الراصد القديم

2011/11/23

لبنان على أبواب جولة جديدة من المواجهات ــ وميقاتي: أمامه 3 سيناريوهات مرة


يتوقع المراقبون أن يشهد لبنان في غضون الاسابيع القليلة المقبلة جولة جديدة من المواجهات السياسية والإعلامية الحادة التي يخشى من تداعياتها على الوضع الأمني، بمعزل عن الأشكال التي يمكن أن تتخذها «الخضات» المحتملة.


ويتأثر الوضع اللبناني بمساري الأزمة في سورية وتطور عمل المحكمة الخاصة بلبنان، وما يحيط بهذا العمل من استحقاقات تبدأ بحسم لبنان الرسمي موقفه من سداد حصته من التمويل وتنتهي بالتجديد للمحكمة في مارس المقبل، مرورا بتوقع صدور مزيد من القرارات الإتهامية وشمولها المزيد من المتهمين قبيل انتهاء الولاية الأولى للمدعي العام لدى المحكمة دانيال بلمار في فبراير المقبل، واحتمال تعيين مدع عام جديد في حال اختار بلمار التنحي لاعتباراته الصحية.

وعشية جلسة مجلس الوزراء المقررة في الثلاثين من الشهر الجاري، والتي ستبحث طلب وزارة المال سلفة خزينة لسداد حصة لبنان عن العام 2011 من موازنة المحكمة، يزور لبنان رئيس المحكمة الجديد القاضي سير دايفيد باراغوانث للقاء المسؤولين اللبنانيين، على أن يتركز البحث معهم على نقطتين أساسيتين:

- الأولى: التزام لبنان بتعهداته المالية تجاه المحكمة.

- الثانية: تعاون لبنان مع طلبات المحكمة، لا سيما لناحية تكثيف الجهود لتوقيف المتهمين وتسليمهم الى المحكمة.

وبحسب معلومات خاصة من لاهاي فإن رئيس المحكمة الخاصة بلبنان سينقل الى السطات اللبنانية تحذيرا من أن عدم الإيفاء بالالتزامات المالية سيضطر المحكمة لرفع القضية الى مجلس الأمن، في حين أن المضي في عدم تسليم المتهمين سيؤدي الى مزيد من التعقيدات التي تطاول بسلبياتها الجهات الحزبية والرسمية اللبنانية على حد سواء.

وسيذكر باراغوانث المسؤولين اللبنانيين بأن النظام الأساسي للمحكمة يسمح بملاحقة الرئيس لمسؤوليته عن أعمال المرؤوس في حالات ثلاث، هي إصداره الأمر بارتكاب الجريمة، أو معرفته بالتخطيط للجريمة من دون أن يتدخل لمنع التنفيذ، أو معرفته بالجريمة بعد تنفيذها من دون اتخاذ التدابير الكفيلة بمعاقبة المتهمين وتسليمهم الى السلطات القضائية المختصة.

وفي مثل هذه الحالة فإنه سيصبح بإمكان المدعي العام لدى المحكمة الخاصة بلبنان إصدار قرارات اتهامية في حق قيادات كبيرة ورفيعة في حزب الله، من دون استبعاد احتمال اتهام الدولة اللبنانية بسلطاتها الرسمية بعدم التعاون مع المحكمة، ما يضعها أمام مواجهة جديدة مع مجلس الأمن بتهمة حماية المجرمين.

وتترافق «تحذيرات» باراغوانث المرتقبة مع جولة ضغط سياسي وإعلامي وشعبي جديدة يطلقها تيار المستقبل في وجه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي من خلال المهرجان الشعبي الحاشد المقرر يوم الأحد المقبل في طرابلس قبل ثلاثة أيام من موعد انعقاد جلسة مجلس الوزراء المقرر أن تبحث في قرار سداد لبنان حصته من تمويل المحكمة.

ويعمل تيار المستقبل على حشد أكثر من مئة ألف نسمة وربما أكثر في محاولة لتوجيه رسالة مزدوجة قاسية الى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في عقر داره والى سورية وحلفائها في لبنان على بعد كيلومترات قليلة من الحدود الشمالية مع سورية.

من هنا الخشية من أن يؤدي الإحتقان الى تداعيات أمنية يشهدها الاسبوعان المقبلان، وتعمل السلطات اللبنانية الرسمية السياسية والعسكرية والأمنية على احتوائها من خلال تدابير احترازية ووقائية للحيلولة دون تطورات تلحق الأذى بالاستقرار الداخلي.

ميقاتي أمام 3 سيناريوهات مرة ومزعجة

رغم حرصه على عدم اعطاء أي انطباع مسبق في شأن ما يمكن ان يرتبه عليه استحقاق تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، يواجه رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي من الان وحتى نهاية الشهر الحالي خطوة حاسمة في تقرير مصيره السياسي الشخصي ومعه مصير الحكومة وعبرها مجمل الوضع الداخلي اللبناني.

فما هي الاحتمالات التي يرسمها هذا الاستحقاق الذي بات شبه مؤكد انه سيطرح على مجلس الوزراء في جلسة يعقدها في 30 نوفمبر الجاري؟
تنحصر سيناريوات استحقاق التمويل بثلاثة يرتب كل منها على ميقاتي وتالياً على حلفائه وخصومه مضاعفات سلبية وايجابية تبعاً لكل سيناريو.

السيناريو الاول يتمثل في عجز ميقاتي عن اقناع «حزب الله» وحلفائه بتمرير تمويل المحكمة بحيث تسقط غالبية مجلس الوزراء التمويل عبر رفضه ولا تتمكن القوى المؤيدة له الممثلة برئيس الجمهورية ميشال سليمان وميقاتي ووزراء النائب وليد جنبلاط من استقطاب اي وزراء اخرين معهم، ضمن الثلث الوزاري الذي يشكله هذا الثلاثي. وفي حالة سقوط التمويل يعمد ميقاتي الى تقديم استقالته. وعند ذلك تفتح هذه الخطوة الباب امام احتمال تصريف اعمال طويل الامد وعجز عن تشكيل حكومة جديدة. وهو الامر الذي يمكن ميقاتي من الحفاظ على صدقيته وموقعه خصوصاً لدى الشارع السني بحيث يحرم خصومه الهجوم عليه بالضربة القاضية لكنه يرتب عليه في المقابل غضب حلفائه الداخليين وكذلك النظام السوري باعتبار ان هؤلاء يريدون استمرار الحكومة ويعتبرونها مكسباً مهماً ويصعب تالياً عدم تصور ردة فعل معينة حادة من جانبهم حيال الوضع الذي سينشأ عن الاستقالة.


السيناريو الثاني يتمثل في نجاح ميقاتي، بطريقة مفاجئة، في تمرير التمويل عبر استقطاب اكثر من 14 او 15 وزيراً وتغيب وزراء اخرين من «تكتل التغيير والاصلاح» الذي يتزعمه العماد ميشال عون، وحركة « امل» و«حزب الله» عن الجلسة. وعندها سيعتبر الامر «تمريرة» سورية ضمنية ارادها النظام السوري الى الغرب بقصد تخفيف الضغوط عليه من جهة، وافساحاً امام استمرار حكومة تدعمه باستمرار امام المحافل العربية والدولية وكان آخر ما فعلته وقوفها معه ضد قرار الجامعة العربية بتعليق عضوية سورية في الجامعة. وهو احتمال يعني تسديد ضربة معنوية قوية الى «حزب الله» من جهة وتفويت فرصة كبيرة على قوى «14آذار» للنيل من ميقاتي والحكومة من جهة مقابلة، وربما يكون السيناريو الاكثر حظوة لميقاتي شخصياً اقله في هذه اللحظة السياسية، ولكنه سيعني ربطه اكثر فاكثر بمصير النظام السوري.

السيناريو الثالث يتمثل في سقوط التمويل وعدم امكان تمريره في مجلس الوزراء وعدم استقالة ميقاتي عبر هذا السقوط. ولعله السيناريو الاشد خطورة وسوءاً بالنسبة الى ميقاتي . ذلك ان التذرع بالتسليم للعبة الديموقراطية ضمن التصويت في مجلس الوزراء لا ينسحب على موجبات اتفاق معقود مع الامم المتحدة اولاً، ثم ان كل تعهدات ميقاتي ورئيس الجمهورية بالتزام تمويل المحكمة ستسقط بقوة مما يفقد رئيس الحكومة كل صدقيته امام المجتمعين المحلي والخارجي كما ان استمرار ميقاتي بعد ضربة مماثلة على رأس الحكومة سيعني توفير اكبر الهدايا اطلاقاً الى المعارضة وقوى «14 آذار» التي ستتخذ من هذه الانتكاسة الضخمة منطلقاً لاقوى حملاتها وهجماتها على ميقاتي وحشره بالكامل خصوصاً في الشارع السني لنزع اي شرعية ومشروعية له سواء في رئاسة الحكومة او في موقعه السياسي الشخصي. حتى ان بعضهم يعتقد ان انتكاسة كهذه ستعني نهاية سياسية لميقاتي.


والواقع ان السيناريوات الثلاثة هذه يجري تداولها بكثافة بين مختلف القوى السياسية من دون ان تتوافر لدى اي منها اي معطيات جازمة من شأنها ترجيح اي من هذه الاحتمالات. وهو الامر الذي يجعل الاسبوعين المقبلين محفوفين بحبس الانفاس في انتظار الجلسة الحاسمة لمجلس الوزراء التي تعتبر مصيرية بكل ما للكلمة من معنى ان بالنسبة الى ميقاتي والحكومة او بالنسبة الى مجمل الوضع الداخلي تبعاً لما ستفضي اليه نهاية هذا الملف الذي شغل لبنان منذ اشهر طويلة.


وكانت المحكمة الدولية شكّلت «نجمة» الذكرى 68 لاستقلال لبنان التي تم احياؤها امس بعرض عسكري في وسط بيروت حضره رؤساء الجمهورية ميشال سليمان والبرلمان نبيه بري والحكومة ونائب رئيسة البرازيل ميشال تامر الذي يقوم راهنا بزيارة رسمية للبنان وحشد من الشخصيات السياسية والديبلوماسية، قبل ان يقام حفل استقبال في القصر الجمهوري تقبّل خلاله الرؤساء التهاني.

وفي رسالة الاستقلال التي اختار ان يوجّهها من قلعة راشيا (التي صنعت الاستقلال)، اكد رئيس الجمهورية «ان الواجب يقضي الالتزام بقرارات الشرعية الدولية بما فيها تلك المتعلقة بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وذلك توخياً للحقيقة المجردة والعدالة المجردة وحفاظا على مصداقيتنا وليس خشية من عقوبات يلّوح بها»، معلناً «أن من أبرز شروط الاستقلال التحرر من أي احتلال أو انتداب أو وصاية، وفرض السيادة الشاملة والحصرية للدولة ومؤسساتها على كامل أراضيها، والالتزام باستقلالية القرار السياسي الوطني، بعيداً عن أي تدخل أو ضغط خارجي، ونجاح الدولة في إدارة الشأن العام بقدراتها الذاتية، من خلال مؤسسات ونظام ديمقراطي يحفظ الأمن والحريات وحقوق الإنسان، ويقيم العدل، ويسمح بالتداول الدوري للسلطة كنتيجة حتمية للديموقراطية».

وينتظر ان تشكّل المحكمة عنواناً رئيسياً في المهرجان السياسي الذي يقيمه «تيار المستقبل» يوم الاحد المقبل في طرابلس لمناسبة الاستقلال، وسط توقّعات بان يلقي الرئيس السابق للحكومة زعيم «تيار المستقبل» سعد الحريري كلمة وُصفت بانها ستكون «ساخنة» ورفضت اوساط «المستقبل» تأكيد اذا كان الحريري سيتوجّه بها عبر شاشة عملاقة او ان يفجّر مفاجأة بحضوره شخصياً بعد طول غياب عن لبنان.

واذا كان «سقف» كلمة زعيم «المستقبل» سيتضمّن دعوة ميقاتي، في مسقطه، الى الاستقالة، فان هذا المهرجان الذي يستبقه رئيس الحكومة بإطلالة تلفزيونية غداً، سيشكّل اول تحرك كبير «على الارض» لقوى 14 آذار منذ ذكرى انتفاضة الاستقلال في مارس الماضي، وسيوجّه رسالة بالغة الوضوح لميقاتي من داخل «بيئته» (السنية) بان المحكمة «خط أحمر» وبان مزاج الشارع السني في طرابلس، التي تُعتبر «خزاناً شعبياً»، لا يزال يصبّ مع «المستقبل».

وقبل ان «تحطّ» في طرابلس، ستحضر المحكمة اليوم في الزيارة التي يقوم بها الرئيس الجديد للمحكمة دايفيد باراغوانث لبيروت وهي الاولى له منذ تسلُّمه منصبه قبل نحو شهر خلفاً لانطونيو كاسيزي الذي فارق الحياة بعد صراع مع المرض.

وسيثير باراغوانث، الذي يرافقه نائبه القاضي اللبناني رالف الرياشي، مع كبار المسؤولين اللبنانيين واولهم ميقاتي موضوع تمويل المحكمة ووجوب ان يسدد لبنان حصته من التمويل بل 15 ديسمبر المقبل المقبل،

على ان يوضح تبعات عدم التمويل الذي سيستدعي تحويل الملف إلى مجلس الأمن الدولي.
كما لن تغيب عن محادثات رئيس المحكمة قضية المتهَمين الاربعة من «حزب الله» في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري التي سيطرحها باراغوانث من زاوية حض لبنان على بذل جهود فعلية لتوقيفهم وتسليمهم الى المحاكمة.

وقبيل وصوله الى بيروت اكد رئيس المحكمة «انني عقدت النية على ضمان الإنصاف والسرعة في عمل المحكمة، واحترام حقوق المتهمين ومصلحة المتضرّرين احتراماً تاماً

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر