الراصد القديم

2011/10/02

المشكلة والحل في إيران


بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

احمد غزالي*

لا شك أن ما حدث في بعض البلدان كان انتفاضات شعبية سياسية هزت العالم العربي كله. لكن في مراجعة مع النفس علينا أن نقوم بتقييم أولي لهذه الأحداث.
رأيي في هذا المجال هو:
أولا وقبل كل شيء يجب الاعتراف بأن هذه الانتفاضات هي نتيجة تراكم الكبت وقمع الحريات، فلا شك في عراقة وأصالة هذه الحركات الشعبية.
ثانيا سيطرة القمع والاستبداد لم تسمح بظهور وتنامي حركات المعارضة الديمقراطية في هذه الدول.
ثالثا ونتيجة لذلك فإن هذه الحركات تشبه حركات عفوية شعبية، ولا توجد أحزاب أو منظمات سياسية ومدنية لتوجيه وتأطير هذه الثورات.
هنا تدخل السياسات الخارجية، وأقصد بذلك الدول الغربية وأميركا بشكل خاص، لفرض السيطرة على مجريات الأحداث وعدم السماح لها بالاستمرار حتى تتجذر الديمقراطية.
يعني أن أميركا والدول الغربية عامة لا تريد ديمقراطية عميقة لشعوب بلداننا، ولا تريد حل مشاكل هذه البلدان على المدى البعيد والمتوسط، بل تريد البحث عن حل على أمد قريب فقط، وهذا الحل ليس حلا.
على سبيل المثال ما حدث في مصر خير دليل: سقط رئيس الجمهورية، لكن يبدو أن هذا السقوط اقتصر على القمة، أي على شخص مبارك وعائلته وبعض الوزراء القريبين منه. لكن الجهاز الأمني بقي كما هو، والمؤسسات الأخرى التابعة له أيضا، وهذا الوضع هو الذي حرك الشارع مرة أخرى.

وفي تونس أيضا حدث الشيء نفسه.
وكذلك في ليبيا، مع أن الظروف تختلف، حيث إن الانتفاضة الأولية تحولت إلى حرب واسعة بين قوات التحرير وقوات القذافي، لكن في المحصلة من غير المحسوم من سيحكم ليبيا في نهاية المطاف.
لا أريد أن أقلل من شأن الشعوب والثوار الذين يأتون إلى الساحة بهدف التغيير، ويجب على كل إنسان أن يتقدم بالإجلال والإكبار حيال المقاتلين والمجاهدين الذين يضحون بكل ما لديهم من الغالي والنفيس ويأتون إلى الساحة متحدّين القمع، ويبذلون كل جهدهم من أجل إحداث التغيير المشروع في بلدهم لصالح الشعب.
لكني أريد المزيد من التعمق، وأن نرى ماذا يحدث في الساحة السياسية. لأن الجماهير الثائرة الغاضبة من الظلم عندما تنزل إلى الشارع فإن الهدف الأول الذي ينتصب أمامها هو إسقاط النظام الحاكم. وهذا طبيعي، لكن بالمقارنة مع تحقيق هذا الهدف بل وقبله تدخل أطراف خارجية على الخط لرسم السياسة المستقبلية للبلاد، ونعرف أن هذه القوى لا تريد تغييرا جذريا جوهريا في كيان الأنظمة الموجودة، وإرساء أسس ديمقراطية فيها، بل تحاول الحفاظ على الأسس التي بني عليها النظام الحاكم وتغيير بعض البيادق فقط.
لماذا أقول هذا الكلام.. وما هو الدليل؟.. لأنهم إذا أرادوا إحداث تغيير جذري وإرساء الأسس الديمقراطية الحقيقية في منطقة الشرق الأوسط فكان لزاما عليهم أن يبدأوا بإيران. لماذا؟ لأن إيران هي البلد الوحيد في المنطقة الذي توجد فيه معارضة ديمقراطية منظمة قادرة على قيادة ثورة الشعب نحو تغيير حقيقي. ولذا فإن الغرب ليس فقط لا يؤيد هذه المعارضة، بل يجعل جميع العراقيل المتصورة في طريق تقدمها وتحركها.
من جانب آخر، نفترض أن شعبا ما استطاع تطبيق إرادته وإقرار الديمقراطية الحقيقية في بلده، فما دام النظام الإيراني باقيا في السلطة فإنه لن يسمح بأن تستمر هذه الوتيرة، بل سيدخل على الخط ليستفيد من المناخ الديمقراطي ويجعل من أنصاره وأعوانه وأزلامه أسياد الموقف في هكذا بلد. وبذلك فإن المسيرة الديمقراطية تبقى رهينة ولاية الفقيه. ولفهم هذا الواقع يكفي أن نشاهد ما يجري اليوم في لبنان والعراق، حيث إن الحكومتين في هذين البلدين جاءتا على سدة الحكم من خلال استخدام آلية الديمقراطية، لكنهما لا تطبقان مصالح بلديهما وشعبيهما، بل تعملان في اتجاه تطبيق مصالح نظام ولاية الفقيه في العراق ولبنان. ولا نريد أن نخوض هنا في شرح عمليات الغش والتزوير التي رافقت الانتخابات في كلا البلدين بتدخل من قبل النظام الإيراني.
ولن ننسى أن حصيلة الانتخابات النيابية في العراق جاءت لصالح كتلة العراقية، لكن بسبب تساهل الأميركيين والتدخل الفاعل للنظام الإيراني انقلب الأمر على الكتلة الفائزة المستحقة، ومرة أخرى خرجت حكومة نوري المالكي بتواطؤ خامنئي - بشار الأسد.
والغريب في الأمر أن الأميركيين يؤيدون أداء حكومة نوري المالكي في العراق مع أنهم يعرفون حق المعرفة أن هذه الحكومة تطبق في العراق أجندة ولاية الفقيه.
إيران بلد التغيير والثورات، ومن يعرف التاريخ الحديث لإيران يعرف أنه كان مسرحا لثلاث ثورات في القرن العشرين. ففي بداية القرن العشرين قام الشعب الإيراني بالثورة الدستورية التي نجحت في 1906، وفي الخمسينات عمت إيران الحركة الوطنية وحركة تأميم النفط التي كان زعيمها الدكتور محمد مصدق، وفي نهاية السبعينات أسقطت ثورة الشعب الإيراني نظام الشاه. وفي صيف عام 2009، وقبل عامين من ربيع الثورات العربية، قام أبناء الشعب الإيراني بانتفاضة عارمة ضد نظام ولاية الفقيه.
معنى ذلك أن الأرضية مهيأة تماما في إيران. لكن السمة الرئيسية التي تمتاز بها إيران بشكل خاص هي وجود حركة معارضة ديمقراطية منظمة متمثلة في منظمة «مجاهدين خلق» بتاريخها النضالي لمدة 46 عاما ضد نظام الشاه ونظام الملالي، وبشهدائها الأكثر من مائة ألف، وبقاعدتها الشعبية، وبقيادتها خاصة في معقلها الحالي «أشرف» الذي أصبح محط آمال الإيرانيين داخل إيران وفي الشتات.
كما أن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية يعتبر البديل الديمقراطي الوحيد للنظام الحاكم في إيران، ببرامجه وخطوطه العريضة في مجال فصل الدين عن السياسة وفي مجال حقوق الإنسان وحقوق النساء والحكم الذاتي للقومية الكردية في إيران واقتصاد السوق والسلام مع الجيران في المنطقة والمصادقة على البيان العالمي لحقوق الإنسان وإلغاء الحكم بالإعدام والالتزام بإيران خالية من النووي وما إلى ذلك من المبادئ المعلنة.
هذه هي نبذة عابرة عن المعارضة الإيرانية.
فإذا كان الغرب وأميركا جادين في ضرورة إرساء الديمقراطية في الدول العربية والإسلامية، فيجب عليهما أن يبدآ بإيران. لأن إيران الملالي التي تخلق جميع المشاكل لدول وشعوب المنطقة والمانع الأول للديمقراطية فيها، هي في الوقت نفسه بوابة الديمقراطية الحقيقية لهذه البلدان أيضا.
لكننا نرى ماذا يفعل الغرب وأميركا بالمعارضة الإيرانية، حيث وضعتها أميركا في قائمة الإرهاب منذ 1997، ومع أن جميع محاكم الدول الأوروبية والمحكمة الأوروبية حكمت لصالح المعارضة الإيرانية وشطبت «مجاهدين خلق» من قوائم الإرهاب الأوروبية، ومع أن المحكمة الفيدرالية الأميركية أيضا طلبت من الخارجية الأميركية إعادة النظر في تسمية «مجاهدين خلق»، فإن الخارجية لم تتخذ القرار في هذا المجال حتى الآن.
كما أن أميركا خانت - حسب تعبير ميشال ريتس المدير السابق لتخطيط السياسات في الخارجية الأميركية - العهود التي قطعت مع سكان «أشرف»، لأنها تعهدت بحمايتهم حيال تسليمهم الأسلحة التي كانت بحوزتهم للقوات الأميركية.
ومحصلة الكلام أنه ليست هناك حلول عديدة.. المشكلة واحدة والحل واحد.. المشكلة الرئيسية تأتي من إيران الملالي، والحل يأتي من إيران ديمقراطية.

*رئيس وزراء الجزائر الأسبق ورئيس اللجنة العربية الإسلامية للدفاع عن أشرف.







0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر