الراصد القديم

2011/11/10

الأزمة السورية في العين الصينية



لم يكن الموقف الصيني مفاجئًا في مجلس الأمن مؤخرًا، عندما قامت بكين باستخدام حق النقض (الفيتو) إلى جانب روسيا أثناء عرض مشروع القرار الفرنسي البريطاني والمتعلق بما يحدث في سوريا العربية من تفاعلات داخلية لها علاقة بالأزمة العامة في تلك البلاد.
فقد جاء الموقف الصيني انطلاقًا من مسوغات قاطعة دفعت الصين لاتخاذ موقفها إياه داخل قاعة مجلس الأمن تعزيزًا للفيتو الروسي، حيث ترى بكين أن ما يحدث في سوريا وإن حمل بعض سمات الحراك الوطني الداخلي، والمطالب الشعبية، إلا أن المعادلة التي تم تركيبها (بعد حين) على ظهر هذا الحراك هي معادلة بمفعول وفعل خارجي في ظل المساعي التي تقودها بعض دول الغرب الأوروبي والولايات المتحدة لتحقيق جملة من الأهداف الإقليمية في عموم المنطقة لا علاقة لها بمطالب الشعب السوري المحقة، ولا علاقة لها بتصدير الديمقراطية للعالم العربي أو الحرية للشعب السوري.
فالتقدير العام عند صناع القرار في بكين، يقر بأن ما يجري في سوريا بات بعيدًا عن مطالب شعبية محقة ونبيلة رفع رايتها الشعب السوري، وقد أمسى ما يجري عملية خارجية محبوكة بعناية وذات أهداف لها علاقة برسم خريطة المنطقة والصراع فيها، وفق الرؤية الأميركية.
كما جاء الموقف الصيني من الأزمة السورية داخل مجلس الأمن، بعد الدرس الليبي الطازج، حيث خرجت الصين وروسيا من (المولد بلا حُمص) على حد المثل الشعبي السائد في بلاد الشام، وقد ابتلعت كل منهما المقلب الأميركي الغربي، وهو المقلب الذي حوَّل قرار الحظر الجوي وحماية المدنيين الرقم (1973) الصادر عن مجلس الأمن إلى عمل عسكري مباشر بعد أقل من ثلاث ساعات من صدوره.
ومن المعروف أن الصين تحاول دومًا اتخاذ مواقف شديدة المرونة بما يتعلق بالأزمات الدولية على امتداد المعمورة، وتعمل على تجنيب نفسها من دخول معترك المماحكات على المستوى الدولي، إلا أنها باتت تشعر في الفترات الأخيرة أن وجودها وحضورها بات مستهدفًا من قبل الإدارة الأميركية التي تعمل وفق مسارين اثنين في توجيه الأذى لجمهورية الصين الشعبية: أولهما زعزعة الاستقرار في منطقة بحر الصين عبر تسليح تايوان (جمهورية الصين الوطنية سابقًا) والإبحار الدائم لسفنها وحاملات طائراتها قبالة شواطئ الصين الشرقية. وثانيهما ابتلاع مصالح الصين في العالم، وإدارة صراع نفوذ اقتصادي معها على امتداد المعمورة خصوصًا في إفريقيا وبلدان الشرق الأوسط ومنها سوريا.
ومن المعلوم أن الصين انتقلت على صعيد السياسة الخارجية، من التحالف الوثيق مع الاتحاد السوفييتي السابق في الخمسينيات حتى أواسط الستينيات من القرن الماضي، إلى اللقاء الافتراضي مع الولايات المتحدة في السبعينيات والثمانينيات، أما اليوم فهي تتحرك ويدها بيد موسكو في السعي من أجل عالم متعدد الأقطاب تنتفي فيه قسوة السطوة الأميركية التي أكلت الأخضر واليابس من مصالح باقي المنظومات الدولية من العراق إلى ليبيا إلى باقي مناطق العالم.
وقبل أيام قليلة، كانت بكين قد أرسلت مبعوثها الخاص إلى المنطقة (وون سيكه) إلى العاصمة السورية/دمشق، وهو يحمل رسالة ودية عنوانها أن على دمشق تفويت الفرصة على الخارج من خلال الإسراع في تنفيذ رزم الإصلاحات التي تم تقديمها والسير خطوات ملموسة باتجاه تحقيق المزيد من المطالب العامة للشعب السوري.
ويتمحور الموقف الصيني بالنسبة للأزمة السورية على سكتين متوازيتين، أولاهما دعوة كل الأطراف المعنية في سوريا من سلطة ومعارضة ومؤسسات وهيئات شعبية وغيرها للحوار البناء والمجدي، وعلى أساس أولوية المصالح الوطنية ومصالح الشعب السوري، مع نبذ العنف وتفادي إراقة الدماء، ورفض أي تدخل خارجي، ورفض استعارة السيناريو الليبي أو العراقي. وثانيها دعوة الحكومة السورية لمواصلة عمليات الإصلاح الجارية، وإصدار المزيد من رزم القوانين والمراسيم التي تعود بالنفع العام على الشعب السوري، والإسراع بتطبيقها على الأرض.
وفي هذا السياق، فإن حجم العلاقات الاقتصادية بين كل من سوريا والصين يتوسع باستمرار، حيث احتلت الصين قبل سنوات مركز الصدارة في حجم التبادل التجاري مع سوريا، إذ تؤكد الإحصائيات ارتفاعه المطرد منذ عام 2000 ليصل إلى (2,2) مليار دولار عام 2009 بالرغم من الأزمة العالمية، ويتوقع مراقبون أن يتجاوز ثلاثة مليارات دولار في غضون السنوات القليلة المقبلة. علمًا أن حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية يشهد نموًّا متسارعًا هو الآخر، وقد باتت فيه الدول العربية سابع أكبر شريك مع جمهورية الصين الشعبية، وقد سجَّل حجم هذا التبادل رقمًا قياسيًّا بلغ (120) مليار دولار، بزيادة قدرها (36%) في النصف الأول من هذا العام. وقد بلغ حجم التبادل التجاري بينها وبين الدول العربية (190) مليار دولار عام 2010. فيما تجاوزت قيمة استثمارات الصين الفعلية في الدول العربية (15) مليار دولار، كما أن الاستثمارات في مجال إنتاج الآلات والأجهزة المنزلية الكهربائية وتجميع السيارات وغيرها من المجالات لا تزال تنمو باستمرار.
وخلاصة القول، وكما تشير كل المعطيات المتوفرة، إن الصين تدرك تمامًا بأن هناك عملية صراع مكشوفة تقودها الولايات المتحدة في المنطقة من أجل إعادة ترتيبها واستغلال مشاعر الناس ومطالبها المحقة. في الوقت الذي تشدد فيه بكين على ضرورة التفتيش والبحث عن مخارج الحلول بروح ترفض تكرار النموذج الليبي أو الاستقواء بالخارج، أو دفع الأمور باتجاه التدخل العسكري. كما في ضرورة الإسراع بتحقيق نقلات نوعية إيجابية في حياة ومستقبل الشعب السوري.

علي بدوان
كاتب فلسطيني ـ دمشق
عضو اتحاد الكتاب العرب

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر