الراصد القديم

2011/11/05

تهافت العلمانية وحتمية التغيير الإسلامي القادم ...


بقلم : الشيخ إبراهيم صرصور – رئيس الحركة الإسلامية



كما أننا ما زلنا نرى دولا في العالم ما زالت تتمسك بالشيوعية التقليدية ومنها بعض الدول العربية والإسلامية ، في الوقت الذي سقطت فيه الشيوعية في البلاد التي نشأت فيها وولدت من رحمها ، وفي الوقت الذي تحاول فيه بعض الأنظمة الشيوعية / الاشتراكية غير العربية وغير الإسلامية تطوير نظرياتها وتحديث هياكلها والاستفادة إلى الحد الأقصى مما أنتجه العالم خدمة لشعوبها ومنافَسَةً لغيرها على الساحة الدولية ، نرى أمتنا ومجتمعاتنا ترتكس في حمأة أبشع صور التخلف الفكري والاستبداد السياسي الذي ما زال يجر عليها الويلات تلو الويلات ،حتى ما عاد لها ثِقَلٌ يُذكر في الموازين الحضارية والمدنية ، ولا في التأثير على مجريات الأحداث في العالم حتى على تلك المتصلة بها مباشرة ، وذات التأثير على حاضرها ومستقبلها .

نفس التوصيف يصدق أيضا على ما ابتليت به الأمة من سيطرة العلمانية المتطرفة التي لا تؤمن بالدين ، ولا تقر بوجود إله له الخلق والأمر ، ولا تقبل بحال من الأحوال ولا تحت أي ظرف الظروف طرحا إسلاميا مهما كان نوعه أو شكله ، حتى وإن كان من نوع العلاقة الخاصة بين الفرد وخالقه ، فكيف بالإسلام الذي يحاول أن يجد له مكانا تحت الشمس ، وموطئ قدم على ساحة التسابق بين الحضارات والثقافات لصياغة الوجود وقيادة الحضارة البشرية ، أو على الأقل المساهمة في صياغتها وقيادتها ... فتحولت بعدائها للطرح الإسلامي إلى حليفة لنظم الاستبداد والقهر لتقاطع المصالح والتقاء الأهداف والغايات ، بل تحول أصحابها راضين غير مكرهين إلى أدوات قمع في يد هذه النظم لهدم ثوابت الأمة وتشويه الهوية الجماعية الدينية والوطنية والقومية الصادقة ، وتخريب الأجواء وتسميم المنابع الثقافية والتربوية لأجيال المسلمين والعرب ، من أجل أن تقع فريسة سهلة ولقمة سائغة في يدهم بعد أن تحولت بفعل فاعل إلى قطعان سائبة تُساق إلى مسالخ العبث الأخلاقي والسقوط القِيَمِيّ .



هذا في وقت يحاول فيه عقلاء العالم من العلمانيين ، ومنهم في عالمنا العربي والإسلامي ، صياغة نموذج علماني جديد يضع في الاعتبار ضرورة التعايش بل والتكامل بينه وبين حملة الفكر الإسلامي ، وذلك بناء على قراءة موضوعية لسنوات من الصراع لم تزد أوضاع الأمة إلا ترديا ، فكان لابد من البحث عن القواسم المشتركة التي تجمع ولا تفرق ، وتوحد ولا تفتت ، وتقوي ولا تُضْعِفْ . جاء هذا التحول الذي ما زال ضعيفا بعد عقود كان الصراع بين التيارين على أشده ، حتى كان في الإسلاميين من يرى في الدعوة العلمانية قومية كانت أو وطنية أو غيرها ، دعوة جاهلية وتمردا على ثوابت الدين ، وخروجا عن الإسلام دينا وشريعة وحضارة وثقافة ، بينما كان من العلمانيين قوميين أو غيرهم ، من يرى الإسلام عائقا للأمة عن التقدم ، ودعوة إلى الرجعية ، وسببا في التخلف وعاملا من عوامل التشرذم ، في الوقت الذي يرى في علمانيته البديل عن الدين ، أو الدين البديل ...



من المؤسف أن نجد حتى يومنا هذا من غلاة الفريقين من يخرج علينا بين الفينة والأخرى بما يحرض على العودة إلى الماضي المظلم حتى لو كان في ذلك هلاك الجميع ، مما يستدعي تنبه عقلاء الفريقين لتعزيز التواصل بينهما من خلال القناعة بأنه لن يكون لنا وجود على الحقيقة إلا بالإسلام الناصع كما نزل من السماء ، وأن أي مشروع نهضة أو إحياء لا بد أن يأخذ هذا بعين الاعتبار بعد سنوات طويلة عجاف سقطت فيها الأقنعة الزائفة وإن ما زالت تحكم بالحديد والنار . واقع الحال الذي أعلنت فيه أنظمة الاستبداد ارتهانها للغرب وبيعها فعلا وقولا لأقدس قضايا العرب والمسلمين ، في الوقت الذي تشكل فيه قوى المقاومة الإسلامية والعربية رأس الحربة الوحيد في مواجهة الاستعمار الداخلي والخارجي ، يمثل أسطع برهان على ضرورة التحالف بين القوى الحية في مجتمعاتنا لمواجهة النيران الزاحفة من كل اتجاه . لا بد من الإعلان انه لم يعد هنالك مكان لعلمانية إقصائية متطرفة بيننا ، كما أنه لا مكان بيننا أيضا لحملة أي فكري استئصالي وإن لبس زورا وبهتانا مسوح الشريعة واتشح برموز الدين ...



يجب ألا نتفاجأ من استمرار التردي العربي والذي نحن جزء منه في الداخل الفلسطيني وفي فلسطين على وجه العموم ، لأن هذا الواقع هو الإفراز المنطقي لحالة العجز والشلل التي نعاني منها ، إلا من بعض القوى الحية التي تحاول أن تشق طريقها بشق الأنفس وسط زحام التحديات ، وأمواج الفتن المتلاطمة التي يتبع بعضها بعضا حتى لنكاد نفقد الأمل في المستقبل ، لولا قول الله تعالى : ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا ، جاءهم نصرنا فَنُجِّيَ من نشاء ولا يُرَدُّ بأسنا عن القوم المجرمين . ) ... لقد وضع الرسول صلى الله عليه وسلم قديما وصفا لهذه الحالة المستقبلية ، وذلك في تقرير مطول قدمه لأصحابه الأجلاء في لحظة استكشاف امتدت إلى عمق الزمن : ( ستتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها ..) . تشخيص لم يخطئ واقعنا اليوم ... سأل الصحابة مستغربين عن السبب المتوقع لحال غريب كهذا ، فلم يخرج في رؤيتهم عن أن يكونوا قلة حينئذ ... تحليل منطقي يتفق مع استحالة هزيمة المسلمين في رؤيتهم وهم على عظيم اتصالهم بربهم ، إلا أن يكونوا قلة لا تستطيع القيام في وجه أعدائها المتفوقين عددا وعدة إلى حد كبير يتجاوز حد العقل ... كان جوابه عليه السلام مفاجئا لهم : ( بل هم يومئذ كثير ، لكنهم غثاء كغثاء السيل .. ) ... تشخيص جديد لم يخطئ واقعنا اليوم ... الأعداد هائلة ... أكثر من سدس سكان العالم ، لكنهم غثاء لا قيمه له ... نتيجة هذه ( الغثائية ) كما جاء في الحديث الشريف ، تلقي الضوء هي أيضا على جانب جديد من المشهد التي نعيشه كأمة : ( ينزع الله المهابة منكم من قلوب أعدائكم ، ويقذف في قلوبهم الوهن ، قالوا : وما الوهن يا رسول الله ، قال : حب الدنيا وكراهية الموت...) ... كَمٌّ لا وزن له ، ولا قيمة ... لا يعبأ بهم أحد في العالم ، ولا يحسب لهم حسابا ... لا هيبة لهم ولا كرامة ولا احترام ... أرضهم محتلة ، مقدساتهم مدنسة ، شعوبهم منتهكة ، مقدراتهم وثرواتهم منهوبة وحقوقهم مغتصبة ... السبب هو ( حب الدنيا وكراية الموت ) ، والذي يعني ببساطه ، غياب المبادئ والمثل والطموح والأحلام ، ضياع الأمانة ، خواء الأرواح ، اللهاث المسعور وراء متع الدنيا الفانية والمحرمة ، طغيان الغرائز وانطلاقها بلا قيود ولا حدود ، وانطفاء نور الإيمان الحقيقي ، والعودة إلى حال أشبه ما يكون بالجاهلية الأولى ولكن بلا أصنام حجرية ...



ما من شك في أن أوضاعنا الراهنة مناقضة لكل ما هو إسلامي ...إسلامنا يدعو إلى حيازة القوة بكل أشكالها ، بينما الأمة تعيش قمة الانحطاط والتخلف وعلى جميع المستويات ... إسلامنا يدعونا إلى الوحدة ، والأمة تعيش أبشع صور الشرذمة والشتات ... إسلامنا يدعو إلى العزة في كل علاقاتنا مع الذات ومع الآخر ، والأمة تعيش أسوا صور الذل والمهانة والخضوع والاستسلام ...إسلامنا يدعو على الإبداع والتطوير ، والأمة تعيش أتعس صور الجمود والشلل ... إسلامنا يدعو إلى الطهارة في العقل والروح والجسد ، والأمة تعيش حالة شنيعة من الارتكاس الأخلاقي والذممي في مؤسساتها وحياتها العامة وإعلامها وثقافتها ... إسلامنا يدعو إلى إطلاق الحريات ، والأم تعيش حالة مفرطة من الدكتاتورية والاستبداد ... إسلامنا يدعو إلى تبادل السلطة بالطرق السلمية ، والأمة تعيش احتكارا للسلطة لمصلحة مجموعة فرضت نفسها على الأمة دون إذن أو قبول منها ...إسلامنا يدعو إلى إقامة مجتمع الرفاه الذي تعيش في ظله كل الأمة عزيزة كريمة وقد تحققت لها كل أسباب الاستقرار والأمن الاقتصادي والشخصي ، بينما الأمة تعيش أفظع صور الطبقية وإرهاب الدولة وتهديد الأمن الشخصي والجماعي ... إسلامنا يدعو إلى الأمل في المستقبل ، والأمة تعش حالة من الإحباط العميق واليأس المطبق وفقدان الأمل في أن يحدث التحول المطلوب في المدى المنظور . إسلامنا يدعو إلى الثورة على كل أسباب الضعف ، والأمة مصرة على المضي قدما وبمنتهى الإصرار نحو تعميق حالة الوهن ...



هذا التشخيص النبوي والوضع الناتج عنه ، متعلق بالمرحلة الأخيرة في سلسلة التدهور في حياتنا كمسلمين وعرب ، ستليها حتما مراحل جديدة يبدأ معها الإصلاح الحقيقي والذي سيكون مُنْتَجاً إسلاميا خالصا وبامتياز ... فكما نجح إسلامنا العظيم ومسلمونا العظماء في الماضي في انتاج المقومات الحضارية والثقافية والاقتصادية والعسكرية والتقنية التي حملته إلى كل أنحاء الدنيا ، فإن هذا متحقق لا محالة في المستقبل ... سبب ذلك بسيط ، وهو إن ظهور الإسلام واحتلاله الموقع اللائق به متعلق بالله وحده ، فإن تخلى المسلمون عنه فسيبعث الله من يحمل رايته من جديد ويحقق قدره ، لقوله تعالى : ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ... ) ... صدق الله العظيم ...

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر