولاد البنات) (البنت رحمة والرحمة يثاب عليها والولد نعمة والنعمة يحاسب عليها) (إستوصوا بالنساء خيرا) (أكثر أهل الجنة النساء)، بل شجع على خروجها حتى للمسجد قائلا (لاتمنعوا إماء الله من مساجد الله)، وتخيير البنت بالزواج إذا رضيت أو أن ترفض ما أراده والدها، وغيرها كثير،
ولازال الإسلاميون يطرحون إرث المرأة وشهادتها نصف شهادة الرجل وعدم جدارتها فى الولاية والقضاء والرئاسات مما يحتاج بحثا لاحقا لمعالجته تفصيليا حيث كفاءة المرأة فى جميع ذلك حتى فى الأمور القيادية وهو ما أثبتته تجارب الشعوب ونساء عظيمات صنعن التاريخ ولعظمة نسوة خالدات قال بعضهم
فلو كان النساء بمثل هذه لفضلت النساء على الرجال
فما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال
هاهى المرأة رائدة فى الثورات العربية وتحرير الشعوب من الحكام وظلمهم وأثبتت كفاءتها وروعتها حتى فازت إحداهن توكل كرمانى بجائزة نوبل للسلام كأول عربية تفوز بها بجدارة وهى فى ساحة التغيير فى اليمن كما فازت قبلها الناشطة الحقوقية العراقية هناء إدور بجائزة مكتب السلام العالمى لوقوفها بوجه دكتاتور العراق وزعيم حزب الدعوة ورئيس المليشيات والسجون السرية ودفاعها عن حقوق المواطن المنهوبة جهارا وبلا ذرة خجل أو حياء
إنتهى عصر تهميش المرأة وجعلها حبيسة الدار، فلابد للمرأة أن تنطلق فى آفاق الحياة والإبداع والتطور وأن تكون فاعلة أساسية مؤثرة مهمة فى عصر يرفض تهميش المرأة وغبن حقوقها والتقليل من كفاءتها

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر