الراصد القديم

2011/11/12

خيارات أمريكية في سوريا مذكرة إبداع السياسات رقم 9


المؤلف: أليوت إبرامز

الناشر: دار مجلس العلاقات الخارجية

تشرين أول 2011

الرابط:

http://www.cfr.org/syria/american-options-syria/p26226


يتصاعد مستوى العنف في سوريا شهراً بعد شهر. وقد قتل نظام بشار الأسد اقل بقليل من ثلاثة آلاف مواطن حتى الآن، ومع تزايد حالات الارتداد من الجيش، يبدو أن السكان قد بدأوا يقاومون. إن حرباً أهلية شاملة، فيما يقاتل نظام الأقلية العلوية دفاعاً عن حياته ضد تمرد مسلح من قوات تستند إلى أغلبية السكان السنية، تبدو بتزايد أمراً أكثر قابلية للتصديق.

إن أهداف سياسة الولايات المتحدة الأمريكية يجب أن تكون إنهاء العنف، إسقاط نظام الأسد، ووضع الأسس لنظام ديموقراطي مستقل، مع حماية الأقليات العلوية والكردية والمسيحية، وهو ما سيكون صعب المنال. فقد تخلت إدارة أوباما عن هدف إصلاح النظام، وعن وجه حق: فليس هنالك أساس في سلوك نظام الأسد لإحياء الأمل بأنه يمكن أن يقود انتقالاً إلى الديموقراطية. وعوضاً عن ذلك، فإن الهدف الأمريكي والأوروبي والتركي بات نهاية حكم عائلة الأسد. لكن كيف يمكن لصناع السياسة الأمريكيين أن يحققوا ذلك الهدف بأقصر مدة ممكنة وأقل قدر إضافي من العنف؟

والجواب هو إستراتيجية تهدف في آنٍ لإضعاف قواعد دعم النظام ولتشجيع المعارضة على أن تظهر أنها تسعى لسوريا ديموقراطية غير طائفية.

عزل عائلة الأسد

يستند دعم النظام على الجماعة العلوية، قوات الأمن التي يقودها علويون، وعلى جماعة رجال الأعمال (السنة والعلويين). إن 74% من السكان السوريين مسلمون سنة، بينما نظام الأسد علوي – والطائفة العلوية فرعٌ من الإسلام الشيعي غالباً ما تعتبر مارقة من قبل السنة المتعصبين. والعلويون يشكلون فقط من 10 إلى 15 بالمئة من السوريين. لكن الفرق الأفضل تسليحاً وتدريباً في الجيش السوري علوية.

لذلك فإن الهدف الأول للولايات المتحدة يجب أن يكون عزل عائلة الأسد وأقرب مقربيها عن بقية الجماعة العلوية التي لم تستفد إلا قليلاً جداً من الثروات التي وزعها الأسد لأقرب الداعمين. ومع أن كل العلويين يخشون الثأر ضد كل جماعتهم إذا سقط الأسد، فإن بينهم تراوحاً في درجات الولاء لعائلة الأسد. لذا يجب أن تستمر الولايات المتحدة بالضغط على المجموعات العديدة التي تعارض النظام الآن لكي تقدم واجهة متحدة، وقد شرعت المعارضة بتحقيق ذلك، مشكلةً "مجلس وطني سوري" من 140 عضواً في بداية شهر تشرين الأول 2011. وعلى ذلك المجلس أن يوضح للملأ نوع سوريا التي يتمنى بناءها، من خلال التأكيد تكراراً على التزامه بالتعامل المتساوي مع كل السوريين بدون اعتبار للطائفة أو المعتقد الديني، ومن خلال إدراج علويين وغير سنة بشكل بارز في صفوفه. وعلى المجلس أن يرفع صوته عالياً وبشكل انفعالي في إدانته لأي عنف ضد المواطنين العلويين والجماعات العلوية، وهو الأمر الذي يرجح أن يزداد إذا تصاعدت المعارك المسلحة بين النظام والمعارضة. يجب أن يتعهد المجلس بحماية كل الأقليات في سوريا ما بعد الأسد – من العلويين إلى الأكراد إلى الجماعات المسيحية المتوترة بشدة.. يجب أن يوافق المجلس الآن على دور دولي في تأمين تلك الضمانات والحماية للأقليات. وكلما كانت تلك التعهدات أكثر تفصيلاً، وكلما نالت المزيد من الدعاية والدعم الدولي، كلما كانت أكثر إقناعاً داخل سوريا.

أما بالنسبة للقوات العسكرية والشرطة، فإن المسؤولين الغربيين والأتراك يجب أن يضغطوا على الجنرالات العلويين في الجيش السوري لفرز أنفسهم عن النظام. ويجب أن يحاجوا بأن أولئك الجنرالات يمكن أن ينقذوا مستقبل جماعتهم ما بعد الأسد، ومستقبلهم الشخصي، برفضهم الآن أن يقتلوا مواطنيهم. العسكرية الأمريكية ليست لها روابط مع أولئك الرجال، لكن يمكن الافتراض أن الأتراك والأردنيين، وربما الفرنسيين، لديهم قنوات لنقل مثل تلك الرسائل. "لماذا تضحون بأنفسكم من أجل مافيا الأسد التي انتهى أمرها على أية حال؟" هي الرسالة التي يجب التأكيد عليها، إضافة إلى رسالة: "كن من الناجين من الخطر". هنا يمكن أن تساعد بيانات من "المجلس الوطني السوري". فالمجلس يجب أن يوضح بأنه لن تكون هناك حملات تطهير بالجملة للضباط العلويين، ولكن سيكون هناك قصاص في سوريا وعبر المحكمة الجنائية الدولية للضباط المتورطين بقتل المتظاهرين السلميين.

قلب المجتمع التجاري

الخطوة الثانية يجب أن تكون قلب مجتمع رجال الأعمال ضد النظام. وحتى الآن، لا تزال قيادة رجال الأعمال، من سنيين ومسيحيين وعلويين، على الحياد. وعلى الولايات المتحدة وشركائها أن يقودوا رجال الأعمال السوريين للنظر لعائلة الأسد كدين لا يمكن سداده سيجلب استمراره في السلطة مزيداً من الألم الاقتصادي الذي ما برحت تعانيه سوريا. فحتى الآن هذا العام انخفض كلاً من الاستثمار الأجنبي المباشر والسياحة لأكثر من النصف، والصادرات انخفضت بمقدار الثلثين. وإذا بقيت عائلة الأسد في الحكم، يجب أن يفهم رجال الأعمال، فإن الأمر سيصبح أسوأ فقط. أما الولايات المتحدة فقد مارست الحظر بالنسبة لسوريا حتى لم يعد لديها ما تفعله في هذا المجال. فلا يوجد بينها وبين سوريا أي تجارة أو استثمار تقريباً. الأمر الحاسم هو أن يقطع الاتحاد الأوروبي الاقتصاد السوري، وهو ما بدأ يحدث فعلاً. فأوروبا تشتري عادة 95 بالمئة من صادرات سوريا النفطية، مزودةً النظام بذلك بحوالي ثلث عائداته من العملة الصعبة، ولكن الاتحاد الأوروبي بادر لحظر الواردات النفطية السورية وأي استثمارات جديدة في قطاع النفط السوري. وكلما تحرك الاتحاد الأوروبي بشكل أقرب وأسرع نحو حظر كامل على التجارة مع سوريا، كلما كان ذلك أفضل، لأن الإشعار بحد ذاته والضرر الفعلي للنخب الاقتصادية السورية سيكون أعظم.

وهذه ستكون حرباً اقتصادية ضد النظام، وكلما اشترك فيها عددٌ أكبر من الحلفاء، كلما كانت أكثر فعالية. وقد أعلنت تركيا أنها ستفرض عقوباتها الخاصة، وإذا كانت تلك العقوبات ثقيلة بما فيه الكفاية، فإن الآثار السياسية والنفسية والاقتصادية ستكون معتبرة. من الواضح إذن أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يجب أن يضغطا على الأتراك للمباشرة بعقوبات بعيدة المدى لا عقوبات رمزية فحسب. ويجب أن يضغطا على منتجي النفط الخليجيين لوقف أي استثمار إضافي في سوريا. وكلما كانت عقوبات الولايات المتحدة المالية أوسع مدى، كلما قويت ذريعة دول الخليج لجعل مصارفها تتجنب دمشق.

التعامل مع العنف

ستحتاج الولايات المتحدة لتبني سياسات للتقدم إلى الأمام حول ثلاث قضايا أكثر صعوبة. الأولى هي كيفية معالجة الموقف إذا بدأ صراع عسكري جدي على شكل حرب أهلية. وتتراوح التقديرات حول عدد الجنود الذين انشقوا من الجيش السوري وحول ما إذا كانت لديهم قدرة واقعية للالتحام مع القوات النظامية. الولايات المتحدة يجب أن تشجع الانشقاقات لكنها لا يجب أن تشجع العنف بأي شكل. لكن إذا بزغت إلى حيز الوجود معارضة مسلحة وقاتلت النظام، فإن الولايات المتحدة لن ترغب بأن ترى مثل تلك المعارضة وقد سحقت. على هذا، فإن الولايات المتحدة يجب أن لا تثني حكومات أخرى عن تقديم الدعم للمتمردين إذا رغبت تلك الحكومات بذلك. ولا يجب أن تحاول منع مجموعات أخرى – مثلاً، القبائل السنية التي تعيش على طرفي مناطق الحدود السورية-العراقية – من مساعدة أخوة لهم داخل سوريا. أما إذا تفاقمت تدفقات اللاجئين والعنف بشدة، فإن الولايات المتحدة ستحتاج لمناقشة فرض مناطق حظر طيران أو ملاجئ آمنة على طول حدود سوريا، مع جيران سوريا وحلفائها في الناتو.

مستقبل الأسد

المسألة الثانية هي مستقبل عائلة الأسد نفسها. يتوجب الافتراض أن الأسد سوف يقاتل حتى النهاية. فلو استنتج عند نقطة ما أن استمراره بالحكم لا يمكن الدفاع عنه أو على الأقل موضع شك كبير، فقد يسعى لإيجاد ملجأ آمن لعائلته. وقد يكون ذلك صعباً نظراً لوجود محكمة الجنايات الدولية، لكنه أمرٌ يستحق المتابعة. فإذا عرضت دولة ما على الأسد ملجأً آمناً، يجب أن لا تحاول الولايات المتحدة الوقوف في الطريق، لا بل يجب أن تشجع الأسد على قبول مثل ذلك العرض. وقد أظهرت حالات كثيرة أخرى بأن العدالة قد تتأخر كثيراً أو لا يتم الوصول أبداً. لكن الشعب السوري بإمكانه أن يتقدم نحو أهدافه الخاصة، بالرغم من ذلك، في الوقت الحالي.

المسالة الثالثة هي ما إذا كان يتوجب على الولايات المتحدة وحلفائها أن تسعى أو توافق على نظام علوي بدون بشار الأسد على رأسه. إن انقلاباً من داخل القصر يمكن أن يقدم للولايات المتحدة مثل ذلك البديل للوضع الراهن، لكن ذلك لا يجب أن يكون هدفاً أمريكياً. فلقد خسر نظام الأسد موافقة المحكومين، ومن الصعوبة بمكان أن يرى المرء كيف يمكن لنظام علوي بديل أن يستعيدها. فسوف يكون مثل ذلك النظام بقيادة عدد أكبر من اللازم من المسؤولين المتورطين في انتهاكات النظام القديم، وسيبقى بالتعريف أقلية تحكم بلداً أغلبيته من السنة. وبما أن مثل ذلك النظام لا يستطيع أن يكسب انتخابات حرة، فإنه سوف يحكم بالقوة، خاصة فيما الجمهور السني يصخب مطالباً بالمزيد من الحقوق وبات متورطاً في القتال من أجلها. وهو ما سيعني اضطراباً وفوضى مستمرين في سوريا. إن نظام علوي بديل يزيل عشيرة الأسد من السلطة ويكون بوضوح خطوة انتقالية نحو الديموقراطية يمكن أن يكون نافعاً في إنهاء العنف وفتح طريق إلى الأمام، ولكن فقط إذا كان محدوداً في الزمن والطموحات. المسؤولون عنه يجب أن يظهروا حسن نواياهم، وجدولهم الزمني القصير، للجمهور وللتحالف الدولي الذي يعاقب سوريا وينتقدها اليوم، لكن ذلك لن يكون مستحيلاً. فإنهاء العنف الحكومي، وجداول زمنية لانتخابات، وإدراج قيادات المعارضة في الحكومة المؤقتة يمكن كله أن يظهر نوايا إيجابية.

مكسب أمريكي

إن إنهاء نظام الأسد سيكون مكسباً كبيراً للولايات المتحدة. فذلك النظام ديكتاتورية دموية تحتضن حماس والمجموعات الفلسطينية الإرهابية الأخرى، وهو حليف إيران العربي الوحيد، والطريق الذي تتبعه إيران لتسليح حزب الله، وهو خطر دائم على سيادة لبنان وسلامه الداخلي. وهو، فضلاً عن ذلك، متورط في مقتل العديد من الجنود الأمريكيين وجرح عدد أكبر بكثير بفضل بذله أقصى جهده لمساعدة الجهاديين الساعين لمقاتلة الأمريكيين في العراق. وفيما يقاتل ذلك النظام شعبه ويتعلق بالسلطة، فإن العقوبات الفعالة والدبلوماسية النشطة يمكن أن تساعد على تقصير أمد حياته وعلى وضع الأساسات لجهد مصمم على بناء دولة ديموقراطية مكانه.


0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر