الراصد القديم

2011/11/13

الإسلام هو الإسلام .. والعلمانية هي العلمانية (الأخيرة)


مصطفى إنشاصي

قلت أن الغرب عندما انفتح على علوم المسلمين احترم خصوصيته الدينية البشرية لا السماوية وخصوصية تاريخه الاجتماعي وأخذ علومنا ولم يأخذ عقائدنا وأفكارنا الدينية الخاصة واستطاع تحقيق نهضته العلمية، وذلك ما سبق أن فعله المسلمون عندما ترجموا علوم سابقيهم أخذوا علومهم وفنونهم ولم يأخذوا عقائدهم، لذلك نجحوا في بناء حضارة إنسانية عالمية مازال تأثيرها إلى اليوم على الحضارة العالمية، ولكننا عندما أخذ دعاة التبعية الفكرية للغرب من أبناء الأمة عقائد الغرب وليس علومه ودعونا ومازالوا إلى الأخذ بقيم الحضارة الغربية خيرها وشرها، حسنها وسيئها ...إلخ، دون أن نحترم خصوصيتنا الدينية وخصوصية تاريخنا الاجتماعي للأسف كلنا يرى حالنا. لقد تخلفنا وفشلنا في أن نلحق بالغرب أو نحقق أي تقدم علمي يُذكر، ومازلنا للأسف نسمع من الكثيرين بأن الدين هو السبب، وكأن الدين هو الذي يحكم؟! ولقد أصاب الدكتور (...) في مداخلته، عندما قال: أن الأنظمة الحاكمة التي هي علمانية وتدعو إلى العلمانية هي التي تُحارب العلم والعلماء وهي سبب تخلفنا وليس الدين. وأضيف: وهي التي تتسبب في هجرة العقول العلمية من وطننا إلى الغرب ليستفيد منها ويحرمنا من فائدتها!.

لذلك لا أعلم لماذا نُحمل الدين المسئولية ونحن منذ مائي عام، منذ عهد محمد علي باشا الذي يعتبره أنصار العلمانية والحداثة رائد النهضة والدولة العربية الحديثة في وطننا الذي يحكمنا هم حملة الأفكار العلمانية ودعاة التبعية للغرب وليس الخلفاء ولا العلماء المسلمين! أضف إلى ذلك أن الدول القطرية التي أنشأها الغرب (أنظمة التجزئة) سارت على نفس نهج محمد علي باشا أستاذها ورائدها في الوصول إلى السلطة والحفاظ عليها. كيف (أحدهم يسأل)؟! أقول لك كيف:

لقد وصل محمد علي باشا إلى السلطة وكرسي الحكم على نهر من الدماء (مذبحة القلعة)! لقد استفرد محمد علي باشا في الحكم من خلال الغدر والخديعة والتخلص من كل حلفائه وأنصاره الذين أتوا به إلى كرسي الحكم وعلى رأسهم محمد كريم! لقد ثبت محمد علي حكمه وحكم أحفاده من خلال تحويل مصر أرضاً وشعباً إلى عبيد لخدمته وخدمة حكمه! لقد استمر حكمه وحكم أبنائه وأحفاده لأنه أسس جيش عصري وحديث بعقلية غربية تمدناً ونفسية ذليلة ومستعبدة للحفاظ على حكمه وليس على أمن ومصلحة مصر! لأنه سخر كل ثروات مصر الزراعية والصناعية واقتصادها لخدمة ذلك الجيش الذي يحميه ويحمي أسرته! أليست الأنظمة التي نعاني من استبدادها وظلمها تسير على نفس النهج؟! والحديث يطول ..

لذلك أنا قلت: أن مصطلح (العلمانية) مصطلح خطير لأن فهمنا له خطأ، والغرب يستغل ذلك الفهم الخاطئ له في أن يبقَ هو يزداد تقدم ونبقَ نحن نزداد تخلف، فالمفهوم يحتاج تصحيح. وأنا لم أقل في تعريف المصطلح: قال الشيخ الفلاني كذا، ولا قال العالم الإسلامي كذا، ولا قال المفكر العربي كذا، أنا قلت: قالت الموسوعة الأوروبية الفلانية كذا، ودائرة المعارف الأوربية كذا، والقاموس الأوروبي كذا ...إلخ على لسان الغرب نفسه الذي نشأ المصطلح في بلاده! لذلك عليك في هذه الحال أن تتوقف أنت مع نفسك وأن تعيد النظر في فهمك للمصطلح ولا تبقَ جامداً على فهم خاطئ له. نعم نحن في حاجة لأن نعيد النظر في كثير من مصطلحاتنا حتى نتمكن من التحرر من قيود الجهل والتخلف التي فُرضت علينا بزعم أن (العلمانية) مصدرها العلم أو العالم!. لذلك عندما نقول أن العلمانية هي اللادينية، هي إلغاء للدين، هي إخراج الدين من حياة البشر...إلخ، وأنها ترجمة لكلمة غربية لا أصل في قواميس أو معاجم اللغة العربية، وأن ما جاء في بعض قواميس اللغة العربية الحديثة عنها بأنها مأخوذة من العلم بفتح العين، أي العالمية بمعنى العالم وغير ذلك، إنما هو محاولة واجتهاد خاطئ للمقاربة بين معناها الأصلي في لغتها الإنجليزية أو الفرنسية مع اللغة العربية وليس معناها في اللغة العربية ككلمة عربية أصيلة، وأنها غير ملزمة لي بأنها تعاريف صحيحة، ذلك حقي واحترام لعقلي كمسلم لأن الإسلام نهاني أن أكون إمعة أو مقلد عن جهل!.

كما أن زعم البعض بأن العلمانية لا تناقض الدين أو أنها تتوافق مع الدين الإسلامي لمجرد أنها تستخدم العقل ولا تعادي العلم أو أنها ليست بديلاً عنه، أو لأنها لا تعترض على تدين الإنسان ما دام الدين علاقة وجدانية بين الإنسان وربه، أو على بناء المساجد للصلاة فقط، أيضاً ذلك لا يلزمني بصحة ما يذهب إليه المدافعين عن العلمانية، والذين يحاولون دس السم في العسل، وأعتبره استخفاف بالعقول، لأنه ليس معنى أن تأخذ العلمانية ببعض من الإسلام تصبح هي الإسلام أو لا تتعارض أو تتناقض مع الإسلام! فما يزعمه المدافعون عن العلمانية لا أجده في تعارف كلمة العلمانية في لغات بلدانها الأوروبية، واعتبر تلك المقاربات العربية عملية تزييف للعقل العربي المسلم واستمرار للنهج الخاطئ الذي بدأه أنصار العلمانية في وطننا. وأن ذلك يُوجب علينا أن نعيد النظر في المصطلح وأن نصحح التجربة الخطأ التي تسببت لعقود طويلة في إيجاد خلافات وصراعات حادة بين علماني ومسلم في وطننا، وتسببت في تفكك مجتمعاتنا وزرع روح العداء والبغضاء والشقاق بين أبنائه!.

نعم العلمانية في الغرب حققت نجاحاً وتقدماً بل أحدثت ثورة على صعيد العلم والتكنولوجيا ولكنها أيضاً حققت مزيداً من الانحلال والتفكك والتخلف الاجتماعي والأخلاقي على صعيد الأسرة والمجتمع وهددت نسيج وتماسك مجتمعاتها وانحدرت وانحطت بها إلى درك حيواني لم تعهده المجتمعات البدائية والوثنية، وأحدثت عشرات بل مئات من الأزمات النفسية والاجتماعية والأخلاقية والجريمة بأنواعها. العلمانية حولت الغرب إلى حيوان كاسر متغول على كل شيء في الكون، سببت حروب راح ضحيتها ومازال عشرات الملايين، سببت نكبات وأزمات واحتلالات وصراعات لا نهاية لها ...إلخ! إن العاقل عندما يتأمل ما أحدثته الثورة الفكرية العلمانية الغربية على صعيد الغرب نفسه والعالم سيجد أنها لم تُصلح الغرب بل دمرته! ولنفترض جدلاً أنها صَلحت للغرب فليس بالضرورة أن تصلح لنا، لأن الذي كان يحكم في الغرب في العصور الإغريقية واليونانية والرومانية هي العلمانية، الأباطرة المتألهون وأنصاف الآلهة وممثلو الشعب من السادة والأشراف والنبلاء وقادة الجيش والسياسة والفلاسفة وغيرهم من البشر، كما أن الذي حكم في العصور الوسطى في الغرب هي العلمانية وليست النصرانية الدين السماوي، الكنيسة ورجال الدين التي حكمت باسم الله والتفويض الإلهي للبابا ظل الله على الأرض، أي كان حكماً بشرياً، كما أن الذي يحكم في الغرب هذا العصر هي العلمانية السافرة المعاصرة التي هي نتاج حقد المفكرين الغربيين على الأديان بحكم تجربتهم مع حكم الكنيسة، ونتيجة قصورهم العقلي وأهوائهم ورغباتهم النقسية.

أما في وطننا؛ هل تريدون مني أن أعود بكم إلى التاريخ وأقول ماذا كنا قبل الإسلام وماذا أصبحنا بعده، لتدركوا أن الإسلام هو الذي وحد القبائل العربية المتفرقة المتنازعة التي كانت ممزقة في ولائها للروم والفرس إلا ما ندر، وجعل منها أمة واحدة، وبنى لها دولة، وأسس لها حضارة مازلنا نفاخر بها إلى اليوم على العالم، ومازلنا تشدنا روابط الإخوة الدينية والقومية إلى بعضنا ولدينا أمل في أن نحقق وحدتنا ونستعيد نهضتنا ثانية، وأن العلمانية بعد حوالي مائتي سنة فشلت في اختراق عقولنا وتغيير مجتمعاتنا وقيمنا، ومازال مجتمعنا لم يتعلمن، إلى درجة أنه لو قيل للعلماني أنك كافر ولست مسلم فإنه يرفض ذلك بشدة وينكره، وذلك دليل على فشل العلمانية وعدم صلاحيتها لأمتنا! أما بالنسبة للغربي فهو يفاخر بأنه علماني غير مؤمن بالدين! بمعنى أنه هناك فرق بيننا وبين الغرب من الخطأ تجاهله.

العلم ومواجهة الظلم في الإسلام فريضة

لذلك علينا أن نعيد النظر في المصطلح وأن نبحث عن خصوصيتنا، ستعود وتقول لي كما قال البروفيسور (...) أن العلمانية تعني الأخذ بالعلم! ذلك يعني أن فكرتي لم تصل إليك وتعريف العلمانية في بلاده الغربية لم يصل إليك، وعلى الرغم من ذلك دعني أوضح هذه النقطة أكثر:

في الإسلام مسألة أن تأخذ بالعلم أو لا تأخذ به ليست مسألة اختيارية للمسلم أو الدولة! ولكن العلم فريضة دينية على كل مسلم، وقد حث الإسلام على العلم والتعلم، ورفع من شأن العلماء وفضلهم وجعلهم ورثة الأنبياء، والآيات والأحاديث التي تحث على العلم وتجعل منه فريضة على كل مسلم كثيرة ولا مجال لذكرها هنا. لذلك لا تقول لي أن العلمانية من العلم وكأن الإسلام والمسلمين ضد العلم والبحث والتقدم العلمي! ستقول لي أن العلمانية هي استخدام العقل والأخذ بالمنهج العقلي وغير ذلك مما يبرر به أنصار العلمانية دعوتهم لعلمنة مجتمعاتنا! أقول لك: أننا نحن الذين علمنا الغرب استخدام العقل والأخذ بالمنهج العلمي، ونحن الذين وضعنا أصول ذلك المنهج على خير ما تكون، وإلا ماذا يعني الاستقراء والاستنباط الذي وضع أصوله المسلمون في علومهم الدينية والعلمية؟! هو منهج عقلي، اجتهاد في فهم النص الديني، إعمال العقل في فهم النص واستنباط الأحكام الشرعية منه بما يصلح للزمان والمكان وحال المسلمين في كل عصر. وتعلمون أن ابن رشد هو الذي وضع أسس المنهج العقلي في الفلسفة، وسبق أن قلت في مداخلتي على أحد المحاضرات في الجمعية الفلسفية عند الدكتور (...): أنني كمسلم لست ضد الفلسفة كأسلوب في التفكير أو منهج في معرفة طرائق التفكير، وفي الاستنباط والاستقراء، وفي مساعدتك على توصيل فكرتك للآخر أو فهم الآخر، وتحديد خطواتك للوصول لهدفك بسهولة ...إلخ، ولكني ضدها كفلسفة تناقش في العلة الأولى للوجود وأسبابها، وإن كان الله موجود أو ليس موجود، أو يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات، وغيرها من موضوعات الفلسفة التي تتعارض مع عقيدتي كمسلم.

لذلك أنا أردت في هذه المحاضرة أن نعيد قراءة تاريخ الغرب ونقدم رؤية جديدة لمفهوم العلمانية لأني أعلم أن كثيرين لا يعرفون المعنى الصحيح العلمانية، ولم يقرؤوا التاريخ الغربي بشكل صحيح في سياقه البشري دون اعتبار أن الفترة التاريخية منه كانت وثنية والأخرى دينية والآن علمانية، فأنا عندما أردت أن أحضر لهذه المحاضرة رجعت إلى كثير من المراجع وبحثت في الانترنت ولم أجد إلا القراءة الغربية والمنهج الغربي في تناول الموضوع، حديث عن الكنيسة وظلمها ومحاربتها للعلم وحركة لوثر واكتشاف الآلة البخارية وما نتج عنها من تغيرات في المجتمع الغربي، والنهضة العلمية وما حدث مع جاليلو وكوبرنيكس وغيرهم ...إلخ من المعلومات والسرد التاريخي التقليدي للأحداث! تلك قراءة غربية، أنا ما هي قراءتي الخاصة والمستقلة؟ ذلك ما حاولته في هذه المحاضرة، أن أقدم قراءة تقرب الفكرة وتحاول أن تستفز فينا وتستحثنا على تصحيح مفهوم خطير جداً مازلنا نتداوله وهو سبب تفكك وتخلف مجمعاتنا.

ماركس هاجم الدين النصراني وليس الإسلام

أما قولك دكتور (...) أن ماركس لم يهاجم الدين نهائياً! اسمح لي أن أختلف معك في ذلك: إن ماركس هاجم الدين بأسلوب وشكل مباشر، وبالنسبة لي أنه معه حق بالنسبة لما مارسته الكنيسة في أوروبا باسم الدين، وليس معنى أن ماركس هاجم الدين في أوروبا أن نهاجم نحن الدين في وطننا! وقد قلت: أن الفقراء في الغرب عندما كانوا يأتون إلى رجال الدين والكنيسة يشتكوا من ظلم واضطهاد وذل الإقطاعيين والأمراء، وإنهم شقيانين وجوعي ويطلبون أن تساعدهم الكنيسة في إشباع بطونهم الخاوية، كانوا يقولون لهم: أصبروا أنتم الدنيا ليست لكم أنتم لكم ملكوت السماء! أي أنهم فعلاً كانوا يخدرون مشاعر الناس باسم الدين، لذلك عندما جاء ماركس وقال: الدين أفيون الشعوب. كان معه حق ولكن رداً على تجربة مجتمعه وليس تجربة مجتمعي. ذلك لا يعطيك الحق في أن تأتي بمقولة ماركس وتحاول إسقاطها على ديننا، وتقول أن الإسلام أفيون الشعوب، في الوقت الذي ديننا يأمرنا بألا نسكت عن الحق، والساكت عن الحق شيطان أخرس، ويأمرنا بأن نقاتل من أجل حقوقنا ولا نستسلم أو نخشى الموت في سبيل ذلك، ومعروف في الحديث أنه مَنْ مات دون ماله فهو شهيد ومَنْ مات دون عرضه فهو شهيد ومَنْ مات دون وطنه فهو شهيد ومَنْ مات دون حقه فهو شهيد. وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما شرطان من شروط صحة الإيمان بالله. ذلك خطأ، أنا ديني ليس أفيون شعوب، بالعكس الإسلام يحرض على الخروج من أجل المطالبة بالحق، ومعروف أن سيدنا أبو ذر كان يُحرض المسلمين للمطالبة بحقوقهم ويقول: عجباً لمسلم لا يخرج شاهراً سيفه من أجل حقه. وهناك شبه إجماع بين المذاهب الفقهية الإسلامية على جواز الخروج على الحاكم الظالم وعزله، شريطة ألا يجلب الخروج مفسدة أشد. كل ذلك وغيره واجب وفريضة دينية في الإسلام وتقول لي: الدين أفيون الشعوب؟! والله تعالى يتوعدنا في كثير من الآيات من عواقب عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويحذرنا من أن نكون مثل بني إسرائيل "كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون". ويخبرنا أنه بسبب ذلك نقم عليهم وجعل منهم القردة والخنازير. والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحذرنا أيضاً في كثير من الأحاديث من التقاعس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غضب الله ونقمته. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جزء من عقيدتي لذلك لا يجوز أن يقول ماركس في أوروبا أن الدين أفيون الشعوب، أقوم أنا بترديدها في وطني! لأن إلغاء العقل والتبعية المطلقة تلك خطيئة، أنا يجب أن أعرف ديني جيداً وأعرف إن كان أفيون للشعوب أو لا؟ وبعدها أعرف إن كان يصح أن أردد ما قاله ماركس أو لا؟!.

ومن جانب آخر؛ مَنْ قال أن ماركس لم يهاجم الدين؟! ماركس قد عاد بأوروبا إلى الوثنية الأولى التي كانت عليها أيام الإغريق والرومان، عندما قال: دعونا من معركة السماء وأن معركتنا هنا على الأرض، أو معركتنا ليست في السماء ولكنها هنا على الأرض. وتلك هي العقيدة الإغريقية والرومانية، وتلك العبارة قالها الفيلسوف الروماني أبيقور: أن الآلهة في السماء تتصارع فيما بينها ولا تهتم بنا، فدعونا من ماذا تريد وما لا تريد، ولنرى نحن ما نريد. وقال: أن الآلهة في السماء لا تهتم بنا فلماذا نحن نهتم بها؟! وهو بذلك ارتد بالفكر الغربي إلى ما قلنا عنه أنه العلمانية الإغريقية والرومانية. دكتور أنا أحاول أن أضع النقاط على الحروف وأنت تعرف منهجي أو كما قلت بعد قراءتك لبحثي بعنوان "مفاهيم توراتية يجب أن تصحح": أن داتا عقلي لا تستوعب النقل وعدم النقد أو التقليد! أنا عقلي لا يقبل النسخ ولكنه يقبل النقد. باختصار: من حق ماركس أن يقول عن النصرانية ومن خلال التجربة الغربية أن الدين أفيون الشعوب، وليس من حق أحد أن يقول في وطننا: أن الإسلام أفيون الشعوب.

أضف إلى ذلك أنه لا يوجد في النصرانية كدين منهج أو نظام حياة لا جزئي ولا متكامل، فمعظم الأناجيل والرسائل تتحدث عن حياة المسيح عليه السلام على تناقض في بعض رواياتها، ومن خلال تلك السيرة الذاتية للمسيح نجد بعض التعاليم الأخلاقية فقط، التي توجد في كل العقائد على تفاوت، لكن لا يستطيع باحث أو عالم في الأديان أو غيرهما أن يقول لنا: أن النصرانية كدين تتضمن نظم سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو أخلاقية ...إلخ متكاملة تصلح لتسيير شئون الناس، وأن ماركس أو غيره من العلماء والمفكرين رفضوها واخذوا بالعلمانية التي كانت هي سبب التقدم في الغرب. أما الإسلام فقد كُتب فيه مجلدات عن نظمه التشريعية المختلفة، وهناك علماء ومفكرين ومجامع علمية غربية وآخرها بعد الانهيار (الأزمة) الاقتصادي الكبير الذي حدث في الغرب والعالم أخيراً، بعد ثبات فشل النظام الرأسمالي للمرة الرابعة أو أكثر لأنه قائم على الجشع واحتكار الثروة في أيدي معدودة على حساب الشعوب، أجمعت على أن الإسلام فيه خلاص البشرية من كل أزماتها وعلاج لكل أمراضها...إلخ، وتعلم أن ورقتي التي قدمتها في الندوة التي عُقدت بالتعاون بين مركز منارات وجامعة صنعاء في جامعة صنعاء حول موضوع ما يزعمون أنه (الأزمة المالية العالمية) عام 2009 كانت بعنوان: "معالجة إسلامية للانهيار الاقتصادي العالمي"، وتأتي لتقول لي أن العلمانية هي الخلاص! قبل الحديث عن الإسلام يجب أن نعرف الإسلام ثم نتحدث عن ذلك أو ننتقده ونبحث عن غيره، ولكن لا نتحدث عن عدم معرفة أو علم بالإسلام ونحاول أن نفرض آرائنا على الآخرين.

خلاصة القول

أن العلمانية في تعريفاتها الغربية بلغاتها الأصلية تعني: اللادينية، وترفض تدخل الدين في شئون حياة الناس بأي شكل كان. وليس معنى صلاحيتها للغرب صلاحيتها لنا ولغيرنا بأي شكل من الأشكال. وأن علمانيي وطننا سواء كأفراد أو أنظمة لم يأخذوا من العلمانية إلا محاربتها للدين فقط ولم يأخذوا إيجابياتها التي هي ضالة المؤمن! لذلك وجدنا أن الأنظمة ومفكري العلمانية يعادون الدين على الإطلاق أو بشكل نسبي عند البعض، ولكنهم جميعاً مجمعون على أنه يجب تغيير كل قيمنا ونظمنا الاجتماعية ودساتيرنا وإخراج الأحكام الدينية منها! باختصار أن علمانيي وطننا حرب على الإسلام وفقط ولم يأخذوا لا بالصناعات الغربية ولا التقدم العلمي والتقني ولا بأي شيء مما عليه الغرب ويميزه عنا، بل ورهنوا مقدرات وطننا كلها لأعدائه الغرب واليهود.

ذلك لا يعنى أن الإسلام يقف ضد الاستفادة والأخذ عن الآخرين، لا! بمعنى أن الإسلام ليس ضد الأخذ بالعلوم الغربية التي تساعده على تحقيق النهضة والتقدم العلمي والحياة الكريمة والمرفهة للمسلمين، وأي نظم اقتصادية أو اجتماعية وغيرها شرط ألا يتعارض ذلك مع أمر صريح في ديننا، وألا تتسبب في ضرر المسلمين أو غيرهم، والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "الحكمة ضالة المؤمن، أنا وجدها فهو أحق الناس بها" أو أخذها". أي أننا كمسلمين مأمورين أن نأخذ من أي شعب من الشعوب ما هو إيجابي ونافع لنا.

وليسمح لي القارئ الكريم أن أختم الحلقة الأخيرة بآخر حوار دار بيني وبين الدكتور أفنان قاسم الذي أعتز بمعرفته والتواصل والحوار معه، لأنه على الرغم من ظاهر الاختلاف بيننا في الفكر والأيديولوجيا والدين إلا أنه يجمعنا احترامنا لعقولنا ونشداننا للحقيقة بغض النظر عن انتمائنا الفكري، وقد تبادلنا الرأي حول عدة حلقات، وهذا جزء من ردي على ما تفضل به على الحلقة الماضية:

أحترم وأقدر ولا أختلف معك في كثير مما جاء في ردك وما تفضلت به في السطرين الأولين هما بالضبط جوهر الدين البروتستانتي الذي جاء ليقدس العمل ويرفع من قيمة المادة والربح، وزادت منه العلمانية السافرة التي سيطرت على الغرب وجمعت أسوأ ما أنتجه العقل الغربي في تحالف سياسي اقتصادي ديني – وكما قلت حضرتك لاستغلال الإنسان وحلبه سواء في وطننا أو حتى في الغرب نفسه- وما تلك المظاهرات التي يخرج بها الغربيين ضد مخططات دول الثماني وغيرها في العواصم الغربية وآخرها ما حدث في وول ستريت بنيويورك إلا دليل أن النظام الرأسمالي الذي نتج عن تلك التطورات في الغرب يهدف لاستعباد الإنسان أينما وجد! وإن كان البروتستانت قلة بالنسبة للمذاهب الأخرى إلا أنهم هم الذين تبنوا الأفكار الدينية اليهودية، وهم الذين فتحوا المجال لسيطرة اليهود على اقتصادات العالم بالاشتراك مع الرأسماليين الغربيين وأن يصبح دينهم المال، وذلك هو حقيقة الدين اليهودي في جوهره، وما اعتراض اليهود على أن يكون طالوت ملكاً عليهم إلا لأنه (لم يؤتَ سعة من المال)! وذلك التأثير والتحالف بين السياسي والديني في الغرب ضد وطني هو الذي جعل الكنيسة عام 1965 تبرئ اليهود من دم المسيح عليه السلام، علماً أن عقيدة اليهود أن يحمل الأبناء ذنب الآباء والآباء قالوا (دمه علينا وعلى أبنائنا)! وقد تطورت العلاقة بينهما وأنت أعلم بها إلى أن اعتذر بابا الفاتيكان لليهود عن ما لحقهم من أذى وعذاب بسبب ذنب آبائهم، واعتبر في أكثر من مناسبة أن الذي يجمع النصارى باليهود تاريخ مشترك، في الوقت الذي رفض فيه الاعتذار للمسلمين عن ما ارتكبه الغرب في الحروب الصليبية ضدهم، وذلك له أبعاده وأنت لا يفوتك ذلك!.

وأنا معك أن كثير من اليهود والنصارى ضد سياسة بلدانهم وذلك ما أخبرنا به الله تعالى بقوله: (ولا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء. بعضهم أولياء بعض) لم يقل كلهم ولكن قال بعضهم وذلك البعض هو الشر العالمي الذي يجب علينا جميعاً أن نتحد ضده، وتلك المظاهرات التي تناهضه في الغرب أصدق مثال على وحدة الهدف الذي يجمعنا، لذلك دائماً أقول أن اليهود والنصارى ليسوا كلهم وسواء. وكما قلت في ردي الماضي: أن العلمانية ليست كلها شر، وأن المشكلة فيمن نقلوها لنا، الذين أرادوا استنساخها كما هي عن الغرب دون مراعاة للفوارق البينة في كثير من الأمور بيننا وبين الغرب، وأحدثوا هذا الصراع المصطنع الذي غذاه الغرب وعملائه في وطننا حتى يستمر الانقسام والصراع مشتعل بيننا، ولذلك آن أوان أن ينتهي ذلك من خلال دراسة تاريخ نشأة العلمانية في الغرب، وأننا لسنا الغرب وأن علينا أن نأخذ منها ما يخدم مصلحتنا لا أن نستنسخها كما هي! نعم إن هذا الصراع والعداء المفتعل والمصطنع الذي تغذيه قوى داخلية وخارجية لا تريد لأبناء الوطن على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم ومشاربهم الفكرية أن يتحدوا في مواجهة عدوهم المشترك يجب أن ينتهي، من خلال قبول كل أبناء الوطن ببعض وعدم حجرهم أو محاربتهم لبعض، وليحتكموا إلى صندوق الانتخابات وقبل ذلك يشكلوا مؤسسات رقابة يكون انتمائها للوطن لا للحزب والفكر لتمنع استفراد جماعة ما أو غض الطرف عن تجاوزاتها وتضمن تداول السلطة والشفافية في إدارة شئون البلاد والحديث يطول. وقد أسعدني رده ...

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر