الراصد القديم

2011/11/29

بغداد – دمشق : الموقف الملتبس!


يعيش العراق حالة تخبط محرج إزاء الموقف من سوريا. والحرج يأتي من تناقض سلسة من المواقف والتصريحات التي لا تليق بدولة مؤسسات تستند على سياقات ديمقراطية وشفافة، ولا تتسق مع فلسفة دولة خرجت من عهد نظام شمولي، وتتغنى بقيام دولة القانون والحريات.

واللافت في تخبط بغداد ما كشفه الموقف الرسمي المعبّر عنه لدى الجامعة العربية من خلال الإمتناع عن التصويت لصالح قرار تعليق عضوية سوريا. ورفض التصويت جاء في محاولة لمسك العصا من الوسط ما بين التأقلم مع رغبة الأغلبية العربية في تعليق عضوية دمشق، وقرار لبنان واليمن برفض هذا القرار. ووسطية بغداد لم ترق للعرب كما لم ترق لدمشق في الوقت عينه، فجاء الموقف العراقي عليلا وضعيفا ودون معنى يذكر لكافة الأطراف.

على ان تحفظ بغداد في موضوع تعليق العضوية او موضوع فرض عقوبات اقتصادية، يتناقض مع حملات عراقية سابقة شُنت رسميا من قبل الحكومة ورئيسها نوري المالكي، ومن قبل اغلب التيارات السياسية في العراق، ضد ما اسموه مسؤولية دمشق في استضافة قيادات البعث المسؤولة عن عمليات الارهاب التي يتعرض لها العراق حسب زعمهم. حتى أن بغداد إعتبرت أن مصدر العلة العراقية الوحيد هو دمشق.

وقاد الغضب العراقي آنذاك الى شبه قطيعة بين البلدين، لم تخف وطأتها، إلا بتدخل إيراني، دفع المالكي الحريص على الإحتفاظ بمنصبه لرئاسة الحكومة، إلى زيارة دمشق من جديد والإجتماع بالرئيس السوري لطي صفحة متوترة وفتح أخرى برعاية طهران وضمانتها. بيد أن التسوية لم تغير من موقف دمشق إزاء العملية السياسية من حيث دعمها المعلن والمضمر لتيارات وقيادات تمثل النظام العراقي السابق.

بالمحصلة لا يملك العراق الرسمي حججا ومسوغات تقنع العامة بتبدل المزاج الدمشقي على النحو الذي ترتاح له بغداد. ولذلك يستغرب المراقبون إنقلاب موقف المالكي، والذهاب بعيداً في الدعم السياسي والدبلوماسي للنظام السوري (ناهيك عن معلومات غير رسمية تتحدث عن دعم لوجيستي ومالي). البعض يعتبر أن لموقف المالكي والتحالف الشيعي محفزات طائفية، فيما يلاحظ بعض آخر أن نفوذا إيرانيا يدفع بغداد إلى مواقف لا شك تصطدم مع طبيعة الإئتلاف الحاكم وفسيفساء المجتمع والسياسة في العراق.

وفيما تتهم أوساط المعارضة السورية حزب الله في لبنان والتيار الصدري في العراق بإرسال مقاتلين لدعم دمشق، يطلق زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر سلسلة من التصريحات الداعمة للرئيس السوري بإعتباره "معارض للوجود الأميركي والإسرائيلي". ويصب جام غضبه على الجامعة العربية وجنوحها نحو تسليم الأمر السوري إلى المجتمع الدولي. وموقف الصدر يتفق مع رؤية طهران لدور النظام السوري، لا سيما في سياق الإنسحاب الأميركي من العراق.

على أن إلتباس الموقف العراقي يأتي من مفارقة دعم حكومة المالكي لنظام البعث في سوريا، في وقت شهدت البلاد موجة إعتقالات طالت كوادر البعث في مجموعة من القطاعات العسكرية والمدنية في العراق (تصريحات لاذعة لميسون دملوجي المتحدثة باسم القائمة العراقية التي يرأسها اياد علاوي في هذا الشأن). كما يأتي الإلتباس من تحذير الحكومة العراقية (على لسان الناطق بإسمها علي الدباغ) من خطورة تدويل الأزمة قبل أن تحذر تصريحات الرئيس طالباني مؤخرا من أي تدخل أجنبي. والمفارقة العراقية مصدرها قيام النظام العراقي الحالي على انقاض نظام البعث المُدافع عنه في سوريا، ومن خلال تدخل خارجي مباشر وسافر.

سوريا مرتاحة لموقف لبنان كما لموقف العراق من حيث عدم إلتزام البلدين بأي عقوبات دولية أو عربية تفرض على النظام في دمشق. العراق الرسمي، على لسان الرئيس جلال طالباني متخوف من بديل متطرف "يعادي الديمقراطية، ويعادي العراق الديمقراطي ويعادي المغزى الحقيقي للربيع العربي". بيد ان المراقبين يتساءلون عن موقف العراق السابق الذي اتهم النظام السوري بمعاداه الديمقراطية العراقية، وعما اذا كان الموقف العراقي من سوريا سيبقى ملتبسا شكاكا ايا كان شكل الحكم في دمشق.

ولا بأس من التذكير بأن العراق دولة أكبر وأقوى من سوريا بالمعايير الديمغرافية والإقتصادية وربما الجيو سياسية أيضا. ورغم ذلك، يتصرف العراق الحالي وكأنه دولة صغرى تتأثر بكسل بمزاجيات أهل الجوار. وحتى في حال الإقرار بأن مصالح العراق كجار لسوريا (شأنه في ذلك يجب أن يكون شأن دولة إقليمية كبرى كتركيا) تستوجب إدارة حذرة للملف السوري، غير أن بغداد، وتحت شعار الحياد وعدم التدخل في شؤون الغير، إمتنعت عن رفع أي مبادرة أو تحرك دبلوماسي يليق بدور العراق المفصلي والتاريخي في المنطقة العربية.

وفي مسلمة عدم امتلاك لبنان لاستقلالية يتيح له اخراج موقف متميز عن الموقفين السوري والايراني، فإن حجم العراق يتيح له، لا شك، ورغم تعقد راهنه وارتباك استحقاقاته، انتاج هامش من المناورة يسمح بانتهاج سياسة لا تعادي الموقف الايراني، بل بالعكس يمكن ان يكون وسيطا وضروريا لطهران كما لدمشق.

على أن الموقف العراقي قد يفسر بأنه استسلام كامل للسياسة الايرانية وانصياع لرغبات طهران، وابتعاد عن واشنطن وعن مسعى رئيسها باراك أوباما الذي يسعى إلى ضم دول إسلامية حليفة إلى حملته من اجل عزل الرئيس السوري بشار الأسد (كما لاحظت الواشنطن بوست). كما ان الموقف العراقي يؤكد الميل نحو تطوير العلاقة مع ايران على حساب العلاقة مع المحيط العربي، لا سيما دول مجلس التعاون الخليجي.

يكتشف العراقيون اليوم عبث التبرؤ من المحيط العربي والابتعاد عن مسالكه. فالربيع العربي يدور على حدودهم، يعيد اقتراح شعارات ومشاريع لطالما ادعى النظام العراقي الجديد انه عرابها ورأس الحربة الاول للتغيير القادم في المنطقة. وربما أن الأستحقاق السوري وتداعياته المقبلة سيعيد تشكيل الوعي العراقي بما يتسق مع المناخ السائد في المنطقة عامة ولدى الجار السوري خاصة.

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر