الراصد القديم

2011/11/26

ميقاتي لحزب الله: تضعني في خيار صعب



يستقيل أم لا يستقيل؟ لم يعد بعض أفرقاء 8 آذار متأكداً من موقف الرئيس نجيب ميقاتي من عدم تمويل المحكمة الدولية، في ضوء إصرار هذا الفريق على رفض التمويل، وفي الوقت نفسه التمسّك بميقاتي رئيساً للحكومة. لكن الرجل باغته عندما وازَنَ بين التمويل واستمرار حكومته
فوجىء حزب الله بالموقف الأخير لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي عندما وضع، في حديث إلى المؤسسة اللبنانية للإرسال مساء الخميس، استقالته في كفة مقابلة لكفة عدم تمويل المحكمة الدولية. لم تكمن المفاجأة في الحجج التي ساقها لتمسّكه بتأييد التمويل، بل في نبرته القاطعة.
قبل أسبوع، استقبل رئيس الحكومة المعاون السياسي للأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله الحاج حسين الخليل، الذي أبلغ إليه رفض الحزب التمويل تحت أي ذريعة أو مخرج، في مجلس الوزراء كما في مجلس النواب، ومن داخل الموازنة العامة كما من خارجها. ردّ ميقاتي، وكان قد كرّره مراراً على مسامع مسؤولي الحزب، أنهم يضعونهم في موقف محرج. ويخشى أن يفضي عدم التمويل إلى عقوبات يفرضها مجلس الأمن على لبنان.
في حوارات أخرى مع أفرقاء في 8 آذار، لفتهم رئيس الحكومة إلى أن أصرارهم على رفض التمويل ونقض تعهّدات قطعها لبنان للمجتمع الدولي يضاعف من إحراجه، وقد يدفعه إلى الاستقالة. في لقاءات شتى قال: لا تضعوني في خيار صعب.
حتى المقابلة التلفزيونية، ظلّ حزب الله على يقين بأن الإشارات التي وجهها إليه ميقاتي ــ ولم تفصح مرة عن عزمه على التنحّي ــ كانت تأمل مساعدته على إيجاد المخرج الملائم لتسديد لبنان حصته في موازنة المحكمة، في وقت كان حزب الله يتشبّث يوماً بعد آخر برفض التمويل، ولا يبدي استعداداً لمرونة دنيا. ونظر باستمرار إلى إشارات ميقاتي تلك في ضوء دوافع ثلاثة:
أولها، وطأة الضغوط التي يجبهه بها سفراء ومسؤولو دول غربية لا يتوقفون عن الإصرار على التمويل، ويربطون إخلال لبنان به بعقوبات محتملة، فيما وجد حزب الله في هذا الإصرار محاولة لا تعدو كونها تخويفاً وتهويلاً لإجراء لن يقدم عليه مجلس الأمن لأسباب شتى، أحدها فيتو روسي.
ثانيها، استعادة حزب الله بعض حوارات أجرتها قيادته ومسؤولون فيه مع رئيس الحكومة في أكثر من مناسبة منذ كانون الثاني، والتفاهم الضمني الذي التقى عليه الطرفان، وهو الخوض في التمويل في أوانه. عندئذ يصار إلى البحث في حلّ مرض للجميع.
لم يتعهّد ميقاتي رفض التمويل، ولا تعهّد حزب الله القبول به. فظلا مذ ذاك على تناقض حاد في الموقف من المحكمة.
وبحسب ما سمعه الحزب من رئيس الحكومة في ذلك الوقت، في معرض التطرّق إلى البنود الثلاثة التي وافق عليها سلفه الرئيس سعد الحريري في التسوية السعودية ــ السورية، وهي وقف التمويل وتجميد بروتوكول التعاون بين لبنان والأمم المتحدة وسحب القضاة اللبنانيين، رحب ميقاتي بتأخير بتّ أمر تمويل، على أن يناقش ويتفق على المخرج بعيداً من أي ملفات أخرى يتأثر بها العمل الحكومي. وتبعاً لما يقوله مسؤولون في الحزب، انتقد ميقاتي بروتوكول التعاون وقال إنه يحتاج إلى البحث فيه مجدّداً، ولا يسعه القبول به في صيغته الحالية. في وقت لاحق، ربط ميقاتي بين البروتوكول وتوفير الظروف الملائمة لمراجعة المنظمة الدولية في إمكان تعديله في ضوء ملاحظات قدّمها أفرقاء في قوى 8 آذار.
ثالثها، لم يخطر في بال الحزب تلويح ميقاتي بالاستقالة، واعتبر أن خطوة كهذه، في هذا الوقت بالذات، تستهدف سوريا التي رعت تأليف الحكومة الحالية وتوافق أفرقائها. ويلاحظ أيضاً تصاعد الضغوط الخارجية والداخلية على ميقاتي انطلاقاً من انطباعات تشيعها هذه الضغوط هي أن الوضع المتدهور في سوريا آيل إلى الحسم بإسقاط نظام الرئيس بشّار الأسد.

لكن باريس سمعت

ما لم يسمعه حزب الله صراحة، وصل إلى آذان باريس مباشرة. تكلم ميقاتي أمام الديبلوماسية الفرنسية عن استقالة مرجحة في أكثر من مناسبة. عندما التقى السفير الفرنسي دوني بييتون في مطلع شباط، أخطره بأن إخفاقه في تأليف الحكومة على الصورة التي يريدها هو فيها سيحمله على إيصاد الباب وراءه ويتنحّى. بيد أنه نجح في تأليف حكومة ائتلافية لم تُعطَ قوى 8 آذار ثلثي وزرائها. قال ميقاتي أيضاً لبييون في لقاء آخر: إذا أخفقت في تمويل المحكمة أستقيل. وأكد إصراره على التمويل. في المرتين كان رئيس الحكومة أول مَن بادر إلى طرح مسألة الاستقالة. وفي اجتماعه بوزير الخارجية الفرنسي آلن جوبيه في باريس، في أول أيلول على هامش انعقاد المؤتمر الدولي لمساعدة ليبيا بعد سقوط نظام الرئيس معمّر القذافي، أكد له تمويل المحكمة من غير أن يربط الإخفاق بتحقيقه بالاعتزال.
لم تخض باريس مرة في استقالة ميقاتي، ولا رغبت في التعليق المباشر عليها. إلا أنها وجّهت إليه الرسالة معكوسة عندما أعلمته تكراراً بموقف فرنسي رفيع المستوى مؤداه أن نجاحه في إمرار التمويل يفتح أبواب باريس أمامه بتوجيه دعوة رسمية إليه، يستقبله خلالها الرئيس نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء فرنسوا فيون. ثم يُبحث في وقت لاحق بالتحضير لزيارة رسمية يقوم بها فيون للبنان. ونظرت باريس إلى هذا الموقف على أنه رسالة إيجابية إلى رئيس الحكومة كي يبذل مزيداً من الجهود لإقناع شركائه في السلطة بالتمويل، وأقرنته تبعاً لمصادر ديبلوماسية معنية بالمعطيات الآتية:
1 ــ إلى أن يتم التمويل أو لا يتم، لا تعرقل باريس التعاون الثنائي بين البلدين، وساهمت في إنجاح ثلاث زيارات رسمية لثلاثة مسؤولين كل في نطاق حقيبته ومهمته، وزير الصحة علي حسن خليل ووزير الداخلية والبلديات مروان شربل والمدير العام للأمن العام اللواء عباس ابرهيم. بيد أن استمرار التعاون الثنائي لن يفضي حكماً إلى رفع مستوى الحوار الرسمي اللبناني ــ الفرنسي إلى رئيسي الحكومة قبل تبلغ باريس إشعاراً من الحكومة اللبنانية بإقرارها تمويل المحكمة.
2 ــ تقدّر باريس الدور الإيجابي لميقاتي في المحافظة على الاستقرار، وتعدّه مهمة بالغة الدقة في المرحلة الراهنة في ضوء الاضطرابات التي تضرب المنطقة. تقول أيضاً إنها تجد ميقاتي الأقدر حالياً على ضمان التوازن السياسي القائم وحماية الاستقرار بعيداً من الخوض في مسألتي الأكثرية والأقلية.
3 ــ بمقدار تقويمها الدور الإيجابي لميقاتي وحكومته في مراعاة الاستقرار منذ كانون الثاني، وتجنيب لبنان التأثر المباشر بأحداث المنطقة، تعتقد باريس أن استمرار دعم المحكمة والتعاون معها يقعان في صلب ذلك الاستقرار، وإن لا يرضي اعتقاد كهذا حزب الله تبعاً للمصادر الديبلوماسية المعنية نفسها. بذلك تتحدّث باريس عن مصلحة حيوية للبنان في مساندة المحكمة.
4 ــ لن تتخذ باريس عقوبات فردية ضد لبنان في حال امتنع عن التمويل، وتربط موقفها بما قد يتخذه مجلس الأمن فور تبلغه ذلك. وكذلك في ضوء ما يقرّره الاتحاد الأوروبي أيضاً ترجمة لموقف مجلس الأمن.
والواقع أن باريس لا تلجأ إلى عقوبات فردية خارج هذين النطاقين. وهو ما طبع موقفها أيضاً من الأزمة السورية، فلم تتخذ عقوبات ضد دمشق ذات طابع ثنائي، وإنما أقرنتها برزمة إجراءات قرّرها الاتحاد الأوروبي والتزمت دوله ــ بما فيها فرنسا ــ تطبيقها. الحال نفسها بالنسبة إلى لبنان.
5 ــ لم يحل ذلك دون امتعاض فرنسي أبلغه السفير في بيروت إلى ميقاتي حيال موقف لبنان في الجامعة العربية، في اجتماع 12 تشرين الثاني، عندما صوّت ضد قرار تجميد عضوية سوريا في الجامعة. ولاحظت الديبلوماسية الفرنسية أن التصويت السلبي هذا يتعارض مع الموقف الذي يقتضي أن يتخذه لبنان، وهو البقاء على الحياد في مثل هذه الظروف وعدم التدخّل في الشأن السوري الذي يمثل بدوره مصلحة مشتركة للأفرقاء اللبنانيين جميعاً. وتالياً التزام الامتناع عن التصويت بعدما اتخذه لبنان مرتين على التوالي في مجلس الأمن والجامعة العربية قبل اجتماع 12 تشرين الثاني. وهو الخيار الأمثل له.



نقولا ناصيف -الأخبار

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر