الراصد القديم

2011/10/15

نيران صديقة!



يقيم التيار الوطني الحر هذه السنة قداساً في ذكرى 13 تشرين 1990، بعد أن كان قد أغفل المناسبة لسنوات. وكان حريّا به أن يكبت الذكرى، ويدفع بها الى طي النسيان. لأنه لا بد للمشاركين في القداس أن يتذكروا ما جرى في ذلك النهار المشؤوم، ويتذكروا من الذي قتل الشهداء الذين يُصلّى على راحة أنفسهم. وربما يقع بعضهم في أزمة ضمير، إذ كيف سيبررون في قرارة أنفسهم التحالف الذي يقيمونه اليوم مع (…)؟ وماذا سيقولون للشهداء؟ انهم سقطوا عن طريق الخطأ بنيران صديقة؟

التبرير المألوف الذي يستعمله العونيون، يقول: إننا حاربنا سوريا عندما كانت في لبنان، وقد خرجت منه، وبالتالي لم يعد من خلاف معها، وطوَينا الصفحة.

وهذه حجة ضعيفة. فهل خرجت سوريا فعلا من لبنان؟ أتذكر جيدا كلام العماد عون عندما كان يقول إنه إذا أخرجَت سوريا جيشها من لبنان فإنه سيبقى لها جيش رديف هو جيش حزب الله. وهذا ما حدث فِعلا. أخرجت سوريا جيشها من لبنان سنة 2005، لكنّ نفوذها استمرّ من خلال حلفائها المسلحين الذين سرعان ما توسّعت صفوفهم بانضمام التيار الوطني الحر اليهم.

طبعا، في ذاكرتهم الانتقائية، يتناسى العونيون هذا الكلام. ويتناسون مئات المواقف المبدئية الواضحة التي طالما رددوها وتفاخروا بها، والتي تتناقض بالكامل مع مواقفهم الحالية.

ولم يكتفِ الرفاق بطي الصفحة، بل ذهبوا أبعد بكثير. أقاموا تحالفا استراتيجيّا مع سوريا وايران، حتى انهم اصبحوا جزءا من المنظومة الإقليمية التابعة لـ إيران، واصبحوا يجاهرون بعدائهم للغرب وللقيم الغربية.

وعندما تسألهم عن التناقض بين مواقف الامس ومواقف اليوم، يجيبونك بعصبية أصبحت علامتهم الفارقة، عصبية العالم الذي ضاق ذرعا بالجاهل، إن السياسة ليست جامدة، وان المواقف التي صدرت عن العماد عون بين العامين 1988 و2006 كانت مرتبطة بزمانها، وتجاوزتها الأحداث، ويجب ان نتعامل معها بتحفظ. وان العماد عون تخطّى مواقفه القديمة، واصبح يرى الصورة بوضوح اكبر، واتخذ المواقف التي تتناسب مع المرحلة الجديدة.

نفهم من ذلك ان مرحلة كاملة، مرحلة ما قبل العام 2006، ينبغي تجاهلها وإخفاؤها تحت البساط كما نخفي الاوساخ على عجل. عَجبا، عذارى السياسة تحوّلوا الى بسمارك وبدأوا يحاضرون في السياسة الواقعية!

هناك إذاً عون ما قبل العام 2006 وعون ما بعد العام 2006. وهما مختلفان الى حد التناقض. فأيهما الصحيح؟ واذا كان عون قد اخطأ لثمانية عشر عاما، فهذا يعني أنّ عون، صاحب الرؤيا، ليس معصوما عن الخطأ. وما من شيء يمنع ان يكون مخطئا ايضا في السنوات الخمس الاخيرة.

والأطرف هو عندما يتحدث العونيون عن الممانعة، ويتذرعون بها لتبرير تحالفهم مع سوريا ودفاعهم عن نظامها في مواجهة شعبه.

تسألهم: وما لكم انتم والممانعة؟! وكيف دَخلَ هذا التعبير وغيره من المفردات التافهة في قاموسكم؟ واذا كانت سوريا قلعة الممانعة، تُرى ألم تكن كذلك عام 1989 عندما اعلن العماد عون حرب التحرير عليها؟ حسب هذا المنطق، فإن سوريا كانت في لبنان لضرورات الممانعة، وما أدراك ما الممانعة، ولحماية خاصرتها. فلماذا لم يتفهم العماد عون هذا الأمر حينذاك؟ ولو فعل لوفّر على اللبنانيين جولة إضافية من الحرب، ولبقي الجنود الذين يُصلّى اليوم في ذكراهم على قيد الحياة.



كمال اليازجي -الجمهورية

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر