الراصد القديم

2011/11/01

كيف تصعِّد واشنطن من ضغوطها على باكستان؟


James P. Farwell - The Christian Science Monitor

تتسبب حالة الازداوجية التي تمارسها باكستان في إضعاف العلاقات الأميركية الباكستانية المتدهورة أصلاً، كما أنها تُضعف فرص النجاح في أفغانستان وتزعزع الأمن الداخلي في الولايات المتحدة وباكستان معاً، لكن لحسن الحظ، أمام الولايات المتحدة بعض الخيارات المتاحة.

منذ بضعة أسابيع، صب رئيس هيئة الأركان المشتركة السابق مايك مولن جام غضبه على باكستان لأن هذا البلد يصدّر العنف إلى أفغانستان، كذلك، صدرت اتهامات مشابهة إلى الواجهة، أبرزها أن وكالة الاستخبارات الباكستانية دعمت مقاتلي “شبكة حقاني” الذين هاجموا الجنود الأميركيين وقوات التحالف على طول الحدود.

يؤدي هذا السلوك الباكستاني إلى إضعاف العلاقات الأميركية الباكستانية المتدهورة أصلاً، كما أنه يُضعف فرص النجاح في أفغانستان ويزعزع الأمن الداخلي في الولايات المتحدة وباكستان معاً. كانت الزيارة الأخيرة التي قامت بها وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون إلى إسلام أباد تهدف إلى تهدئة الأجواء بين البلدين، فضلاً عن التشديد على مطلب واشنطن بأن تحسن باكستان أداءها في محاربة الإرهابيين وجماعات التمرد، لكن لحسن الحظ، تملك الولايات المتحدة بضعة خيارات أخرى لمواجهة الاستراتيجية الباكستانية المضلِّلة.

كانت واشنطن تحاول حث باكستان على التعاون، وفي كابول، دعت وزيرة الخارجية كلينتون باكستان إلى “أخذ المبادرة” في محاربة الجماعات المتمردة الناشطة في باكستان وتقديم المساعدة لإعادة تأهيل المقاتلين في أفغانستان أيضاً، لكن سيكون ضمان التعاون الباكستاني تحدياً صعباً، إذ يشك البعض في أن الاستخبارات الباكستانية دعمت الاعتداء الأخير على السفارة الأميركية في كابول كرد انتقامي على عملية قتل أسامة بن لادن.

هذا الادعاء ليس مبالغاً فيه! فبينما شعر الأميركيون بالرضا بعد إتمام تلك المهمة، اعتبر بعض الباكستانيين أن ذلك الاعتداء كان خرقاً لسيادة البلد.


في استطلاع رأي حديث أجراه “معهد بيو” لدراسة المواقف العالمية، تبين أن معظم الباكستانيين اعتبروا مقتل بن لادن حدثاً مؤسفاً، وبالتالي، من الطبيعي أن نستنتج أن بعض الباكستانيين شعروا بالسرور عند الاعتداء على السفارة الأميركية.


على صعيد آخر، يجب ألا ننسى مشاعر الكره التي يكنها الباكستانيون للرئيس الأفغاني حامد كرزاي الذي عمل على التقرب من ألد أعداء باكستان، الهند. هذا الأمر وحده ينعكس سلباً على حكومة كرزاي لأن الخوف من الهند هو مسألة حساسة للغاية، فقد خاضت باكستان والهند الحرب ثلاث مرات خلال 60 عاماً، وبسبب الخوف من الهند، تتقرب باكستان من جماعات التمرد مثل “شبكة حقاني”.
في ظل هذا الوضع، ماذا يجب أن تفعل الولايات المتحدة؟

الضغط على الجيش لكبح جماح الاستخبارات الباكستانية

أولاً، يجب أن تطلب واشنطن من رئيس هيئة الأركان المشتركة أشفق برويز كياني- أبرز شخصية نافذة في باكستان- أن يقمع الاستخبارات الباكستانية ويمنعها من تقديم المساعدة إلى “شبكة حقاني” و”حركة طالبان” وجماعات متمردة أخرى تهاجم الجنود الأميركيين وقوات التحالف في أفغانستان. يملك الجيش تأثيراً هائلاً في وكالة الاستخبارات الباكستانية، ويعرف كياني طبيعة هذه الوكالة جيداً لأنه كان مديرها العام سابقاً، كما أن المدير العام الراهن للاستخبارات الباكستانية، الجنرال شوجا باشا، هو حليف موثوق له. يمكن القول إذن إن كياني يتمتع بقوة كافية لكبح الناشطين في الاستخبارات الباكستانية.

بالتالي، أي نوع من الضغوط يمكن أن تمارسها الولايات المتحدة؟
لا تحتاج الولايات المتحدة إلى فتح جبهة جديدة في حرب أفغانستان، لذا سيكون إرسال القوات العسكرية إلى باكستان خياراً غير واقعي وغير مستحب من جانب الحكومة الباكستانية والأميركيين في آن. سيؤدي هذا التحرك على الأرجح إلى زعزعة الاستقرار السياسي، الأمر الذي سيصبّ في مصلحة المقاتلين الإسلاميين، وقد يؤدي وصف باكستان رسمياً بالبلد الذي يرعى الإرهاب إلى النتيجة عينها.


من المستبعد أيضاً أن ينجح خيار قطع المساعدات في تغيير السياسات العسكرية المتّبعة. صحيح أن الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري يؤيد الولايات المتحدة في عدائيتها تجاه حركة “طالبان”، لكن الحكومة المنتخبة تفتقر إلى النفوذ الكافي لفرض إرادتها على الجيش.

التشجيع على عقد محادثات بين الهند وباكستان حول أفغانستان

يتعلق التحدي الأكبر في العلاقات الأميركية الباكستانية بطبيعة علاقة باكستان بالهند ومخاوف إسلام أباد من مساعي كرزاي لتعزيز علاقاته مع الهند، لكن في الفترة الأخيرة، أحرزت الهند وباكستان تقدماً مفاجئاً في المحادثات التي تتمحور حول تقوية الروابط الاقتصادية.


يمكن أن تستغل الولايات المتحدة هذا الزخم الإيجابي وأن تشجع نيودلهي وإسلام أباد على فتح حوار بشأن أفغانستان أيضاً. لن يكون الأمر سهلاً، لكن سيساهم تبديد مخاوف إسلام أباد من نوايا الهند في أفغانستان في تصحيح الحسابات الاستراتيجية لدى الجيش الباكستاني. (يعتبر الكثيرون أن باكستان تحافظ على نوع من التحالف مع المتمردين كضمانة لها ضد النفوذ الهندي في أفغانستان).

في حال تجاهلت الاستخبارات الباكستانية تلك المؤشرات لتحسين التعاون مع الهند، يجب أن تفهم أن هذا الموقف الرافض قد يُجبر الولايات المتحدة على اتخاذ خطوات جذرية والتفكير بتقوية تحالفها الاستراتيجي مع الهند بهدف احتواء باكستان عسكرياً. لا شك أن هذا التطور هو آخر ما تريده باكستان، كذلك، قد يؤدي هذا التهديد الذي يمكن أن تنفذه واشنطن إلى دفع الجيش إلى إعادة النظر بالفكرة القائلة إن دعم “حركة طالبان” و”شبكة حقاني” يخدم مصالحه.

باكستان تحتاج إلى إطلاق حملة توعية محلية
يجب أن تُقنع الولايات المتحدة الحكومة الباكستانية أيضاً بدعم حملة توعية قوية محلياً من أجل إقناع الناس بأن عناصر “طالبان” والإرهابيين الإسلاميين والمتمردين عموماً، ولا سيما “شبكة حقاني”، يمثلون الشر المطلق. لكن باكستان كانت تفتقر إلى الإرادة اللازمة لفعل ذلك. يعود ذلك جزئياً إلى عدائية الرأي العام تجاه الولايات المتحدة، إذ يلومها الكثيرون على التفجيرات الحاصلة محلياً بدل أن يلوموا الإرهابيين والمتمردين، ويشعر بعض الباكستانيين بأن بلدهم يخوض حرباً تخص الأميركيين وهم من يدفعون الثمن.

لكن عدا الموقف من الولايات المتحدة، تبرز مسائل شائكة أخرى وعلى رأسها الاعتراف بأن الجماعات الإرهابية والمتمردة تطرح خطراً على وجود باكستان، يجب أن تركز تلك الحملة على معنى طموحات الإرهابيين والمقاتلين بالوصول إلى السلطة بالنسبة إلى الباكستانيين.

لقد أصبحت عواقب طموحات المتمردين واضحة أكثر من أي وقت مضى، فقد شكلت عدائية “طالبان” في منطقتَي سوات وبرونر في باكستان جرس إنذار خطيرا. على الرغم من ازدواجية رأي قائد الجيش الباكستاني كياني بالولايات المتحدة، فإنه لن يوافق على حصول “طالبان” وجماعات التمرد الأخرى على ما يكفي من النفوذ لإضعاف مؤسسة الجيش. لذا يبدو أن حكومته قد تتخذ موقفاً غير مسبوق يقضي بإطلاق حملة فاعلة تحدد التهديدات المطروحة وتربط بين حركة “طالبان” التي تهاجم الأفغان والمجرمين الذين يقتلون إخوانهم المسلمين محلياً في باكستان.

يرفض بعض الباكستانيين تصديق أن المسلمين يمكن أن يقتلوا إخوانهم المسلمين، وتشجع “طالبان” على تصديق هذه الفكرة المغلوطة من خلال لوم الولايات المتحدة والهند وإسرائيل على التفجيرات. لذا يجب أن تتصدى باكستان لهذه الافتراءات.


سبق أن أُطلقت حملة عسكرية وإعلامية ضد الإرهابيين في الماضي، فعندما شن كياني والرئيس زرداري اعتداء في جنوب وزيرستان ضد عناصر “طالبان” والمقاتلين الإسلاميين الناشطين في تلك المنطقة في عام 2009، نجحا في كسب دعم وسائل الإعلام والمسؤولين المدنيين والجيش. في تلك الفترة، مُنعت حركة “طالبان” من الظهور في وسائل الإعلام ورفعت الحملة التي رافقت ذلك الصراع شعار “نحن ضدهم”. نجحت تلك الحملة في التشهير بالإسلاميين العنيفين على اعتبار أنهم عناصر دخيلة تعارض الإسلام و”البلد الأم”.

ضرورة التقرّب من البشتون

في النهاية، يجب أن تدرك الولايات المتحدة أن تحقيق أي نتيجة إيجابية في أفغانستان لا يتطلب تعاون باكستان فحسب، بل عليها أن تحض أيضاً البشتون على الاضطلاع بدور أساسي في هذه المسألة، فالبشتون مجموعة إثنية رئيسة تشكل الأغلبية بين عناصر “طالبان” وفي أجزاء عدة من أفغانستان وشمال غرب باكستان. صحيح أن على الأفغان أن يحددوا مستقبلهم هم بنفسهم، لكن القيم الأميركية تفرض على واشنطن أن تمنح المجموعات الإثنية كافة صوتاً ديمقراطياً في المستقبل. لا شك أن الوساطة بالغة الأهمية في هذه المسألة، غير أن قرار اختيار مَن سيقود هذه العملية يعود إلى الأفغانيين.

في عالم السياسة الباكستانية الدائم التبدّل، تُعتبر المفاوضات مع الولايات المتحدة، والهند، والمتمردين، والحكومة الأفغانية هدفاً متحركاً، إلا أن هذه الخطوات تشكل طريقة منطقية للمضي قدماً.

* مؤلف كتاب “The Pakistan Cauldron: Conspiracy, Assassination, “and Instability، الذي صدر أخيراً

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر