الراصد القديم

2011/11/14

إسرائيل، وحمار الجار !



د. عادل محمد عايش الأسطل

على الرغم من أن التقرير الدوري الربع سنوي للوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) الذي صدر (الثلاثاء 8/11/2011) لا يثبت بشكل قاطع بأن إيران تطور أسلحة نووية، لكن تم تضمينه كمية من المعلومات، التي تم إدراجها في ذيل التقرير، بما يكفي للسماح للجهات المعنية وللقارئ أيضاً الاستنتاج، بأن التقرير هو في حد ذاته يمثل مشكلة خطيرة في الشأن النووي الإيراني، فقد كُتب بعناية جيدة، وجمع بشكل منهجي "الحقائق" النووية، لتصبح أساساً هاماً، لتحديد أن يتم التحقق من المعلومات الخطيرة الواردة، وحيثما كان ذلك ممكناً، حين حوى أيضاً مواداً تقنية مفصلة تبين مصداقية المعلومات، بالرغم من اجتناب وفي أغلب الأحيان، الكشف عن المصادر، التي استقى منها التقرير المعلومات التي اعتمدها.

ضمن هذا التقرير، كانت أعربت الوكالة عن "مخاوف جدية" من البرنامج النووي لطهران، من وجود أبعاد عسكرية "محتملة" للبرنامج النووي الإيراني"، مؤكدة أن هذه المخاوف تستند إلى معلومات "جديرة بالثقة" تؤكد أن إيران، أجرت أنشطة وأبحاث وتجارب أخرى، تهدف إلى إنتاج سلاح نووي، حتى قبل عام 2003، في إطار برنامج منظم، وأن بعضها يمكن أن يكون مستمراً، مع ملاحظة أن المخابرات الأمريكية، قد أوردت في تقاريرها في تلك الحقبة بأن إيران، قد ألغت نشاطاتها النووية ولا تحاول حتى الخوض في هذا المضمار.

هذا التقرير وصف بالخطير، خاصةً وأنه أكد لأول مرة أن إيران فى خضّم سباق نووي للأغراض العسكرية وهي قريبة من التوصل إلى القنبلة النووية، الأمر الذي لم يشر إليه البرادعى خلال قترة توليه منصبه الرفيع بالوكالة الذرية، الذي كان محل الاتهام السريع من قبل (إسرائيل)، بالتواطؤ مع إيران، من حيث التستر على أنشطتها النووية، وبأنه كان عميلاً لإيران، خاصة بعدما تبين من خلال هذا التقرير، عكس التقارير التي كانت تصدر عنه، لكن البرادعي نفى تلك التهمة ووصفها بأنها أكاذيب ولا ترقى إلى مستوى التعليق.

وفى السياق نفسه، قالت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، إن تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية يؤكد أن إيران تقوم بتطوير السلاح النووي بصور سرية، وتنقل مواد نووية لخنادق تحت الأرض، وأنها تواصل الكذب أمام المجتمع الدولة فيما يتعلق ببرنامجها النووي. على أن نشر البيانات على قدر هذا الحزم وعلى هذا الشكل – رسمياً- فهي بمثابة مبررات قوية ومهمة جداً في إعطاء شرعية لمطالب الغرب وخاصةً الولايات المتحدة وإسرائيل".

تلقت الولايات المتحدة ما جاء في التقرير، بقليل من القلق، لأنها كما يبدو تعلم وإسرائيل معها بمحتواه، فقد كانت هناك علامات صارخة تدل على ذلك، لكنها في الوقت ذاته أعربت عن مخاوفها، من أن إيران، أصبحت أكبر تهديد للولايات المتحدة، ولم تخفِ نيّتها الابتدائية، استخدام تقرير الوكالة، لتشديد العقوبات المفروضة على إيران، ومحاولة إقناع كل من موسكو وبكين، بتشديد العقوبات المفروضة، بموجب أربعة قرارات الأمم المتحدة منذ 2007، على ألاّ تشمل قطاعي النفط والغاز ولا البنك المركزي الإيراني في تلك المرحلة، خاصةً وأن أوباما بالرغم من أنه يرى أن الملف النووي الإيراني يشكل معضلة اقتصادية للعالم، فهو وإن ذهب إلى فرض عقوبات إضافية، لكنه لا يستطيع فرض عقوبات من شأنها المس بقطاع تصدير النفط الإيراني، نظراً للأزمة المالية العالمية التي تحكم ذلك.

وأيضاً توالت ردود الفعل من الدول المختلفة، وخاصة دول "الترويكا الأوروبية" حيث تواصلت الرسائل الحادة ضد إيران، التي تتطلب فرض عقوبات إضافية عليها، فقد أصدرت الحكومة الألمانية في بيان رسمي، نص على أن النتائج التي توصل إليها تقرير الوكالة مقلقة للغاية. خاصةً وأنها منذ فترة طويلة كانت قلقة بشأن البرنامج النووي الإيراني، وقال المتحدث باسم الحكومة البريطانية:"إن محتويات التقرير، بطبيعته، يزيد من حدة هذه المخاوف.

وأيضاً فرنسا التي اعتمدت موقفاً متشدداً ضد إيران. في تصريحات لوزير الخارجية "آلان جوبيه"، الذي طالب بأن تكون العقوبات المفروضة "على نطاق لم يسبق له مثيل، إذا رفضت إيران، الوفاء بالتزاماتها تجاه المجتمع الدولي، ودعا إلى مناقشة خاصة في مجلس الأمن، حول هذا الموضوع. بحجة أن الوضع القائم يشكل تهديداً، وفرنسا لا نستطيع قبول ذلك".

وبدت الحالة البريطانية أشد قسوة، حيث أن الحكومة البريطانية أبدت انزعاجها، وأبدت تفهماً أيضاً، بعزم إسرائيل استهداف المنشآت النووية الإيرانية "عاجلاً وليس آجلا" وبدعم لوجيستي من الولايات المتحدة.

على النقيض من تلك المواقف، خرجت روسيا الاتحادية بانتقاد الذين اندفعوا باتجاه التقرير، الذي اتهم طهران بالسعي إلى امتلاك أسلحة نووية، وأعربت عن خيبة أملها من صدوره، وبعدم فهمه لكونه تقرير الوكالة بشان إيران، الذي قيل وكتب عنه الكثير خلال الأيام الماضية، تحول إلى مصدر جديد لتصاعد التوترات حول القضايا المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني".

ولهذا ترى أن أي فرض مزيد من العقوبات ضد إيران من شأنه الإضرار بالعلاقات الدولية وربما إحداث خلخلة في عموم الدولة الإيرانية، من غير مبرر، وهذا النهج غير مقبول بالنسبة لروسيا، وكان وزير الخارجية الروسي "سيرغي لافروف" هاجم بشدة الدول المطالبة بالعقوبات، واتهم الوكالة الدولية للطاقة، بمحاولة تقويض الحل الدبلوماسي للازمة مع إيران.

وكانت بكين، كما هو الحال الروسي، التي تستبعد اللجوء إلى فرض أية عقوبات، لأن هناك لا يزال متسعٌ من الوقت لإيجاد حلول سلمية.

في حين ساد صمت رسمي في "إسرائيل" – صاحبة الشأن- بعد تقرير وكالة الطاقة الذرية، حيث ذكرت صحيفة "هاآرتس" الإسرائيلية إن إسرائيل "تنتظر تقييم رد العالم على تقرير الوكالة ولا تريد الظهور على أنها العنصر المحرك للأسرة الدولية". خاصةً وأن (إسرائيل) متهمة بضلوعها في تلقين من كتبوا التقرير من خلال المعلومات التي جمعتها في السنوات الأخيرة ونقلتها إلى دول أخرى".

وكان رفض مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتانياهو" التعليق على التقرير، واكتفى مسئول في مكتب رئاسة الوزراء بالقول "ندرس التقرير". وقالت إذاعة الجيش الإسرائيلي إن نتانياهو أصدر توجيهات إلى وزرائه برفض إجراء أية مقابلات، وأوضحت أن إسرائيل طالبت من جانبها بفرض العقوبات الشديدة والفورية، على إيران دون أي تأخير.

أيضاً أشار رئيس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع بالكنيست اللجنة، عضو الكنيست شاؤول موفاز (كاديما)، إلى أن هذا التقرير يمثل فرصة لتشديد حملة العالم الحر الدولية التي تقودها الولايات المتحدة، لاتخاذ الإجراءات اللازمة، لتغيير اتجاه إيران، لأن ذلك الأمر ليس حصراً على الجانب الإسرائيلي فقط". بينما قالت زعيمة المعارضة الإسرائيلية "تسيبي ليفني" (كاديما):" إنه الآن وبعد أن وضعت الحقيقة أمام العالم، يجب على إسرائيل أن تجند العالم الحر لوقف إيران".

ومن جانبه قال الرئيس الإسرائيلي "شمعون بيريس" إن الخيار العسكري لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية أصبح أقرب، وقال أحد هؤلاء المسئولين إن كل القضية هي معرفة ما إذا كانت الدول الغربية ستفي على أساس هذا التقرير المفصل، بالتزاماتها بعدم السماح لإيران بامتلاك السلاح الذري عبر فرض عقوبات أقسى بكثير".

ومن ناحيةٍ أخرى كان للجانب الديني نصيب، الذي مثلته الحاخامية الكبرى، حين قررت إيفاد كبار الحاخامات برئاسة الحاخام "يونا ميتزجر" إلى الفاتيكان لمقابلة البابا "بنديكت 16" بهدف كسر صمت الكنيسة، إزاء تزايد المخاوف بشأن القنبلة النووية الإيرانية، وعن تهديدات الرئيس الإيراني "نجاد"، والتحدث بوضوح عن التهديد النووي الإيراني للسلم الدولي.

ويذكر أن هذه هي المرة الثانية التي تلجأ فيها(إسرائيل) لإشراك البابا في أوقات الشدة، ففي سبتمبر 2005، وبعد عدة أشهر من انتخابه رئيساً للفاتيكان، لجأ إليه "ميتزجر" للإعراب عن قلقه بعد حرق الكنس اليهودية المخلاة في "غوش قطيف"، بعد فك الارتباط مع قطاع غزة.

في أول رد فعل إيراني قال الرئيس الإيراني" نجاد": إن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تنشر تقارير يقدمها المسئولون الأمريكيون"، واعتبر الرئيس "نجاد" تقرير الوكالة، الذي احتوى على هذه المخاوف، بأنه عملاً أمريكياً مفبركاً، لأنها تخشى القوة العسكرية الإيرانية المتصاعدة لقدرتها على منافسة إسرائيل والغرب. خاصةً وأن إيران تزداد قدرة وتطوراً، حيث استطاعت أن تدخل في طور المنافسة العالمية، وباتت (إسرائيل) والغرب، يخشون قدرة إيران ودورها، ولذا يحاولون حشد العالم لعملية عسكرية لإيقاف دورها المتنامي.

وكان "نجاد" اتهم واشنطن بحياكة مؤامرات لتشويه سمعة إيران وبث الخلاف مع أطرافاً عربية وإسلامية وخاصةً السعودية. واتهم رئيس الوكالة "يوكيا أمانو" بأنه ينتهك قوانين الوكالة، ووصفه بالدمية الأمريكية".

وأعلن بالرغم مما جاء في التقرير:"إن إيران لن تتراجع قيد أنملة عن الطريق التي سلكتها بشأن برنامجها النووي، وأكد مرة جديدة أن إيران "ليست بحاجة إلى القنبلة النووية"، ولكنه قال:" إن نهاية إسرائيل أمر حتمي.

وبطبيعة الحال، كان هدد مساعد رئيس هيئة أركان القوات الإيرانية الجنرال مسعود جزايري أنه "في حال قيام إسرائيل بأدنى تحرك ضد إيران، سنشهد تدمير مفاعل ديمونا النووي الإسرائيلي"، مضيفاً "لدينا قدرات أكبر" من ذلك، وتابع: "أن ردنا على أي هجوم لن يقتصر على الشرق الأوسط، بل لدينا مخططات جاهزة للتحرك" من دون مزيد من التوضيحات.

وأكد تلك التصريحات موقع "ديبكا" الإسرائيلي، عن الخبير الإيراني والمقرب من القيادات الدينية والعسكرية في طهران "سعد الله زاريا" الذي ألمح عن صورة تدور عن قوة إيرانية نووية ولأول مرة، تتمثل في صاروخ نووي موجه من نوع Kh-55، ويحمل رأساً نوويا بقوة 200 كيلو طن لردع إسرائيل، عن التفكير بضرب إيران، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة وإسرائيل، تأخذان تهديدات إيران بمسح إسرائيل عن الوجود على محمل الجد. بعد أن نشرت وكالة فارس للأنباء الإيرانية تهديداً هو الأول من نوعه أيضاً، وبمقتضاه أن إيران سوف تبيد إسرائيل بواسطة 4 صواريخ فقط. كانت إيران ابتاعتها منذ العام 2005 من السوق السوداء، إضافةً إلى 18 صاروخاً نووياً من أوكرانيا و3- 5 قنابل نووية من بيلاروسيا.

وكانت أعلنت "BCC" البريطانية في 18 مارس/آذار عام 2005، نقلاً عن مصادر في مكتب الادعاء الأوكراني العام، أنه تم تهريب سلاح نووي أوكراني إلى إيران، متمثلاً في صواريخ "Kh-55"، والمعروفة أيضاً باسم "X-55s", والتي يبلغ مداها 2500 كم، يمكن لأي طائرة إيرانية عسكرية أن تطلقه علما أن المسافة من أطرف الأراضي الإيرانية لفلسطين هي 1200 كم فقط، حيث أن هذه الصواريخ تستطيع أن تحمل 200 كيلو طن نووي.

ورغم التخوفات الإسرائيلية والأمريكية، من جدية التهديدات الإيرانية، وبالرغم أيضاً من أن مصادر إسرائيلية عالية المستوى، تؤكد استبعاد فكرة الحرب، إلاّ أن شبح الحرب لم يغب تماماً عن المنطقة، لكن كما يقول موقع "ديبكا"، إن إسرائيل تفكر في تأجيل الهجوم على إيران عدة أسابيع أخرى، أو حتى إلى ما بعد أعياد الميلاد، ليتسنَ التنسيق مع الدعم اللوجيستي الأمريكي على الأقل، ولكنها ستبقي على حالة متواصلة من التدريبات والمناورات العسكرية الضخمة التي تشمل الجبهتين الداخلية والخارجية، التي تحاكي الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية وسواء تم ذلك بمفردها أو بمشاركة دول أخرى.

وبعد كل ما جاء في السياق فالسؤال المطروح الآن، هو ما إذا كان هذا التقرير سيؤدي إلى اتفاق جميع الدول الذي ينغصها ملف إيران النووي، وخصوصاً دول مجلس الأمن، من حيث الاقتناع بما جاءت به وكالة الطاقة، ومن ثم اللجوء إلى توحيد نشاطاتها لوقف التطوير النووي في إيران؟ وفيما إذا كان بإمكان إسرائيل، أن تأخذ على عاتقها من مهاجمة إيران؟

لا شك فإن الجواب على الشق الأول، هو على الأرجح سلبي، خاصةً حين بدا من تسليم وزير الحرب"إيهود باراك" حين قال:" سيكون من الصعب تشكيل تحالف عالمي ضد إيران".

وليس هناك شك في أن روسيا التي نعرف بالضبط تفاصيل أنشطة إيران، وكذلك الصين التي لم تقتنع بعد بعسكرة إيران لبرنامجها النووي من جهة، ولا باللجوء إلى استخدام الخيار العسكري ضدها من جهةٍ أخرى، وأمّا بالنسبة للشق الثاني فهو الأصعب، ذلك لأن (إسرائيل) اعتادت الصراخ والكثير من الصراخ، بخصوص هذا الموضوع، وهي تعلم تماماً أن مسألة مهاجمة إيران هي عبارة عن مقامرة، إسرائيل نفسها ستكون الخاسرة في كلا الحالين، ففي حالة مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية، وإن تحققت جميع أهداف الهجوم وهذا أمر مستبعد، فمن ناحية، لن تتضرر إيران كثيراً مما ستخلفه الضربة، لأنها وإن قامت إسرائيل بتنفيذها ستكون حتماً مرتبكة وأكثر اضطراباً، لأن الأقوال غالباً تأتي أسهل من الأفعال، وبالتالي سيزيد الحرص الإيراني، على متابعة البرنامج النووي وعلى نحوٍ أوسع، وبالمقابل فمن غير المعلوم التنبؤ بما ستكون عليه الحال الإسرائيلية، نتيجة ردة الفعل الانتقامية الإيرانية من جهةٍ أخرى.

لا شك أن إسرائيل الآن ترى نفسها في الزاوية، بعدما وضعت نفسها في موضع القادر على التحكم في كل شيء والتصرف كما تشاء، من حيث "كم" الوعيد والتهديد، اللذين مافتئت تصرخ بهما طوال الوقت، وما يدور حول "كيفية" التعامل مع هذا الملف الشائك، من حيث إعداد الخطط والسيناريوهات العديدة، والتي تختلف تباعاً نظراً للحال والموقف والمناخات السياسية الدولية، والإجراءات المتبعة على الأرض، ومن هنا فلربما وهو الحال الأقرب ستكتفي (إسرائيل) بعدم مغادرة المكان، بعد أن سمح لها تقرير الوكالة الذرية للطاقة بأن تقوم بتنفيذ تهديداتها، كما كانت تعلن في كل زمان ومكان، ومن ثم سيكون حالها كما حال حمار الجار، الذي يعلو نهيقه، ويكثر رفصه ودفسه، ما دام موثقاً، فإذا ما حلّوه لم يفارق مربضه، ومن ثم ينتبه إلى معلفه.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر