الراصد القديم

2011/11/21

الموقف الروسي من الصحوة العربية


الموقف الروسي من ثورات الربيع العربي، يدعو إلى الاستغراب والتساؤل لدي بعض المتابعين للشأن الروسي ولكننا نعتقد ان لا جديد في هذا الموقف، فقد وقفت روسيا دائما، منذ العهد السوفييتي البائد، كما تقف اليوم مع الأنظمة العربية الشمولية وتدافع عن الحكام العرب الطغاة.

وهذا الموقف ناجم عن جملة عوامل داخلية وخارجية (صفقات الأسلحة، عقود الطاقة، النظام العالمي الجديد، الأقليات الأثنية والدينية في الاتحاد الروسي ومدى تأثرها بالأوضاع في الدول المجاورة لروسيا).

ولكنني اود التطرق إلى عامل مهم آخر لم يلتفت اليه المتابعون للعلاقات العربية – الروسية، وهو نظرة الأنظمة الحاكمة المتعاقبة في روسيا إلى شعوب البلدان القريبة من حدود روسيا الجنوبية.

فرغم مرور 95 عاما على سقوط النظام القيصري في روسيا وبصرف النظر عن تبدل شكل وطبيعة النظام الحاكم فيها أكثر من مرة، الا ان أمرا واحدا ظل كما كان في العهد القيصري وهو النظرة الاستعلائية الروسية إلى شعوب الشرق عموما والشعوب العربية خصوصا.

ونظام فلاديمير بوتين لا يختلف عن الأنظمة الحاكمة السابقة في هذه النظرة، التي لم تكن مقبولة في يوم من الأيام ومرفوضة تماما في عصرنا الراهن.

نظام بوتين (السوفييتي الجديد) المغلف بديكور ديمقراطي تجند وسائل اعلامها – وهو اعلام سائر في ركاب السلطة عموما - لتجميل الوجه القبيح للأنظمة العربية القمعية. نظام بوتين لا يحسب حسابا للشعوب العربية الثائرة ويحاول تصوير الثوار كأنهم مجاميع من الرعاع السلفيين وأن الشعوب العربية ان هي الا قبائل بدوية وطوائف متناحرة والثوار تحركهم أحزاب وتنظيمات جهادية، تحاول انتزاع السلطة من "أنظمة شرعية" بالعنف والإرهاب والاستعانة بالأجنبي.

وسائل الأعلام الروسية امتدحت طوال الشهور الماضية نظام القذافي قبل وبعد سقوطه وتصف دكتاتور ليبيا بأنه بطل قلما يجود به الزمن، عاش وقاتل بشرف وشجاعة نادرة حتى آخر لحظة في حياته كالفرسان النبلاء. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تعيد هذه الوسائل، المرة تلو المرة، نشر المقابلات التي تجريها مع "ممرضات" القذافي اللواتي يذرفن الدموع على الدولارات الضائعة نتيجة لاضطرارهن العودة إلى بلادهن وحرمانهن من هدايا بابا قذافي الثمينة..!

وتقول يلينا سابونينا: "ان نظام القذافي كان نظاما شعبيا وديمقراطيا حيث كانت القرارات المصيرية تتخذ من قبل اللجان الشعبية وكذلك المصادقة على خطط التنمية والموازنة العامة." وتضيف دون ان يرف لها جفن "ان القذافي وفر للشعب الليبي كل شيء بالمجان (الماء والكهرباء والتعليم والخدمات الصحية. وقدم منحا وتسهيلات لبناء السكن أو أقتناء السيارات)". وتتساءل: "في أي بلد كان بوسع المرء أن يشتري سبعة لترات من البنزين بدولار واحد في غير ليبيا القذافي.؟ "

أما السياسي المتقلب، زيرينوفسكي، رئيس الحزب الديمقراطي الليبرالي الروسي ونائب رئيس مجلس الدوما (النواب) الروسي الذي أصبح موضع تندر وسخرية الشعب الروسي لتصريحاته الغريبة ومقابلاته الأعلامية المضحكة، فقد أعتبر نظام القذافي مثاليا وأفضل نظام في العالم!

والأعلام الروسي - الذي يدور في فلك النظام - يسهب في هذه الأيام في أبراز الطبيعة القبلية للمجتمع الليبي وفي تضخيم الخلافات القائمة بين مختلف الفصائل المسلحة للثورة الليبية وتعتبر ذلك بداية لحرب أهلية بين الفصائل والقبائل المتنازعة.

ورغم خصوصية كل ثورة عربية واختلاف ظروفها وأسبابها من بلد عربي إلى آخر، الا أن الموقف الروسي الرسمي من ثورات الربيع العربي ظل موقف المتشكك بنوايا الثوار والباحث عن القوى الأجنبية (الغربية) التي تقف وراء التظاهرات العارمة، ويعتبر الناشطين الشباب، من أصحاب المدونات والصفحات الألكترونية وبخاصة في مواقع التواصل الأجتماعي طابورا خامسا يعمل لحساب الأجنبي..

ويرتكب نظام بوتين بهذا الموقف الشاذ عن الإجماع العربي والإقليمي والدولي، أثما لا يغتفر في حق الشعوب العربية وخطئا فادحا في حق روسيا ومصالحها الحيوية، لأن الحكام زائلون والشعوب باقية وسوف يضطر نظام بوتين إلى التعامل مع الأنظمة الثورية العربية الجديدة. ومن مصلحة روسيا معالجة تداعيات موقفها من الربيع العربي بأسرع ما يمكن. ولكن كل الدلائل تشير إلى قصر نظر مستشاري حكومة بوتين من المستعربين والباحثين في معاهد الأبحاث الإستراتيجية الكثيرة الغرباء عن الواقع العربي والذين يزودون الكرملين بتقارير مضللة عن جهل او نتيجة لنظرتهم الدونية إلى شعوب الشرق العربي.، أضافة إلى أن هؤلاء الباحثين والمستعربين ينطلقون في العادة من علاقات التنافس بين العملاقين الأميركي والروسي في تقييم القضايا الخارجية، كل ذلك يجعل أبحاث هؤلاء السادة غير موضوعية، بل غير ذات قيمة في كثير من الأحيان. وصفوة القول ان سياسة الكرملين تجاه الصحوة العربية لا تخدم المصالح الروسية في المنطقة على الأطلاق، بل تلحق بها أبلغ الأضرار..

البعض من متابعي الشأن الروسي يعتقد ان هذا الموقف "مبني أساسا على نهج براغماتي بحت يقيم الوزن لحسابات الربح والخسارة، ولذلك ظهرت موسكو، مستعدة للأعتراف بالثورات دون التخلي عن الأنظمة التي قامت ضدها. "

وهذا القول صائب وخاطئ في آن واحد. صائب، لأن موسكو لا تعرف سوى حسابات الربح والخسارة في تعاملها مع الأنظمة العربية. وخاطئ لسببين. اولهما، أن المواقف الروسية تأتي متأخرة جدا بعد ان تكون الأحداث قد تجاوزتها. وهذا ما حصل بالنسبة إلى موقفها من الثورة الليبية، حيث أعترفت بالمجلس الانتقالي، بعد أن تبين للقاصي والداني السقوط الحتمي لنظام القذافي وكان لهذا الموقف ردود فعل سلبية لدي الشارع العربي عموما والشارع الليبي خصوصا. ويمكن القول ان الموقف الروسي من الثورات العربية وبخاصة الثورتين الليبية والسورية " شكل صدمة لكثير من الشعوب العربية، حين أصطفت موسكو إلى جانب النظم العربية، رافضة للثورة والحرية."

وثانيهما، أن روسيا لم تجن من حساباتها الخاطئة سوي الخسارة.حيث ذهبت المساعدات الاقتصادية والتسليحية الضخمة التي قدمتها إلى الأنظمة العربية القمعية أدراج الرياح، وخسرت في الوقت ذاته تأثيرها ونفوذها في الوطن العربي. أي أن الموقف الروسي لا يمكن وصفه بأي حال من الأحوال بالبراغماتية!

ربما هذه أول مرة بتأريخ العلاقات الروسية – العربية، تطالب فيها بعض الشعوب العربية بمقاطعة موسكو أقتصاديا وسياسيا وعسكريا، بعد أكثر من نصف قرن من التقدير العربي لمواقف روسيا المساندة لقضايا العرب.

وحسب وسائل الأعلام الروسية، فأن موسكو تنتقد الولايات المتحدة والدول الأوروبية وتركيا والدول العربية، بأنها تعد العدة لتغيير النظام في سوريا، وأن هذا التغيير لن يؤدي الا إلى أثارة الحرب الأهلية في هذا البلد. وترى روسيا ان المجتمع الدولي ينبغي ان يضغط أيضا على المعارضة السورية للجلوس وراء مائدة المفاوضات للتوصل إلى حل يرضي الطرفين، أي بعبارة أخري يضمن بقاء بشار الأسد في السلطة. وبذلك فأن روسيا تضع علامة مساواة بين القاتل (نظام بشار) والضحية (الشعب السوري وممثله الشرعي، المجلس الوطني السوري). وتحاول أنقاذ نظام بشارالآيل للسقوط.

ولا شك أن الدعوة الروسية للحوار جاءت متأخرة جدا، فقد فات أوان الدعوات، لأن النظام استخدم الحوار لكسب الوقت وإراقة مزيد من الدماء أملا في قمع الثورة الشعبية، لذا فأن المجلس الوطني السوري الذي يضم معظم القوى المعارضة لنظام الأسد، قد رفض رفضا قاطعا أي حوار مع النظام القائم وطالب بتنحي بشار عن السلطة فورا. وكالعادة لن يطرأ تغيير جوهري على الموقف الروسي الا في وقت جد متأخر، عندما تتيقن موسكو بأن مصير بشار قد صار قاب قوسين او أدنى من مصير القذافي.

نظام بشار فقد شرعيته وأصبح نظاما منبوذا ومحاصرا من قبل المجتمع الدولي وسوف يسقط ان عاجلا أم آجلا، ولا أمل له بالبقاء، مهما حاول وأستنجد بنظام الملالي في طهران وتابعه، حكومة المالكي.

يا لبؤس نظام بشار! لم يتبق له من نصير في هذا العالم الواسع، سوى نظام الملالي في طهران وتابعه المطيع في بغداد.

جودت هوشيار

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر