الراصد القديم

2011/11/30

قارئة فنجان لليرة السورية!


"غالبية الناس عنيدون في متابعة مسيراتهم التي اختاروها في الحياة، لكن القليلين منهم يحققون الأهداف في هذه المسيرات"

فريدريك نيتشه فيلسوف ألماني

سيطبع بشار الأسد الأوراق النقدية السورية في روسيا. هكذا قال حاكم مصرفه المركزي، الذي لا يزال مُصراً على أن سورية محسودة و "العين تضربها"! دون أن يحدد الحاسدين، والمواقع التي أُصيبت بها البلاد "بعيون الحساد"، بينما لم يُعلن عن هوية "شيخ الطريقة الاقتصادي"، الذي ستلجأ له سورية لفك الحسد.

ولا أعرف إن كان الدعاء بـ "الخمسة وخميسة" لا يزال يفقأ عيون الحاسدين! في الوقت نفسه، يقول وزير اقتصاد الأسد إن سورية تمر بأسوأ أزمة اقتصادية في تاريخها.

لن أتحدث هنا عن الاكتفاء الذاتي الذي روج له الوزير، كحل أمثل للوقوف في وجه العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة على الأسد وأسرته وأعوانه.

فحتى الولايات المتحدة الأميركية بقوتها الاقتصادية الكبرى، تجد صعوبة شديدة في الحديث عن اكتفاء ذاتي محلي، فكيف الحال، باقتصاد سوري انتقل على مدى أربعة عقود من الحالة الوطنية إلى الوضعية الأسرية الخالصة، أو شبه الخالصة؟! فقد كان على وزير الاقتصاد، أن يستعرض حالة واحدة في التاريخ مشابهة للحالة السورية، نجحت عن طريق الاكتفاء الذاتي، في مواجهات عقوبات اقتصادية متصاعدة.

وهو يرى ـ وأنقل حرفياً عنه ـ "ضرورة الاهتمام بالزراعة والغذاء، اللذين عانيا من الاهمال خلال السنوات الاخيرة"..ولكن مهلاً، من كان وزيراً للزراعة في هذه السنوات؟ الجواب يا وزير هو، رئيس الوزراء الحالي! أي أن الخراب الزراعي كان ثانوياً، ليصبح الآن رئيسياً.

أعود إلى الليرة السورية التي ستطبع في روسيا.

بما أن خبراء الأسد الاقتصاديين يتحدثون عن الحسد، فأقترح عليهم "قارئة فنجان" قهوة سورية (لا تركية بالطبع في هذا الوقت بالذات) لمستقبل الليرة، التي اعتادت المهانة الاقتصادية و"التشبيحية" طوال عقود.

وأزعم أنها (أي القارئة) ستقول: أمامكِ طريق قصير جداً، سيزداد عددكِ، وستقل قيمتك فيه. ستكونين جديدة بلا ثمن، منتشرة بلا قبول، ولا أرى حجاباً في هذه الدنيا، يقلل من عددك ويرفع من قيمتك. وإذا كانت هذه القارئة شجاعة بما يكفي، فإنها ستقول: إنكِ بلا ثمن، تماماً كما هي دماء السوريين العزل عند سلطة لا شرعية.

يروج الأسد وأعوانه، أنهم هم الذين يختارون المكان الذي تُطبع فيه أوراق النقد السورية، في إشارة إلى حظر المطابع التقليدية الأوروبية طباعة هذه العملة (وبشكل خاص المطابع النمساوية) في إطار العقوبات الأوروبية ضده.

والحقيقة أن هذا ليس صحيحاً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر ببلد كسورية لا أحد يثق بتركيبته الاقتصادية، حتى القائمين عليها.

فالمعايير الفنية (المرتبطة بالتصميم لا بقواعد الأمان) في طباعة الأوراق النقدية، هي بالتأكيد من حق أصحاب هذه الأوراق، مع الإشارة هنا، إلى أن واحدة من أسوأ التصميمات السورية هي ورقة الألف ليرة التي تحمل صورة الأسد الأب. وربما كان هذا فأل نحس على هذه الورقة.

وإذا كان الأمر متعلقاً بأوراق نقدية لحساب بلد يعج بالسرقات والنهب، وامتلاك أفراد للبنك المركزي "الوطني" فيه، فلا تعود حرية انتقاء المطابع خياراً.

هناك استحقاقات رقابية لن توفرها دولة منحازة لسلطة غير شرعية (كروسيا)، التي هي نفسها تحوم حول اقتصادها الكثير من الشبهات.

فكيف يمكن أن يقبل العالم بأوراق نقدية، لا توجد جهة ذات مصداقية يمكنها أن تحدد أعدادها؟! ولا تستطيع في الوقت نفسه، أن تقدم سنداً (أو تغطية أو رصيداً) واقعياً لهذه الأوراق!

والحقيقة أن خبراء الأسد من الاقتصاديين (كما خبرائه لشؤون القتل والسحل والتعذيب والاعتقال والتهجير والتشريد)، يسقطون في مطب ليقعون في آخر على التوالي، وهذا أمر يبرز مرة أخرى مدى اليأس الذي يعيشونه، ومعه التخبط الاقتصادي المريع، والرعب من انطلاق عصيان مدني لن يكون بعيداً.

فقد وجدوا، أن طباعة الأوراق النقدية محلياً بلا رصيد، دفعت المؤسسات الأجنبية على الفور لرفض التعامل بهذه الأوراق، خصوصاً تلك من فئتي الـ 500 والألف ليرة.فلم تُملئ رائحة الحبر الجديد والألوان الزاهية والتصاميم المبتكرة، فراغ القيمة.وما كان ينفع في ثمانينات القرن الماضي، لم يعد يصلح في زمن التحولات التاريخية الراهنة.

وفي الوقت الذي ينظر فيه العالم (الآسف على قتل المدنيين العزل في سورية على مدار الساعة)، بعين الاستهجان والامتعاض مصحوبة بمشاعر الغضب من موقف روسيا الداعم بصورة مباشرة لعمليات القتل هذه، يتوجه الأسد إلى هذا البلد لطبع أوراقه النقدية باسم سورية.

إن قيمة ما سيُطبع من أوراق نقدية سورية في روسيا، لن تكون أعلى من قيمة تلك التي طبعها الأسد الابن، في أعقاب انطلاق الثورة الشعبية السلمية العارمة.

ستكون مجرد أوراق، ستسرِع عمليات التداول بها بالوزن، لا بالعدد، إذا ما طال بقاء سلطة، ربما تطبع في مرحلة لاحقة، أوراقاً نقدية تستبدل اسم الجمهورية العربية السورية فيها، باسم جمهورية الأسد وشركاه، ولا بأس من أوراق بفئات دنيا، تحمل اسم جمهوريته العائلية وأعوانه.

(نُشر في جريدة "الاقتصادية")

محمد كركوتي

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر