الراصد القديم

2011/11/01

التايم: هل الانسحاب الأميركي من العراق هدية مجانية لإيران؟


قوبلت تعليقات كلينتون بابتسامة ساخرة من جانب الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، وهو أمر مبرر جداً، فقد أكد على قناة «سي. إن. إن» أن علاقات طهران مع بغداد لن تتغير نتيجة الانسحاب الأميركي، ويعود ذلك تحديداً إلى أن إيران تربطها «علاقة ممتازة» مع الحكومة والبرلمان في العراق.

من المألوف أن يتسم الخطاب المتعلق بالسياسة الخارجية بمواقف غريبة في أي موسم انتخابي في الولايات المتحدة، ولكن ادعاء أن الرئيس باراك أوباما سيسلم العراق على طبق من فضة إلى إيران من خلال احترام أحكام المعاهدة الأميركية التي تدعو إلى انسحاب القوات الأميركية بحلول يوم رأس السنة الجديدة يستحق تحليلاً دقيقاً، فقد يعتبر البعض أن منتقدي أوباما- كان معظمهم من مؤيدي غزو العراق- يحتجون على كل شيء تقريباً، لكن حتى المسؤولين في إدارته يصدقون منطق التفكير هذا على ما يبدو، فقد وجهت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، يوم الأحد، تحذيراً شديد اللهجة إلى طهران ودعتها إلى عدم الاستخفاف بالالتزام العسكري الأميركي في العراق من خلال السعي إلى توسيع نفوذها هناك غداة الانسحاب الأميركي.


قوبلت تعليقات كلينتون بابتسامة ساخرة من جانب الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، وهو أمر مبرر جداً، فقد أكد على قناة “سي. إن. إن” أن علاقات طهران مع بغداد لن تتغير نتيجة الانسحاب الأميركي، ويعود ذلك تحديداً إلى أن إيران تربطها “علاقة ممتازة” مع الحكومة والبرلمان في العراق. عملياً، تتمتع إيران بنفوذ كبير في مجال صناعة القرار في بغداد بما يفوق النفوذ الأميركي، وقد طورت ذلك النفوذ ورسخته على رغم وجود 170 ألف جندي أميركي في الزمن الذي بلغت فيه المهمة العراقية ذروتها. كذلك، قامت طهران بتمويل وتسليح الميليشيات الشيعية التي حاربت الولايات المتحدة وأطلقت حرباً طائفية ضد الجماعات السنية، لكن يبقى نطاق نفوذ طهران الأولي مركزاً على علاقتها مع مجموعة متنوعة من السياسيين الشيعة (والأكراد أيضاً) في الحكومة العراقية المنتخبة.


ستنجح إيران، من خلال استعمال ذلك النفوذ لتسريع إنهاء الوجود الأميركي على جبهتها الغربية، في إنهاء عقد من التفوق الاستراتيجي الملفت الذي تعزز بمساعدة كبيرة من واشنطن ولو عن غير قصد.

منذ اللحظة التي رضخ فيها الأميركيون لمطلب العراقيين الشيعة بإجراء انتخابات ديمقراطية في عام 2004، بدأ العراقيون يرسمون مصيرهم بأنفسهم، ومنذ الانتخابات الأولى في عام 2005، كانت الحكومات التي تشكلت في بغداد بقيادة أحزاب إسلامية شيعية ومؤيدة لإيران (ولا تزال كذلك حتى الآن). تُعتبر حكومة المالكي مستقلة وهي تميل إلى تأييد النزعة القومية طبعاً، ولا مصلحة لها في التحول إلى أداة في يد إيران، ولكنها في الوقت نفسه لا تؤيد الأجندة الأميركية في المنطقة، ولا سيما في ما يخص دعم الجهود الأميركية الرامية إلى عزل إيران، صحيح أن الحفاظ على استقلالية الحكومة يستلزم إقامة علاقات حسنة مع الطرفين، لكن لطالما كانت هذه الحكومة أكثر تجاوباً مع حاجات إيران لا واشنطن.

واجهت إيران حصاراً ملحوظاً على جبهتها الغربية في بداية العقد الماضي بسبب ألد عدو لها، صدام حسين، وعلى جبهتها الشرقية أيضاً بسبب حركة “طالبان” التي لا تقل خطورة عن صدام، وقد أسدت إدارة بوش خدمة العمر إلى إيران حين تخلصت من الطرفين خلال سنتين (لهذا السبب طبعاً، رحبت إيران بالغزو الأميركي للعراق وأفغانستان في آن). كان صدام حسين قد شن حرباً ضارية دامت ثماني سنوات ضد إيران، بدعمٍ من السعوديين والأميركيين، وذلك بهدف قتل الثورة الإسلامية في مهدها، وقد استعمل الأسلحة الكيماوية لتحقيق ذلك. في المقابل، أقدمت “طالبان”، بدافعٍ من كرهها الشديد للشيعة، على قتل دبلوماسيين إيرانيين في عام 1997، فكادت تندلع حرب جديدة… لقد كان التخلص من “طالبان” وصدام حسين هدفاً إيرانياً قبل فترة طويلة من تبني إدارة بوش هذه المهمة.


على صعيد آخر، شهدت طهران ازدهاراً ملحوظاً على المستوى الجيوسياسي خلال السنوات التي تلت تلك الأحداث، تزامناً مع بدء تراجع قدرة الأميركيين على التأثير بمسار أحداث الشرق الأوسط.

أدى سقوط صدام حسين أيضاً إلى إنهاء قرون من حكم الأقلية السنّية في بغداد، لطالما جندت إيران جماعات شيعية منفية، مثل “المجلس الإسلامي الأعلى” و”حزب الدعوة” (كان رئيس الحكومة نوري المالكي زعيماً له)، وقد باركت طهران مشاركة تلك الأطراف في مجلس الحكم العراقي الذي أسسته سلطة الاحتلال الأميركي.


في البداية، افترضت الولايات المتحدة أن العراق، بعد عهد صدام حسين، سيبدي كامل استعداده لتوفير قاعدة لبث النفوذ الأميركي في المنطقة. في هذا السياق، تحدث الجنرال جاي غارنر، أول حاكم خارجي في بغداد، عن نظرته إلى مستقبل العلاقات الأميركية العراقية وقال: “لننظر إلى وضع الفلبين في نهاية القرن العشرين. لقد شكل ذلك البلد “قاعدة” مهمة لمصلحة البحرية الأميركية، ما سمح لنا بالحفاظ على وجود مهم في منطقة المحيط الهادئ، هذا هو الدور الذي سيؤديه العراق خلال العقود المقبلة: سيكون القاعدة التي تمنحنا وجوداً مهماً في الشرق الأوسط”.


كان غارنر مسؤولاً عن مهمة إعادة بناء العراق خلال ثلاثة أسابيع فقط، قبل أن يُستبدل بالخبير في مجال مكافحة الإرهاب بول بريمر المعروف بقراره الكارثي الشهير بحل الجيش العراقي. تصور بريمر أن العراق سيشهد عملية انتقالية تدوم ثلاث سنوات تمهيداً لإرساء الديمقراطية، على أن يخضع خلال هذه الفترة لحكم العراقيين الذين يتم اختيارهم خلال الانتخابات الأولية التي تشرف عليها الولايات المتحدة.


لكن أغفلت الخطة الانتقالية التي وضعها بريمر، تماماً مثل رؤية غارنر الخيالية والأوهام الاستراتيجية التي رسمتها الإدارة الأميركية، عن التواصل مع تطلعات الشعب العراقي الذي لم يكن ينوي السماح بأن يتحول بلده إلى قاعدة لبث النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، وما كان ليقبل أيضاً بحق واشنطن في اختيار حكومته.


نجح آية الله علي السيستاني، أبرز قائد روحي للأغلبية الشيعية في العراق، في تضييق الخناق على واشنطن، تجدر الإشارة إلى أن السيستاني كان قد رفض بشكلٍ قاطع مقابلة أي مسؤول أميركي على اعتبار أنه سيعترف بشرعية الاحتلال إذا قابل الأميركيين، مع أن رفضه لمبدأ الحكم الديني جعله أيضاً خصماً لرجال الدين الذين يحكمون إيران.

أصر السيستاني على أن العراقيين يجب أن يحصلوا على حق انتخاب حكومتهم الخاصة، وقد دعا إلى تجمع مئات الآلاف في الشوارع دعماً لذلك المطلب، ما أجبر المجلس الحاكم الذي عينته الولايات المتحدة على التراجع عن تنفيذ خطة بريمر.


أما بقية الأحداث، فيعرفها الجميع، حتى في ظل وجود عشرات آلاف الجنود الأميركيين في العراق، بقيت إيران أبرز لاعب خارجي يفرض نفوذه على السياسة في بغداد. بعد عام 2008، حين وقع الرئيس بوش الاتفاق الذي يفرض على القوات الأميركية مغادرة العراق بحلول نهاية هذه السنة، برز تلاشي النفوذ الأميركي في بغداد بشكل أوضح.

من المتوقع أن يستمر الوجود الأميركي في العراق عبر إبقاء آلاف المسؤولين الأمنيين الذين ستعينهم وزارة الخارجية الأميركية، فضلاً عن بقاء خبراء للتدريب على استعمال أنظمة الأسلحة التي اشتراها العراقيون.

من المتوقع أيضاً أن تحافظ الولايات المتحدة على وجود عدد مهم من العناصر السرية، ربما بموافقة المالكي، وذلك لمساعدة القوات العراقية على مهاجمة الأعداء، مع أن تلك القوات قد تغرق في معركة مريرة مع حلفاء إيران في الجيش العراقي وفي صفوف الميليشيات الشيعية.


لا يزال الوضع خطيراً في العراق على جبهات عدة، ويرتفع احتمال تصعيد الوضع واندلاع حرب بالنيابة بين إيران والمملكة العربية السعودية، وستترافق تلك الأحداث مع اشتعال حرب أهلية طائفية جديدة، وارتفاع حدة التوتر في صفوف الجيش العراقي بين الضباط المخضرمين وجيش صدام والمسؤولين السياسيين الذين عينتهم الميليشيات الشيعية، فضلاً عن تزايد الاضطرابات بين الأكراد والعرب في الشمال.

لكن من وجهة نظر إيران الاستراتيجية، سار الغزو الأميركي للعراق بطريقة إيجابية حتى الآن، فقد وصل أصدقاء إيران وحلفاؤها إلى السلطة في بغداد، بينما أصبح ألد أعدائها العراقيين في صفوف المعارضة، ولا شك أن الوجود العسكري الأميركي هو أكبر خطر أمني تواجهه إيران في العراق، لكن ستغادر هذه القوات الأميركية قريباً، وذلك بفضل معارضة الأحزاب السياسية الشيعية المتحالفة مع إيران.

بالتالي، ما الذي يدفع إيران إلى المجازفة بجميع هذه المكاسب؟ من غير المنطقي أن تسعى إيران إلى شن حرب جديدة في العراق كونها تفوز بالمعركة سلمياً


0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر