الراصد القديم

2011/11/26

ليبيا...ضيف الغزّال..لا تنسوه



كتبه وفاء للمغدور:سري سمور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

للأسف أنا وغيري لم نقرأ ولم نسمع عن ضيف الغزّال ولم نقرأ ما خطه قلمه الشريف إلا بعد أن نال الشهادة بمشيئة الله العزيز، ولا أدري أهو تقصير منا أو من غيرنا أننا لا نطلع كثيرا على ما يكتبه صحافيون وأدباء من المغرب العربي أو ما يعرف بدول شمال إفريقيا؟

أما ليبيا فإن حظها كان الأقل مما نقرأ أو نشاهد، فقد علمنا مؤخرا بأن الطاغية المجحوم كان يتبنى سياسة مريضة يسميها «مكافحة النجومية» وبناء عليها لم يكن بمكنة أي أديب أو مفكر أو صحافي أو مبدع أو طبيب أو مهندس أو لاعب كرة قدم أن يبرز وأن يعرفه الناس في الداخل أو الخارج، فالطاغية هو المفكر والسياسي والطاهي والرياضي والخبير في قص الشعر وتنسيق الزهور، وما على أهل ليبيا إلا الخضوع لنزواته ونوبات جنون عظمته، فقد كان من أمثال النمرود الذي زعم أنه يحيي ويميت أو من أمثال فرعون الذي أفسد وأضل زاعما بأن طريقه هو طريق الرشاد!

هذه المقالة من باب الوفاء الواجب لشهيد الكلمة ضيف الغزّال، عليه من الله الرحمة، أكتبها اليوم بعد أن لقي الطاغية حتفه بعد بضع سنين من قتله ضيفا بلا ذنب إلا أنه قال ربي الله لا معمر، وربي خلق لي عقلا أميز به الخبيث من الطيب، ففاض مداده، و لعله أدك منذ اللحظة الأولى أن فيض المداد بما ينفع الناس وينير الدرب ثمنه غال جدا خاصة تحت حكم العقيد المجرم؛ ولم يقدر الله لضيف ان يحيا حتى يرى الطغيان الذي أشهر له قلمه يندحر ويتهاوى، وأن يرى ليبيا وقد تخلصت من جلادها، ولكن ضيفا من الطلائع التي مهدت لهذه اللحظة التاريخية، وأحسبه من أمثال الذين قال الله تعالى عنهم في محكم تنزيله:-

{ قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }-المائدة (23)

فدائما هناك طلائع ترفع راية الحق، تحض على الإقدام، قد لا يسمع الناس-عموما- لقولهم، ولكنهم كبذور في جوف الأرض ستنمو مع الأيام وتكبر ثم تورق وتزهر وتثمر ثمرات طيبة.

وضيف الغزّال، والله أعلم، ولا نزكي على الله أحدا، هو من هؤلاء النقباء، فقد وقف في وجه الفساد والاستبداد، وقت أن كان الطاغية مزهوا كالطاووس، ويوم أن كانت أجهزة بطشه ذات يد طويلة، وما كان يسلم منها من يرفع رأسه أو يهمس بموقف لا يرضي المتأله في الأرض، والناس في خوف ورعب يمتزجان بنفاق ومظاهر محبة مصطنعة، لكن ضيفا كان له من اسمه نصيب، فقد جاء إلى هذه الدنيا ضيفا خفيفا ليغادرها مقتولا على يد عصابات القذافي الأثيمة وهو لم يبلغ بعد الثلاثين حجة من عمره.

فمن هو ضيف الغزّال وما هي حكايته؟

أقول معرّفا لمن لا يعلم عنه، ومذكّرا لمن يعرف ويعلم، ومستشعرا أن سطوري هذه لا تفي هذا الإنسان النبيل حقه، وهي سطور من مصادر عدة منها الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ومدونات ومقالات لرجال ليبيا الأحرار قبل الثورة:-

· ولد ضيف عبد الكريم الغزّال الشهيبي في 8/5/1976م في مدينة بنغازي شرق ليبيا التي ستنطلق منها الثورة الليبية وهو يتيم الأب والأم، ويرجع نسبه لوالده لقبيلة عريقة هي الشهيبات، أما نسب أمه فيرجع لقبيلة الهوارة المعروفة.

· انضم في صباه إلى حركة اللجان الثورية التي أسسها القذافي للترويج لأفكاره وكتابه الأخضر، وعرف عن ضيف تحمّسه ونشاطه في تلك اللجان.

· حصل على ليسانس في التاريخ من كلية الآداب في جامعة قاريونس، وواصل نشاطه في اللجان الثورية حتى وصل إلى منصب منسق قسم التثقيف والإعلام، وهو من المناصب القيادية المهمة، فسبحان الله الذي يقلب الأمور كيف يشاء!

· وفي ذروة تحمسه لثورة الفاتح المزعومة، وقدرته على الخطابة، عمل في الصحافة، فتولى منصب رئيس تحرير جريدة «الزحف الأخضر» في مكتبها في بنغازي وهي الجريدة الرسمية للجان الثورية.

· إلا أن الحرّ الأبي، وصاحب العقل الذي خلقه الله لنفرق به بين الصواب والخطأ، لم يرضى أن يعيش في مستنقعات البعوض، وأصرّ أن يكون نسرا محلقا في سماء المجد، فمع بداية الألفية الجديدة بدأت تظهر علامات عدم رضاه عن أسلوب عمل اللجان، وتعالت نبرة انتقاده لطريقة عملها، ودعا في مقالاته إلى إعادة الحسابات، يمكن القول بأن ضيفا الغزّال كان في البداية يأمل في الإصلاح وتصحيح المسار، ولكن لا فائدة في نظام تعفّن وأصبح كعضو مصاب بالغرغرينا علاجه فقط بالبتر!

· لقد بدأت الحقائق تتكشف أمام الشاب الذي تحمّس قي بواكير عمره القصير لشعارات «دولة الجماهير...والسلطة للشعب...والثورة...» واكتشف زيف ما تربى عليه منذ نعومة أظفاره.

· إلا أن عصابات اللجان الثورية أشبه بالحركات الماسونية، ولا أستبعد أن تكون تابعة فعلا لها، فمن قوانينها الجائرة أن من يتولى منصبا قياديا-مثل ضيف- يحظر عليه الاستقالة وإلا فإن مصيره سيكون بشعا، ولكن الشاب تحداهم واستقال من كل مناصبه في اللجان وجريدتها.

· في عام 2004 انتقد الغزّال الفساد ، خاصة خلال محاضرة ألقاها في مركز بحوث الكتاب الأخضر، ودعا لتأسيس جمعية أهلية للتصدي للفساد مما زاد من حنق وغضب الجان وميليشيات أجهزة القمع القذافية عليه.

· الحرب على ضيف الغزّال كانت بعدة أساليب؛ فقد حالت اللجان دون ترشحه لرئاسة نقابة الصحافيين، وكالعادة في النظم الدكتاتورية تم تزوير الانتخابات، كما أنه لم يسلم من الاستجوابات السمجة، وعرضه على القضاء المفصّل على مقاس العصابة المجرمة بسبب مقالاته وتحقيقاته الصحافية حول الفساد والظلم الذي يرزح تحته شعب ليبيا.

· ولم يعد لقلمه مكان في صحافة ليبيا في الداخل بعد مواقفه تلك، ولكن هذا القلم الحرّ وجد له في عالم الإنترنت رقعة رحبة، فكتب ضيف الغزّال في صحف إلكترونية تعمل من الخارج مثل ليبيا الحرة وغيرها.

ورغم كل المضايقات والملاحقات فإنه أبى أن يهاجر من ليبيا وفي هذا الشأن يقول في مقاله الأخير:« سجل بأنني (خائن وجبان)، لن يترك موطنه رغم الداء والأعداء، ولم يفكر في هجره إلى (غرب الشر) حيث التسكع في الحانات والملاهي الليلية بصحبة مومس شقراء، وزجاجة من النبيذ المعتق، ونهاراً يعتلى منابر الأراجيف، والأكاذيب، والتأويل، والتهريج، والخداع، والسلب، والتشويه، والهزل، ليرتمي في أحضان جنرالات (أمريكا، بريطانيا، ألمانيا) تحت حجج اللجوء السياسي وغيرها، ليجسد دور التابع والمطبع والراوية الذي يجيد نقل القول عن قائله لمجرد تسمية غير شرعية (معارض ليبي جسور).........!!؟»..إلا أن هذه الموقف المبدئي لن يكون له احترامه عند القذافي وعصاباته وأجهزة مخابراته المجرمة، فقد تلقى الشاب النبيل تهديدات صريحة بالقتل في حال لم يتوقف عن نشر مقالاته الصادقة.

· اتسمت مقالاته خاصة في 2004 وحتى غدره في 2005 بالجرأة والصراحة والبراعة في تصوير واقع بلده ومجتمعه وبدقة جذّابة، وخاصة في مقاله الأخير الذي أتشرف بإعادة نشره في آخر هذه المقالة، وهي المقالة التي كانت سببا في اتخاذ قرار نهائي بتصفيته.

· وجاء اليوم المشهود؛ ففي 21/5/2005م اختطف ضيف الغزّال على يد كل من أحمد حمد الدرسي و عبد السلام مصباح النائلي و خالد بشير الرياني أثناء عودته من منزل أحد أصدقائه، وكان برفقته الإعلامي محمد المرغني الذي بقي مجهول المصير.

· وفي 30/5/2005م تسلّم أهله جثته وقد أطلق المجرمون على رأسه عيارا ناريا من مسدس بلجيكي، وعلى الجثة آثار تعذيب وتنكيل؛ فقد بترت أصابع يده في إشارة وتحذير شديدين لكل من يكتب كلاما ينتقد فيه عصابة القذافي، وآثار ضرب على أماكن حساسة من جسده، ودفن ضيف الغزّال في بنغازي وسط أجواء من الحزن والغضب.

· كتب المفكر المصري فهمي هويدي عن هذه الجريمة في 15/6/2005م في جريدة الشرق الأوسط.

· وأمام ردة الفعل التي لم تقتصر على ليبيا اضطر النظام لاعتقال القتلة ثم محاكمتهم، ولكنه أفرج عنهم لاحقا بعد ممارسة ضغوط واتباع أساليب الترغيب والترهيب مع ذويه حتى يقبلوا بالدية والصلح، ولا أدري ما مصيرهم حاليا وأسأل الله أن يكون الثوار قد نحروهم وصلبوهم في ميدان عام، وإن لم يفعلوا فعسى أن يتمكنوا منهم ومن الذين أمروهم بتنفيذ هذه المهمة القذرة عاجلا غير آجل.

· هل قتل ضيف الغزّال لكسر قلمه كان في صالح النظام؟ هيهات هيهات فإن بنغازي قد ثارت وتحدت العصابات المجرمة في 2006 وتحديدا في 17 شباط/فبراير ولكن الثورة وقتها لم تكبر وتمتد وبقيت كالنار تحت الرماد، وستشتعل تلك النار التي ستحرق الطاغية بعد خمس سنوات في 2011 وفي ذات التاريخ.

· وللتذكير فقط أقول لمن تباكوا على الطاغية المجحوم: أليس من حق أهل وأصدقاء ومحبي ضيف الغزّال أن يروا زعيم من نكّل وقتل ابنهم يُسقى من ذات الكأس التي جرّعها لابنهم ولعشرات الآلاف من الليبيين؟

· أما وقد انتصرت الثورة ونالت من الطاغية، وكان لها شهداء يستحقون التكريم نترحم عليهم جميعا، ووجب تكريمهم وذويهم، فمن الواجب أيضا عدم نسيان من كان لهم قصب السبق ومنهم ضيف الغزّال الشهيبي، وللتذكير أقول لا للتعليم: إذا سميتم مركزا ثقافيا أو مؤسسة إعلامية باسمه أو أنتجتم فيلما وثائقيا أو دراميا عنه و نشرتم كتابا يروي سيرته كان به، وإذا حبّذتم إطلاق اسمه على شارع أو حي أو منطقة(ربما التي اختطف منها) فبها نعمت، الفكرة أن يعرف جيل ما بعد الثورة أنه كان هناك كاتب شاب امتشق قلمه وأسال مداده دفاعا عن شعب ليبيا وتصديا للفساد والاستبداد فدفع حياته ثمنا لذلك، واسم هذا الشاب ضيف الغزّال.

· أما أنت يا ضيف فسلام عليك، ورحمة من الله ورضوان، واعلم أن دمك لم يذهب هدرا، ولم تذهب كلماتك أدراج الرياح، فلك الحياة في الردى، ولك المجد، وعسى الله أن يجمعك بالأحرار أمثالك وأهلك وصحبك في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وقد كنت كسيد الشهداء حمزة في الأجر والثواب بمشيئة الله.

رابط المقال الأخير الذي تسبب بقتل كاتبه في موقع ليبيا كوم وهو موجود في مواقع أخرى:-

http://www.libya11.com/showthread.php?t=14498

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر