الراصد القديم

2011/11/05

جنبلاط – سوريا – حزب الله: حِفظ الجميل



بين زعيم المختارة وسوريا وحزب الله قصة طويلة. اختلط فيها التحالف بالعداء، والرهان بالتخويف، لكنهم اختبروا مراراً حاجة كل منهم إلى الآخر. اكتشفوا دقة التلازم بين عامي 2005 و2008، ثم بين عامي 2010 و2011. اليوم باتت المعادلة تنوء تحتهم: جنبلاط تتجاذبه الخيارات، وسوريا تخاف على نظامها، وحزب الله محاصر .

حدّد رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط خيارات جديدة للمرحلة المقبلة، بعض المعنيين بها نفروا منها، والبعض الآخر استوعب صدمتها أو يكاد، والبعض الثالث صفق لها. فَصَلَ بين علاقته بسوريا وتلك التي بحزب الله، متخطياً شروط مصالحته مع دمشق في آذار 2010، عندما طابقت الموقف من سوريا مع الموقف من حزب الله. لم يُحالف أحدهما كي يعادي الآخر.

كان الشرط نفسه الذي فرض على الرئيس سعد الحريري، قبل جنبلاط، وحمله هو الآخر إلى دمشق في كانون الأول 2009، وتصالح مع الرئيس بشّار الأسد، ثم أخذ عليه الأخير في لقاءاتهما الأربعة مذ ذاك حتى آب 2010، أنه يفصل علاقته الشخصية والسياسية بالأسد عن علاقة حلفائه في قوى 14 آذار بسلاح حزب الله. إلى أن انهارت المصالحة، فالتحق الحريري بالرهان على إسقاط نظام الأسد، بحثاً عن تشفٍّ خبأه في أكثر من مبرّر.

عندما قرّر جنبلاط أخيراً الانحياز إلى المعارضة السورية ضد النظام، من غير أن يوصد هو أبواب حوار مقطوع مع دمشق منذ حزيران الماضي بحجة تباطؤ النظام في إجراء إصلاح داخلي لبلاده، لم يُقرن هذا الانحياز بإشهار تخليه عن حزب الله وسلاحه. لا يزال يقول بدعمه إياه، ويسمّي المقاومة باسمها، ويتمسّك بمناقشة الاستراتيجيا الدفاعية لحماية لبنان على طاولة الحوار الوطني إلى أن يحين أوان تخلي الحزب عن سلاحه.

لم تستفز هذه المواقف حزب الله. إلا أنه لم يرتح إلى وجهة النظر السلبية من النظام السوري. ولاحظ الحزب أن جنبلاط غالى كثيراً ـــــ شأن ما فعل بين عامي 2005 و2008 وأخفق، ثم اعترف بإخفاقه ـــــ في الرهان على تقويض نظام الأسد. لم يضع علاقته بالزعيم الدرزي على المحك، ولا قرّر ـــــ كدمشق ـــــ قطع الاتصال والحوار به. وعندما ذهب جنبلاط إلى مقابلة الأمين العام للحزب السيّد حسن نصر الله في 13 تشرين الأول، توخّى التأكيد له أن الاختلاف في الرأي السياسي من أحداث سوريا لا يفضي حكماً إلى إعادة مناقشة العلاقات الدرزية ـــــ الشيعية في ضوئها، ولا وضع هذه العلاقات في مهب تغيّرات إقليمية تهدّدها بين حين وآخر.

كان قد بلغه كلام من هذا القبيل، أشعره برغبة البعض في حزب الله في إعادة الخوض في العلاقة مع جنبلاط والتلميح إلى طائفته، واستعادة أزمة العلاقات الشيعية ـــــ الدرزية وتجربتها بين 7 أيار 2008 و11 منه، حينما مرت بالامتحان الأصعب لكليهما لأول مرة.

ردّ الزعيم الدرزي على ما أوحي إليه به بأن ملف علاقته، كما علاقة طائفته، بحزب الله والشيعة يناقشه مع نصر الله. بيد أنه جزم بتمسّكه بدعم المقاومة وحماية الاستقرار الداخلي، لكن الإشارة الأبلغ التي أطلقها جنبلاط، بعد لقائه الأمين العام لحزب الله، ثم في الجمعية العمومية للحزب التقدّمي الاشتراكي في 30 تشرين الأول، أن من حقه امتلاك هامش تحرّك وحرية موقف ومبادرة لا تنقض تحالفاته، وتمكّنه في الوقت نفسه من تحديد خياراته في ملفات شتى، من بينها سوريا.

بعض مَن راقب مواقفه من الأزمة السورية، لاحظ أن تصعيد جنبلاط نبرة تأييده المعارضة يُكسبه أكثر ممّا يُخسّره: إذا صمد نظام الأسد يخرج مخلّعاً بلا مخالب، وإذا سقط انتهى. في الحال الأولى لا يخسر شيئاً، وفي الثانية يربح الصولد كله.

مع ذلك يدين حزب الله، وكذلك سوريا، لزعيم المختارة بالكثير الذي يجعلهما يبتلعان الصدمات القوية التي يجبههما بها، ويستوعبانها بسرعة، ولا يفتحان الباب أمام أي طرف آخر للتلاعب بالعلاقة الملتبسة. وقد تكون بضعة معطيات رافقت مصالحة جنبلاط مع حزب الله وسوريا خير معبّر عن مغزى الصبر على حسكة علقت في الحلق:
1 ـ تحفظ له سوريا وحزب الله دوره الرئيسي، الجوهري، في تكوين الأكثرية النيابية الحالية، بل يستعيد البعض الواسع الاطلاع عبارة معاون نائب الرئيس السوري اللواء محمد ناصيف من أن الرهان على جنبلاط قَلَبَ الأكثرية النيابية رأساً على عقب، وأدى إلى تسمية الرئيس نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة.

من دون جنبلاط لم يكن في الإمكان إقصاء سعد الحريري عن رئاسة الحكومة، ولا توفير النصاب الكافي لتسمية ميقاتي، رغم أن الزعيم الدرزي لم يُوصِ وزراءه الثلاثة في حكومة الحريري بالاستقالة على غرار ما فعل الوزراء الـ11 لقوى 8 آذار. من جهة، تجنّب جنبلاط موقفاً شخصياً وسياسياً مؤذياً للحريري بالمساهمة في إطاحته، واستجاب من جهة أخرى، لرغبة القيادة السورية في ترجمة تحالفه معها بالانتقال بكتلته النيابية من موقع إلى نقيضه.

غداة إطاحة حكومة الحريري في 12 كانون الثاني الماضي، تلاحقت الاتصالات: اتفق رئيس المجلس نبيه بّري مع جنبلاط على ترشيح ميقاتي. مساء الخميس 13 كانون الثاني أوفد برّي إلى الرئيس السوري معاونه السياسي النائب علي حسن خليل، والمعاون السياسي لنصر الله الحاج حسين الخليل لتزكية ترشيح ميقاتي: ليس لدى قوى 8 آذار 65 صوتاً لضمان الغالبية النيابية. لا يأتي إليها جنبلاط إلا بأربعة نواب، وفي أحسن الأحوال خمسة، ويأتي ميقاتي بأصوات ثلاثة نواب سنّة. وافق الأسد، وكان في حلب حينذاك.

من مساء السبت 15 كانون الثاني دار التفاوض الذي شمل برّي ونصر الله وجنبلاط وميقاتي، الذي التقى مع نهايته، مساء الأحد 16 كانون الثاني، الأمين العام لحزب الله. وسعياً إلى إنجاح قلب توازن القوى تماماً في مجلس النواب، تمنت دمشق والأفرقاء المفاوضون على رئيس الجمهورية ميشال سليمان تأجيل الاستشارات النيابية الملزمة أسبوعاً، وكانت مقرّرة في 17 كانون الثاني. بعد أيام، في 21 كانون الثاني، حسم جنبلاط اللعبة بإعلان وقوفه إلى جانب سوريا والمقاومة في المواجهة مع المحكمة الدولية.
كانت تلك إشارته إلى موقعه في الغالبية الجديدة التي صنعها هو.

2 ـ من دونه لم يكن متاحاً تأليف الحكومة الحالية التي كانت مطلباً سورياً ملحاً. رفضت دمشق الحريري على رأس الحكومة، ولم تكن سهلةً تسمية خلف له يتحوّل عبئاً على الأكثرية الجديدة، وعلى الشارع السنّي كالرئيس عمر كرامي. كانت مكافأة جنبلاط في حصص الحكومة الجديدة الأكثر مدعاة للانتباه: ثلاث حقائب أساسية، كلٌّ منها كافية وحدها لإدارة انتخابات نيابية عامة وتمويلها.

3 ـ مثلت العلاقة مع جنبلاط بقعة حوار وجدل متناميين داخل القيادة السورية، وعكست وجهتي نظر متعارضتين بين مؤيد لتلقفه، ومتحفظ عن تقلب خياراته. إلا أن ناصيف، قبل أن يعهد إليه الأسد إدارة علاقته بدمشق منذ آذار 2010، ظلّ يتعاطف مع الزعيم الدرزي، ويقول لمحاوريه في القيادة السورية، في أحلك أوقات انهيار العلاقة بين عامي 2005 و2008، إنه من قلة من الزعماء اللبنانيين لا يتخلى عن سوريا عندما يتعلق الأمر باللحم الحيّ، مؤكداً كذلك أن جنبلاط لا يبرح الخط القومي.
بعد المصالحة مع الرئيس السوري صحّ توقع معاون نائب رئيس الجمهورية. إلا أن المواقف الأخيرة للزعيم الدرزي من النظام السوري، ومن اندفاعه في تأييد المعارضة، ورفضه تقبّل وصف ما يجري في سوريا بالمؤامرة، شجّعت وجهة النظر المناوئة لناصيف، كي يعيد أصحابها التشكيك في جدّية علاقة ثابتة ومستقرة وموثوق بها معه.

ما خلا نصر الله، عرفت دمشق باستمرار أن بوابة عبور الزعيم الدرزي إلى الرئيس السوري كانت من خلال شخصيتين في موقعين مختلفين: اللواء محمد ناصيف، وصديقه القديم الرئيس السابق للأركان العماد حكمت الشهابي، الذي جمعته به علاقة مميّزة لم تهرم مع إحالة الأخير على التقاعد وتقدّمه في السنّ. يستشيره كلما تسنّى له الاجتماع به، وكان جنبلاط قد زاره في دمشق للمرة الأخيرة في 16 نيسان الماضي، على هامش لقائه بناصيف. كان الشهابي من ذوي النصائح المسموعة بتلقف جنبلاط واستعادته إلى سوريا. في المقابل قدّر الزعيم الدرزي لناصيف دوراً مهماً هو ضمانه عودة الشهابي إلى دمشق وحمايته والسماح له بتمضية ما تبقى من حياته فيها، بعدما سيقت ضده اتهامات شتى. كان قد رفض الانضمام إلى خطة نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدّام في الانقلاب على النظام، وأصرّ على البقاء في ظلّ نظام رأى الشهابي أنه من صانعيه وحماته، ولا يريد المشاركة في تقويضه.



نقولا ناصيف -الأخبار-

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر