الراصد القديم

2011/10/31

نشوء العلمانية السافرة (الحلقة السادسة)


مصطفى إنشاصي

توالت الأحداث وتعددت الآراء والنظريات والفلسفات اللادينية وخاصة في القرن التاسع عشر، وعلى الرغم من أن نظرية دارون أجهزت على النصرانية الرسمية –الكنيسة- وأفسحت الطريق لإبعاد الدين –الكنيسة- بصفة نهائية من التأثير في حياة الغربيين ومهدت لرفضه رفضاً باتاً حتى في صورته الوجدانية المجردة، إلا أنها لم تعيد أوروبا إلى العلمانية اللادينية الإغريقية-الرومانية. ولكنها بالاشتراك مع نظرية ميكافيللي في السياسة التي عبر عنها في كتابه (الأمير) أصبحت العلمانية اللادينية هي النظام المسيطر في الغرب كله. فقد كان (نيقولا مكيافيللي) الذي أطلق عليه لقب "أول المحدثين"، أول من تبنى دعوة علمانية ذاتية في العصور الوسطى، ودعا بصراحة إلى استبعاد الدين وعزله عن جانب مهم من جوانب الحياة وهو السياسة.

وانطلاقاً من ذلك وجد علم السياسة الحديث بغيته المنشودة في كتابه "الأمير" الذي نشره قرابة عام 1513م، الذي شكل مصدر الإلهام في العصر الحديث بالنسبة للحكام والمفكرين السياسيين على حد سواء. والميكافيللية باعتبارها منهجاً عملياً للحكم تقوم كما رسمها واضعها في "الأمير" على ثلاثة أسس متلازمة مستمدة من تصور لا ديني صرف هي:

1-الاعتقاد بأن الإنسان شرير بطبعه وأن رغبته في الخير مصطنعة يفتعلها لتحقيق غرض نفعي بحت، وما دامت تلك هي طبيعته المتأصلة فلا حرج عليه ولا لوم إذا انساق وراءها.

2-الفصل التام بين السياسة وبين الدين والأخلاق، فقد رسم ميكافيللي للسياسة دائرة خاصة مستقلة بمعاييرها وأحكامها وسلوكها عن دائرة الدين والأخلاق، "وفرق ميكافيللي" تمام التفريق بين دراسة السياسة ودراسة الشؤون الأخلاقية وأكد عدم وجود أي رابط بينهما".

3- إن الغاية تبرر الوسيلة: وهذه هي القاعدة العملية التي وضعها ميكافيللي بديلاً عن القواعد الدينية والأخلاقية. فالمعيار الذي تقاس به صلاحية الوسيلة أو عدمها ليس معياراً موضوعياً بل هو معيار ذاتي شخصي، وللسياسي وحده الحق في الحكم بصحة أي لون من ألوان السلوك أو خطئه وبطلانه.

وقد أصبحت المعادلة الجديدة في العرب تقوم على أساس أن:

الميكافيللية تقول: إن الحق هو القوة!.

والداروينية تقول: إن الوجود هو القوة.

والداروينية نظرية علمية إذن فلتكن الميكافيللية كذلك.

والذي شجع على الإيمان بصحة تلك المعادلة، هو: أن الحياة الأوروبية شهدت في تلك الفترة انهيار نظام اجتماعي وقيام نظام آخر محله. فقد انهار الإقطاع وولدت الرأسمالية. كما أن السياسة – في ذلك القرن – ارتبطت بالاقتصاد ارتباطاً قوياً فازدادت بُعداً عن الدين والمؤثرات الدينية.

وهكذا عادت الأمور في الغرب إلى طبيعتها الوثنية الأولى، وإلى أُصول ديانتها الوثنية البدائية، ولم يعد الغرب ملحداً ولا كافراً بكل فكرة دينية كما يتصور الكثيرين، ولكن الغرب عاد إلى وثنيته التي كان عليها قبل تدخل الباباوات ورجال الدين باسم الحق الإلهي في حياة الإنسان الغربي وتنغيص حياته عليه، وفرض جدار حديدي سميك من الجهل والتخلف والخرافات عليه باسم الدين.

العلمانية مفهومية دينية..؟!

بقي أن نطرح سؤال ونحاول الإجابة عليه:

هل يمكن أن تكون العلمانية والأفكار اللادينية، دين؟!

للإجابة على هذا السؤال لا بد لنا من:

تعريف الدين في المجتمعات الغربية

يقصد بالدين في مدارس العلوم الاجتماعية وتاريخ الأديان في الغرب، أنه: ظاهرة اجتماعية لها جانبان، هما: جانب نفسي "حالة التدين"، وجانب موضوعي خارجي، وهذا يتضمن العادات والشعائر والمباني والمعابد والروايات المأثورة والمعتقدات والمبادئ التي تدين بها أمة أو شعب أو مجتمع ما. والدين في اللغات الأوروبية (religion)، يرجع إلى أصله اللاتيني الذي يتكون من مقطعين (re) الذي يفيد الإعادة والتكرار، و (ligion) الذي أصلهlegere) ) ومعناها الجمع والربط. فالدين في أصله اللاتيني الذي ترجع إليه اللغات الأوروبية يفيد معنى الربط والجمع المتكرر مرة بعد مرة.

وكأن اللغة اللاتينية تشير إلى أن مهمة الدين تكون في تحقيق الربط والجمع بين أتباعه. وهذا المعنى نجده في تعريفات العلماء الغربيين الذين يجنحون إلى التركيز على وظيفة الدين أكثر من التركيز على حقيقة الدين ذاته. لأننا إذا ما استثنينا العقلانيين ومفكرو ما بعد الحداثة، يمكننا إجمال المفهوم الغربي للدين: بأنه "وحدة الربط الميتافيزيقية بين الإنسان والعالم". أما الدور الوظيفي للدين في المجتمعات الغربية؛ فإنه كما يقول كاسيرر: "يؤدي وظيفة نظرية وعملية لأنه يحتوي نظرة كونية وأُخرى إنثروبولوجية، فهو يجيب على السؤال عن أصل العالم وعن أصل المجتمع الإنساني".

لذلك يرى مالك بن نبي أن الدين هو التعبير التاريخي والاجتماعي عن التجارب المتكررة خلال القرون، ويُعد في منطق الطبيعة أساس جميع التغيرات الإنسانية الكبرى، ولأننا لا نستطيع تناول الواقع الإنساني من زاوية المادة فحسب، فإن الفكرة الدينية لا تُعتبر نسقاً من الأفكار الغيبية فقط، ولا تقتصر على الدين السماوي فقط، بل هي قانون يحكم فكر الإنسان، ويوجه بصره نحو أُفق أوسع، ويروض الطاقة الحيوية للإنسان، ويجعلها مخصصة للحضارة. وعلى ذلك فالإصلاح الديني ضرورة باعتباره نقطة في كل تغيير اجتماعي".

كما يرى أن دور الدين الاجتماعي منحصر في أنه "يقوم بتركيب" يهدف إلى "تشكيل قيم"، تمر في الحالة الطبيعية إلى وضع نفسي زمني، ينطبق على مرحلة معينة للحضارة. وبذلك يصبح دور الدين الاجتماعي منحصراً في أنه يقوم بتشكيل قيم المجتمع وحركته عندما يُعبر عن فكرة جماعية". أي بدون الدين لا يمكن أن يكون هناك ناتج حضاري. فالدين إذن هو "مُرَكَب" القيم الاجتماعية، وهو يقوم بهذا الدور في حالته الناشئة، حالة انتشاره وحركته، عندما يعبر عن فكرة جماعية.

لذلك يجد دارسي تاريخ الأديان في الغرب صعوبة في الفصل بين مفهوم الدين ودوره الاجتماعي، فالدين يقوم بدور الربط بين أفراد المجتمع حول فكرة معينة، أو أفكار، أو اتجاهات، أو أي عقيدة أيديولوجية تجمع بين أفراد أمة من الأمم.

وقد اعتبر أرنولد توينبي أن انتصار العلم على الدين انتصاراً ساحقاً يشكل كارثة على العلم والدين معاً، وأن أخطر كارثة يواجهها العالم اليوم هي أن الجماهير - وخصوصاً الغربية- قد استعاضت عن الفراغ الديني بأيديولوجيات لا تفترق عن الأديان البدائية من حيث وثنيتها حيث عبادة الذات وإن تسترت تحت ستار القومية أو الاشتراكية ـ متمثلة في تأليه الدولة أو الحاكم.

لذلك اعتبر يوسف الحوراني: أن الأفكار العلمية المعاصرة هي نوع من معطيات شبه دينية لعقائد جديدة في فهم العالم. معتبراً أن العقائد القومية والاجتماعية والسياسية، التي لا تزال تعيش في عصرنا وتخضع لعلاقات وروابط مثالية أو ميتافيزيقية لا تخرج عن كونها مظهراً جديداً من مظاهر الدين رافق تطور المجتمع من بدئه حتى الآن، والذي لا يخرج عن كونه حساً إنسانياً يتخذ أشكالاً مختلفة تختلف بين زمن وآخر، وبين أمة وأُخرى.

ذلك لم يفت مالك بن نبي وهو يُشرح الحضارة الغربية ويشخص أمراضها ويبرز خصائصها المُمَيِزة لها، حيث أشار إلى الأفكار اللادينية التي سادت الغرب بعد ضعف واضمحلال سيطرة وهيمنة الكنيسة والفكر الديني النصراني، معتبراً إياها "مفهومية دينية" في حقيقتها، حيث يرى "أن الفكرة الدينية لا تقوم بدورها الاجتماعي إلا بقدر ما تكون متمسكة بقيمتها الغيبية ... أي بقدر ما تكون معبرة عن نظرتنا إلى ما بعد الأشياء الأرضية"، وعندما تُفقد هذه القيمة الغيبية، فإنها تترك مكانها، أو تعمل بواسطة بديلاتها اللادينية نفسها، وعلى ذلك فأي مفهومية تطرح نفسها بديلاً عن المفهومية الدينية، هي دين، وهذا ما يحدث في الغرب فالمادية مفهومية دينية في حقيقتها حينما تطرح نفسها بديلاً للدين.

ولمعرفة الدور الفعال للفكرة الدينية في إنشاء الحضارات، علينا أن نتتبعه من خلال تتبع ذلك "الاطراد بين الفرد والفكرة الدينية التي تبعث الحركة والنشاط" ذلك لأن الفكرة الدينية تشترط سلوك الفرد، فتخلق بذلك في قلوب المجتمع بحكم غائية معينة ـ تتجلى هذه (الغائية) في مفهوم (آخرة) وتتحقق تاريخاً في صورة حضارة، وذلك بمنحها إياها الوعي بهدف معين، تصبح معه الحياة ذات دلالة ومعنى، وهي حينما تمكن لهدف من جيل إلى جيل ومن طبقة إلى أُخرى، فإنها حينئذ تكون قد مكنت لبقاء المجتمع ودوامه، وذلك بتثبيتها وضمانها لاستمرار الحضارة.

ذلك هو معنى ومفهوم الدين والدور الذي لعبه في تشكيل المجتمعات الغربية وما زال يلعبه إلى اليوم، وتلك كانت الظروف التاريخية التي نشأت فيها العلمانية في الغرب، فيا ترى هل ما صلح للغرب -إن صلح أصلاً- يصلح لنا، أم أن لكل مجتمع ظروفه التاريخية وخصوصيته العقائدية، وما قد يصلح لمجتمع ما قد لا يصلح لغيره، والبشر ليسوا نسخة واحدة مستنسخة على الطريقة الغربية ولا على طريقة روشتة البنك الدولي وصندوق النقد؟!.

انتهت المحاضرة والحلقات القادمة هي المناقشات والردود على الأسئلة...


0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر