الراصد القديم

2011/11/26

وليد جنبلاط يعود من غربته



لم يكن النائب وليد جنبلاط نفسه.
كان قد عاد ليستخدم مفردات جهد في السنوات الأخيرة في تسفيه ما اتخذته من معانٍ في تاريخنا، من «العروبة» التي لطالما استخدمت كأحد أهم مبررات اللاديموقراطية، إلى «اليمين اللبناني» الذي اقتصر، ظلماً، على القوى المسيحية.. إلى آخر ما على اللائحة مما نعرفه ونحفظه جميعاً.
وهو، مذ قرر العودة إلى الشام، بدا مُحبطاً ومُرهقاً وضَجِراً، يحشر حشراً ألفاظاً في غير محلها من لغة زعيم تحررت وتطورت، ولم تعد قادرة على مجاراة صاحبها بالارتداد إلى ما كان يقول عنها «اللغة الخشبية».
كان مضطراً، ولم يخفِ هذا الاضطرار. بل إنه، في إصراره على إخراج كل هذا الخشب من القواميس البالية، بدا كمن يطلب من ناسه أن يسمعوه وألا يصدقوه. وبلغ اغترابه عن ذاته أشد مبلغ، وهو يستبدل الاسم الرقيق والمدني لـ«اللقاء الديموقراطي»، بـ«جبهة النضال الوطني»، التي تدل إلى تشكيل محارب يليق بستينيات لبنان وسبعينياته، أكثر مما تدل إلى نواب العام 2011، تماماً كما تدل إلى زمن كمال جنبلاط وتاريخه أكثر مما تدل إلى زمن ابنه وحاضره.
«النضال» مفردة أخرى أحتاج إليها وإرث أشد الزعامات تقليدية، وهو يجد نفسه، يوماً بعد يوم، أقرب ما يكون، في مفاهيمه السياسية وفي تراكم ثقافته، إلى حداثة أوروبية يحلم فيها لحزبه أن يكون كأحزاب أوروبا الاشتراكية، ولبلده، كما لمحيطه العربي أن ينعم بديموقراطيات تلك البلاد البعيدة.. وبأنواع عدالتها.
في لغته المستعادة بعد طول انقطاع، لم يكن مُقنعاً لأنه لم يكن مقتنعاً بما يقول، بعد انعتاق صعب من الازدواجية بين الرغبات السياسية المضمرة، والمواقف المعلنة بسبب الضرورة. وكانت الاستعادة صعبة، لأنه لمّا تحرّر وصل إلى أبهى أيام زعامته التي فاضت، للمرة الأولى في تاريخه، عن حدود طائفته، لتشمل طوائف 14 آذار الأخرى، هذا قبل أن يقول المنطق الطائفي قوله بأن الزعامة توكل بالإعارة لفترة لكنها لا تعقد إلا لمن له غلبة الكثرة.
حينذاك، لم يحوّل طائفته عن مجرى لم تكن مستعدة للتحول عنه، بل تلاقى الابن والأم في أن فرصة الانسلاخ عن النظام السوري أتت، وقد لا تتكرر. وخلف ابنها مشت الأم، بعقلها كما بقلبها، وظلت في كل لحظة مستعدة للقتال من أجله في كل خياراته التي راح يرسخها فيها.
لكن موازين الصراع المحلي و«ألعاب الأمم» راحت تميل لغير كفته، وصارت هواجسه كلها تكبر، من عبء زعامة البيت، إلى همّ الحفاظ على الطائفة، إلى القلق الأول والأخير لديه على سلم أهلي يعلم بنتيجة التجربة والخبرة، وليس الإنشاء، أنه مقدس، لأن بديله كان وسيكون مثل السابع من أيار.
ظن أن طائفته الصغيرة لا تحمل أثقال الطوائف «العظمى» في البلاد، ويمكنه حملها والاستدارة بها بسرعة، معوّلاً على عقلها وعلى تفهمها لظروف خوفه عليها وعلى أنها ستؤمن بأنه الادرى بشعابها. وأصرّ على الذهاب إلى النهاية التي يقف عندها الرئيس السوري، وقال في حينها إنه عاد أخيراً من الغربة المقيتة، بينما كان يذهب في غربتين مقيتتين معاً، أولاهما عن المنظومة السياسية المتكاملة التي بات يؤمن بها، وثانيتهما عن طائفته، التي لم تتخل عنه قط، لكنها هذه المرة تركته يذهب إلى حيث يريد، لكن وحده.
زعامة الطائفة، وحداثة الفكر السياسي، ازدواجية أخرى يقع فيها وليد جنبلاط. السياسي النادر في الحياة السياسية، الذي يجرؤ على التطور، والذي يعتبر الثبات على الموقف جموداً يقارب حد البلاهة، يجد نفسه مضطراً دائماً إلى الارتداد إلى الخلف، والقفز إلى الأمام والاستدارة حول نفسه، لضرورات تجذبه إليها مهما حاول الانفلات منها. غير أنه، وبينما تجربته السياسية تتجذر، يصير أقل حماسة لتبرير تحولاته، وهو يعلم أن الجميع يعلم أنه ليس مقتنعاً لا بما يقول ولا بما يفعل وأنه يتعمد الفصل بين الرغبة في الشيء وعدم القدرة على تنفيذها.
لكن جنبلاط لا يعود يبحث عن تبرير وهو يحكي قناعاته التي رجع إليها ورجعت إليه. لم تدم غربته طويلاً. أزمة النظام السوري بدت نافذة للهروب من علاقة شبه مستحيلة، حتى قسريتها لن تنفع في إحيائها.
ووليد جنبلاط يرجع هذه المرة إلى نفسه اولاً، وإلى حضن طائفته التي كانت جالسة بصبر الأم وصمتها العميقين، تنتظر عودة ابنها من تغرّبه.



جهاد بزي -السفي

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر