الراصد القديم

2011/11/06

الاعتداء على المصطلحات التراثية


يتسابق كثيرٌ من نقَّادنا - من أجل ادِّعاء الحَدَاثة، والإيهام بالمعاصرة - إلى الخروج على كل مألوف، حتَّى في المصطلحات وفي التسميات الشائعة المتداولة، التي رسخت واكتسبت - بمرور الزمن - دلالاتٍ واضحةً، وتعريفاتٍ محددةً.
إنَّ كثيرًا من مصطلحاتنا التُّراثية الأدبية والنقديَّة يُرمَى بها اليوم في سلَّة المهملات، أو يُعتدى عليْها بتغيير أسمائها.
المخاطَب لم يَعُدْ مخاطبًا، صار اسمه الجديد: "مُتَلَقِّيًا"، أو "مُرْسَلاً إليه"، أو "مستقبلاً"، والنصُّ لم يعد اسمه نصًّا، صار اسمه الجديد: "رسالة"، أو "خطابًا"، والحال لم يعد حالاً، صار "ظرفًا"، أو "موقفًا"، واللفظ والمعنى، أو الشكل والمضمون صارا "الدالَّ والمدلول"، والسَّرقات الأدبية التي يندرج تحتها - بحسب طبيعتها - ما يقارب العشرين نوعًا؛ كالانتحال، والنسخ، والإغارة، والمسْخ، والإلمام، والنقل، والقلب، وما شاكل ذلك، تختزل كلها في مصطلح حديث يسمَّى: "التناصّ"، وقُلْ مثل ذلك عن القاعدة التي يُراد لها أن تتحدَّث هي كذلك، فتتسمَّى بـ "الشفرة" أو "الكود".
ولو أنَّ لهذه المسميات الجديدة - التي سُقْنا منها غيضًا من فيض - مدلولاتٍ جديدةً، لهان الخطب؛ ولكنَّه غرام بمخالفة ما عُرِف، وعشق للإغراب والإبهار، والخروج على ما أُلِف، وكأن ذلك غاية في حد ذاته، حتى اختلطت المفاهيم، وتميَّعت المسميات، وبدأت كثير من الألفاظ والعبارات تفقد مدلولاتها وراء هذا الجرْي اللاهث خلف تجديد موهوم، ليس له - في حقيقة الأمر - من جوهر التجديد سوى إحلال اسم محل اسم، واستبدال مصطلح بمصطلح.
والأدهى من ذلك كله: أنَّ كثيرًا من هذه المُسمَّيات "الحداثية" فيها من الغرابة والهجانة، وسوء النحت والتركيب ما تتبرَّأ منه الأسماع، وما يمُجُّه الذوق العربي، وما تنفر منه قواعد اللغة العربية وأبنيتها النحوية والصرفية.
إنَّ من أبسط قواعد الوفاء وأوْلاها الوفاءَ للآباء والتراث، وإنَّ من هذا الوفاء أن نُحافظ على أسماء المصطلحات التي سبقونا إليْها وأصَّلوها لنا، وشاعت في ثقافتنا، واكتسبت دلالات واضحة مقرَّرة، وإنَّه لمن الجحود والنكران اللذَين لا يعدلُهما جحود ولا نكران أن نُغِير على ما صنعوا، ثم لا يكون لنا من حظ إلا تغيير اسمه، تمامًا مثلما يفعل اللصوص عندما يسرقون شيئًا، ثم يغيِّرون ملامحه حتى لا يفتضح أمرهم.
ماذا في كثير من مصطلحاتنا التراثية في الأدب والنقد، واللغة وغير ذلك من المعارف حتى نغيِّرها، ونستبدل بها غيرها؟
أليس الاسم جزءًا من صميم صاحبه؟ وهل يغيِّر أحد اسمَه لمجرد التجديد والتحديث فحسب؟ وهل التجديد في الاسم أو في المحتوى؟؟؟؟؟؟؟
ثم أليس من البدهي الذي لا يخفى على أحد: أن المصطلح - وإن لم يكن مطابقًا لمحتواه مائة بالمائة - إنَّما يكتسب الدلالة الواضحة المحدَّدة من خلال الاستعمال، ومن خلال تداول الناس له؟
إنَّ التجديد الحقيقي هو ابتداع الجديد لفظًا ومعنى، ظاهرًا وباطنًا، وأمَّا تغيير اسم القديم فحسب، فليس بجديد؛ بل هو فوضى وتبديد، وهو كذلك اعتِداء على حقوق الغير، وإذا كان هذا "الغير" عمَّ آباءنا وأجدادنا، صار الاعتداء جريمة، وصار الفعل أقبح وأشنع.
لقد اعترف بعض الدارسين المحدثين المشتغلين بالنقد الأسلوبي الحديث، أنَّ أدواتهم البحثية لا تفترق عن أدوات التراث العربي إلا في الأسماء فقط.
يقول الدكتور محمد عبدالمطلب في كتابه "هكذا تكلم النص":
تأكد لي "كفاءة الأدوات البلاغية التراثية، وصلاحيتها للتعامل مع الظواهر الحداثية؛ بل تأكد لي أنَّ كثيرًا من الدارسين الأسلوبيين والبنيويين لا تفترِق أدواتُهم عن الأدوات القديمة؛ إلا في المسمَّيات فحسب، مع إعطاء هذه الأدوات طاقةً شمولية بجانب إجراءاتها الجزئية"[1].
فإذا كان ذلك كذلك، فلماذا نُعرِض عن مصطلحاتنا التراثية التي وضعها أفذاذٌ من علمائنا القدماء، فاستقرَّت، واكتسبتْ مدلولاتٍ واضحةً عند الناس، إلى هذه المصطلحات الجديدة التي ينحتها كل ناقد اليوم على هواه؟!
إنَّ هنالك اليومَ فوضى واضحةً في استِعْمال المصطلحات النقدية، وتفاوتًا يصل إلى حدّ التضارب أحيانًا كثيرة، ومرجع ذلك - من أحد الوجوه - إلى تجاهُل المألوف الموروث بحجَّة التجديد والتحديث، وكأنَّ هذا التحديث لا يقوم - كما وَقَر في وهم قوم من بني جلدتنا - إلا على الخروج على كل ما سلف، وإن كان أسماءً ومصطلحاتٍ.
ـــــــــــــــــ
[1] هكذا تكلم النص/ د . محمد عبدالمطلب: ص 7 "الهيئة المصرية العامة للكتاب": 1997م.
\ د. وليد قصّاب

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر