الراصد القديم

2011/11/12

احتدام 'حروب الخلافة' في إيران




خامنئي يخطط بهدوء لضرب عصفورين بحجر واحد: التخلص من الرئيس المشاغب أحمدي نجاد وطي ملف 'ثعلب' السياسة الإيرانية رفسنجاني.


بقلم: أسعد حيدر


لم يعد ما يجري في الجمهورية الاسلامية في ايران مجرد صراع على المواقع والسلطات. ما يجري، كما توحي الاشارات المرئية والخفية، هو "حروب خلافة" حقيقية، من القمة الى القاعدة من جهة، ومن جهة أخرى حول اي جمهورية ستكون الجمهورية الثالثة باعتبار ان الجمهورية الاولى بدأت مع الامام الخميني ومعه الرئيس الاسبق ابو الحسن بني صدر، والثانية مع المرشد أية الله علي خامنئي والرئيس هاشمي رفسنجاني واستمرت رغم كل الاحداث والتطورات مع الرئيسين محمد خاتمي وأحمدي نجاد.

الآن ليست المسألة من هو الرئيس المقبل وانما هل تتم المحافظة على موقع الرئاسة أصلا ومن يعد المرشد خامنئي لهذا الموقع؟

لم يحصل في كل المواجهات بين مراكز السلطة او القوى الحزبية والسياسية ان وصلت حدة الاتهامات المتبادلة الى هذه الدرجة، ولا هي تناولت الجميع دون النظر الى المواقع والمسؤوليات. ثلاثة احداث أشعلت المسرح السياسي الايراني وهي: استحقاق الانتخابات التشريعية، وفضيحة الاختلاس المصرفية التي بلغت ثلاثة مليارات دولار تقريبا، وتلميح المرشد بتوجهه لالغاء انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب وانتخابه من البرلمان او مجلس الشورى.

هاشمي رفسنجاني كان اول من تصدى لهذا التوجه فطالب بايجاد "ظروف ملائمة لتنظيم انتخابات شفافة تستند الى ارادة الشعب". لكن يبدو منذ الان ان هذه الظروف لن تتوافر بشكل كامل لان اللجنة الانتخابية التي يرأسها صولات مرتضوي اعلنت ان أحزاب الاصلاحيين الثلاثة ممنوعة من المشاركة في الانتخابات. والاحزاب هي: "جبهة المشاركة الاسلامية" ويرأسها احمد خاتمي شقيق الرئيس السابق محمد خاتمي، و"مجاهدي انقلاب اسلامي" ويتزعمها بهزاد نبوي و"حركة تحرير ايران". قرار المنع تم بحجة ان هذه الاحزاب منحلة ولا يسمح لها بالنشاط. وبهذا ستجري الانتخابات، متى تأكد المنع، بين اطراف القوى المحافظة وبذلك لم يعد مهما اذا توافقت تلك القوى ام لا، الا في حالة واحدة وهي عدم النجاح في ضبط ايقاع الصراع على خلفية اصرار أحمدي نجاد على التصعيد دون اي تحفظات اما لانه يشعر بقوته او لانه لن يقبل بالغائه فيذهب بالمواجهة الى النهاية دون الأخذ بأية خطوط حمراء.

لا شك ان فضيحة اختلاس المصارف غير مسبوقة في حجمها الذي يصل الى ثلاثة مليارات دولار من جهة، ولا في مواقع المتهمين بها من جهة اخرى. والواقع انه من الصعب الاخذ بالاتهامات المتبادلة كوقائع لانه لا يعود أحد فوق "السكين". في البداية تم اتهام "النجادين" الذين يوصفون بـ"التيار المنحرف"، وعلى رأسه رحيم أسفندياري الخليفة المفترض لنجاد ليكون بمثابة "الجسر الدستوري" لعودة الاخير الى الرئاسة بعد اربع سنوات، فجاء الرد المباشر سريعا. اذ وزع "النجاديون" الاتهامات على اركان المحافظين وصولا الى النائب الاول للرئيس محمد رحيمي، كما جرى التسريب بان المتهم البارز هو مجتبى خامنئي ابن المرشد والرجل القوي في النظام. خطورة هذا الاتهام ليس فقط في موقع السيد مجتبى، بل ما يجري التداول به منذ بعض الوقت بان والده يحضره لخلافته في ولاية الفقيه وانه لذلك زار مدينة قم ليقنع المراجع لكنه كما يبدو فشل في ذلك لان ابرز المراجع رفضوا لقاءه. وبدلا من ان يخفف نجاد من خطورة القصة فانه رمى بالزيت على النار بقوله: "لا استطيع ان ابوح باكثر من 10 بالمئة من الاسرار وعندما اترك منصبي اكشف 25 بالمئة." واضاف "التقيت المرشد وقلت له اذا اثبتوا اي اتهام ضدي فانني استقيل فورا". مضيفا "لقد تحولوا من افراد كانوا حفاة من الطبقة الدنيا في المجتمع الى اصحاب بلايين".

تبادل الاتهامات لا يبدو انه سيتوقف بالعكس فالقادم اعظم لان المرشد لا يقبل بنصف انتصار ونجاد لن يقبل بهزيمة تلغيه وتنهي تياره الذي عمل طوال سنوات على تشكيله.

تلميح المرشد الى الغاء انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب وانتخابه من مجلس الشورى فجر قنبلة سياسية ضخمة لأن مثل هذا التوجه يعني تغييرا اساسيا في صيغة النظام وهو يتطلب تعديلا دستوريا واستفتاء شعبيا كما حصل عام 1989 عندما الغي منصب رئيس الوزراء. وكان رئيس الجمهورية انذاك حجة الاسلام علي خامنئي نفسه ورئيس الوزراء مير حسين موسوي، الموضوع في الاقامة الجبرية حاليا. وقد وافق الامام الخميني على التعديل بعد وصول الخلافات بين الرئيس ورئيس الوزراء الى حد غير مقبول.

هذا التوجه يعني تغيير الطابع الرئاسي للجمهورية وهو يؤدي كما سارع واعلن هاشمي رفسنجاني الى "اضعاف الطابع الجمهوري للنظام خصوصا وانه يقلص قدرة الشعب على الاختيار". الاخطر ان هذا التعديل وانتخاب الرئيس من البرلمان مباشرة سيجعل الولي الفقيه ممسكا بكل مفاصل النظام دون رقابة ولا معارضة ولو محدودة. باختصار فان النظام الجمهوري سيصبح نظاما "طالبانيا". اما الهدف الحقيقي فهو اطلاق يدي الولي الفقيه في التحضير لخلافته بهدوء ودون مراقبة، خصوصا ان هذا التغيير يضعف حكما موقع "مجلس تشخيص مصلحة النظام" الذي يرأسه رفسنجاني ودوره، لأن في صلب مهماته تسوية النزاعات بين الرئيس ومجلس الشورى، لان الرئيس سيكون مديونا للمجلس ومن الصعب عليه الاختلاف معه. بهذا يكون خامنئي قد "اصطاد عصفورين بحجر واحد". أحمدي نجاد الرئيس المنتخب من الشعب مباشرة ولديه الشرعية الشعبية ورفسنجاني "ثعلب" النظام الذي لم يستطع التخلص منه حتى الان. الى جانب ذلك فان التعديل يريح "الحرس الثوري" لانه يصبح "الناخب الكبير" داخل المجلس.

حروب الخلافة حامية على جميع المستويات، في وقت تهب رياح "الربيع العربي" من الشرق، ورياح المواجهة والعقوبات من الغرب.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر