الراصد القديم

2011/11/24

سقوط « منطق » الممانعة… في لبنان


لم تحصن « الممانعة » النظام السوري من الثورات، كما لم تسعفه نظرية المؤامرة المتداولة في لجم الاعتراض الشعبي وصولا الى المطالبة بإسقاطه. لم تنجح شهادات حسن السلوك الممانع التي تلقاها النظام من بعض حلفائه، الفلسطينيين او اللبنانيين او الإيرانيين، في وقف الانتفاضة الشعبية المستمرة منذ نحو 9 اشهر. في المقابل لم يسلم الواقفون مع « النظام » من حلفائه انه لا يكفي تبني خيار المقاومة لكي تشفع الشعوب لسلطات الاستبداد، استبدادها واحتكارها السلطة، وتحديد الاولويات التي طالما صمدت عند شعار « لاصوت لا يعلو فوق صوت المعركة ».

يحيلنا ذلك الى ان المدافعين عن النظام السوري يدركون، كما النظام نفسه، انه موجود بقوة الاستبداد والنبذ ونفي المشاركة السياسية، وأنه يقوم على قاعدة جوهرية هي اعتبار الديمقراطية فعليا فكرة تخريبية، والأهم: تأليه رأس النظام السياسي او الحزبي، ووضعه في مصاف المقدس الديني والاجتماعي. لذلك ينحو الداعمون له اليوم الى تبجيل سلوكه في مواجهة الأزمة التي يعانيها، لادراكهم العميق – فضلا عن مقولة انه عاجز عن احداث تغيير حقيقي في بنيته – أنّ التغيير، فيما لو تم، لن يكونوا بمنأى عنه.

والتغيير المقصود هنا ليس على صعيد ازدياد الخطر الآتي من صوب اسرائيل او الادارة الاميركية، بل المقصود هو التغيير البنيوي على صعيد مفهوم السلطة. التي يناضل الشعب السوري من اجل صياغة تعريف جديد لها، يحولها من قدر الهي في يد الحاكم، الى أن تكون صنيعة واقعها الاجتماعي والموضوعي والبسيط … بكونها تعبير عن خيارات المواطنين، ايا كانت هذه الخيارات.

حلفاء النظام السوري يعلمون قبل غيرهم معنى هذا التغيير وآثاره، ويدركون انهم، بسقوط النظام، تنكشف الخديعة التي طالما نجحت في تأمين شروط استمرار التسلط باسم الممانعة، ومصادرة الحقوق الفردية والوطنية باسم المقاومة، وتسفيه العقل والوطن باسم التحرير، وتسعير العصبيات باسم الوحدة، وتغوّل المجتمع والدولة باسم الأمن والقائد. وقبل ذلك فضحت علاقتهم المتخلفة بمفهوم القوة، علاقة اختصرت لديها بقوة الزنود والتشبيح.

بالطبع ليس النظام السوري وحيدا في هذا السلوك، ولا حلفاؤه الذين يدفعونه اليوم الى مزيد من هذا السلوك هم ايضا متفرّدون، وان كانوا، للانصاف، يتقنون هذا الدور ويلبسهم اكثر من غيرهم. لكن ادبيات السلوك السياسي السوري يجب الاقرار بأنّها تسربت في لبنان الى الحلفاء والخصوم. فمرحلة الوصاية السورية التي عاشها لبنان لعقود طبعت الحياة السياسية اللبنانية بادبياتها ومفرداتها الى حد كبير. اذ لم يكن لبنان محكوما قبل هذه الوصاية بذهنية خطيرة عنوانها الاعدام او الاغتيال السياسي المعنوي والمادي. فقد كانت القيادة السورية في لبنان معنية، وهي تعيد تركيب او ترتيب التبعية السياسية لها، بأن تقصي كل من يحاول ان يجعل من العلاقة السياسية معها تحالفا أو اختلافا شريفا.

هكذا أسقط « النظام » منظومة العلاقات الامنية السياسية لديه على الحياة السياسية في لبنان، فجعل من التبعية له شرطا للوجود السياسي لاي حزب او مواطن سياسي في لبنان. لذلك يمكن فهم كيف انه أقصى وأبعد سياسيا وماديا عن الحياة العامة في لبنان كل من اختلف معه او حاول ان يكون حليفا وليس تابعا. هذه اللوثة السياسية هي جزء من نظام الاستبداد الامني – السياسي، وهو ما لا يحسن النظام السوري سواه. وقد نجح في نقل العدوى، فعقلية احتكار الطوائف وتسييجها باعتبارها ملكية خاصة هي نتاج عقلية وممارسة النظام السوري لعقود في تسييج لبنان، ومحاولة ادراجه ضمن ملكية النظام الاسدي، وليس سورية.

أما التعدد او التنوع الذي يتغنى به متسيدو الطوائف في لبنان، فهو الاحادية بعينها، ذلك ان معيار التعدد لا يستقيم او يعرّف على انه تعدد طائفي اذا لم يكن واقعا طبيعيا داخل كل طائفة او مذهب. ولعل اي لبناني منصف يمكن ان يلاحظ بسهولة كيف ان الذهنية الاحادية على مستوى الوطن او الطائفة ساهمت في انهاء التنوع السياسي الفعلي في البلد.

المنظومة السورية في السلطة وفي بنيتها تهاوت شرعيتها ولم تعد قادرة على الاستمرار رغم بقاء النظام حتى الآن، وفي لبنان استقتال لمنع التحول الديمقراطي في سورية، ليس دفاعا عن المقاومة بل دفاعا عن الاحادية وذهنية التسلط والتشبيح ومصادرة حقوق المواطنين بالشعارات الكبرى وادعاءات التميّز الكاذب.

حين يسقط « النظام » السوري ستتهاوى الأنظمة الطائفية هنا في لبنان… وربما تدافع عن نفسها بـ »الحرب الأهلية » التي تعيد إنتاج « النظام » الطائفي اللبناني. الحرب التي لوّح بها الرئس نبيه بري قبل أسبوع… فتأمّل



علي الأمين -البلد

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر