الراصد القديم

2011/11/13

كوندوليزا رايس وصدام حسين والشرق الأوسط الجديد


بقلم : بدر الدين كاشف الغطاء


أولا : بتاريخ 1/11/2011، نشرت قناة ABC الأمريكية نص اللقاء الذي أجرته كوندوليزا رايس مع الصحفي جورج ستيفانوبولس ضمن حملة الترويج لمذكراتها. تحدثت رايس عن مواضيع عديدة تضمنتها هذه المذكرات، وأهم وأخطر ما كشفته في هذا اللقاء تأكيدها إن أمريكا لم تغزو العراق لنشر الديمقراطية فيه بل من أجل إزالة صدام حسين الذي كان يشكل عقبة كبيرة أمام تشكيل الشرق الأوسط الجديد. وادناه ترجمة هذا الجزء من الحوار، والنص الأصلي بالإنجليزية منشور في موقع ABC News :

الصحفي ستيفانوبولس : أنا أعرف أنك تعتقدين أن إزالة صدام حسين كان عملا صحيحا وقد أوضحت ذلك بجلاء في كتابك، ولكنك لم تجيبي مطلقا إجابة مباشرة على السؤال : هل كان ذلك يستحق كل تلك التضحيات والنفقات؟

كوندوليزا رايس : عندما تنظر إلى تاريخ الشرق الأوسط خلال الخمسين سنة الأخيرة ستجد أن الدرس الأول في جميع المدارس المعنية بالعلاقات الدولية يقول إن منطقة الشرق الاوسط هي المنطقة الأكثر إضطرابا في العالم. ونحن نعرف اليوم أنها كانت مهد القاعدة والتطرف، ولذا كانت...

ستيفانوبولس (مقاطعا) : ولكن القاعدة لم تكن في العراق، وأنت تعلمين ذلك.

رايس : بن لادن كان سعوديا والظواهري كان مصريا.

ستيفانوبولس : أي أنهما ليسا عراقيين.

رايس : انهم أتوا من الشرق الأوسط. والآن أقول لك أننا لم نذهب للعراق من أجل أن نجلب الديمقراطية للعراقيين، وأنا حاولت في كتابي أن أشرح أنها (أي الديمقراطية) لم تكن الهدف.

ستيفانوبولس : ولكن بعض أعضاء إدارتكم يعتقدون أنها (أي الديمقراطية) كانت الهدف.

رايس : بل كنا واضحين في ذلك، لقد كان الأمر يتعلق بالتهديد الأمني الذي يمثله صدام حسين الذي شنّ حروبا في السابق وإستخدم أسلحة الدمار الشامل وكان يطلق النار على طائراتنا في مناطق حظر الطيران وكان يهدد جيرانه وحاول إغتيال جورج بوش الأب، وكان كالسرطان في الشرق الأوسط وكان مصدرا كبيرا للإضطراب فيه مما إستوجب التعامل معه. ومثلي مثل بقية الناس أتفهم وأأسف كثيرا على الثمن المدفوع، وخاصة في الأرواح، ولكني أعلم أيضا أن لا شيء ذو قيمة يمكن الحصول عليه بدون تضحيات، وأعتقد أننا سنرى شرق أوسط مختلف، وهذا الشرق الأوسط المختلف ما كان يمكن أن يقوم لو كان صدام حسين باقيا في وسطه.



ثانيا : إن تصريح رايس أن أمريكا لم تأت للعراق لجلب الديمقراطية للعراقيين أصبح بديهية يعرفها الجميع، ولكن أن تصدر عن مستشارة الأمن القومي للرئيس بوش في رئاسته الأولى ووزيرة خارجيته في رئاسته الثانية وأحد أعمدة اليمين الأمريكي المتصهين، فهذا أمر له دلالات كثيرة من بينها :

1- إنه واحدة من مجموعة إشارات عن (فك إرتباط) المحتلين الأمريكان بالعملية السياسية التي أنشأوها في العراق، بعد أن كانوا يتفاخرون بها في السنوات الأولى لإحتلالهم وينفخون فيها الروح رغم أنها ولدت ميتة. في سنين الإحتلال الأولى إعتقد الأمريكان إن العملية السياسية والإنتخابات والدستور يمكن أن تصبح الهدف (النبيل) الذي يغطي على كذبتهم بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية وعلاقة العراق ببن لادن ويصرف الأنظار عن هزيمتهم العسكرية والسياسية في العراق.

فك الإرتباط الأمريكي مع العملية السياسية بدأ بعد (إنتخابات) البرلمان العراقي في آذار 2010، ففي هذه الإنتخابات إستخدم الأمريكان كل وسائل التزوير لضمان فوز أياد علاوي، ونجحوا بإعطائه التقدم بفارق ضئيل عن المالكي، ولكن الإيرانيين ردوا بتزوير أكبر وحشدوا عملائهم تحت شعار (الدفاع عن الملّة) لمنع علاوي من تشكيل الحكومة وكان لهم ما أرادوا، عندها شعر الأمريكان أن العملية السياسية في العراق بدأت كالرمل تتسرب من بين اصابعهم لصالح إيران. حاول بعض المحيطين بالمالكي مثل علي الدباغ وسعد المطلبي وسامي العسكري أن يجعلوا الأمريكان يمتسكون بخيط الأمل وقالوا لهم إن خضوع المالكي للإيرانيين تكتيكي ووقتي وأنه سينقلب عليهم كما إنقلب على الصدريين في صولة الفرسان، ولكن إيران ابلغت الأمريكان رسالة واضحة مفادها إذا أردتم إستمرارالبقاء في العراق والحصول على الحصانة لجنودكم فإطرقوا باب طهران، وخلال مفاوضات الأمريكان مع المالكي حول الحصانات تأكّد لهم أنه لا يملك القرار وإنه لا يستطيع أن يعصي لإيران أمران.



2- إن هزيمة أمريكا في معركة الهيمنة على (العملية السياسية) لصالح إيران، جعلها لا تبالي إذا ما إنهارت هذه العملية سواء من الداخل أو من الخارج. ويمكن تلمس بعض المواقف الأمريكية في هذا الإتجاه منها دفعها عملائها لدعم تشكيل الفيدراليات في محافظات صلاح الدين والأنبار والموصل، ومنها تشدد الأكراد ورفض البارزاني القدوم الى بغداد للتفاوض مع المالكي ومنها ما نقلته وسائل الإعلام عن مسؤول بريطاني كشف ملامح خطة غربية لإستبدال القوات الأمريكية في العراق بقوات من الإتحاد الأوربي والتفكير بإصدار قرار أممي يؤكد عدم أهلية حكومة المالكي من خلال إستخدام مكتب الأمم المتحدة في العراق (يونامي) لأصدار تقرير يؤكد حصول انتهاكات لحقوق الإنسان وصراعات طائفية قد تقود البلد الى حرب أهلية مما يستدعي تدخل المجتمع الدولي، ومنها الرسائل السرّية التي بدأت تترى من الأمريكان والبريطانيين لأطراف فاعلة في المقاومة العراقية لفتح حوار معها حول مستقبل العراق.



ثالثا : أما إعلان رايس إن هدف الغزو والإحتلال هو إزالة صدام حسين كونه يشكل عقبة كبيرة أمام تشكيل الشرق الوسط الجديد، فأدناه الملاحظات بشأنها :

1– كشفت رايس في هذا التصريح تخبطها وضعف مهنيتها. فرايس هي الداعية الأكبر لتشكيل الشرق الأوسط الجديد وهي تعلن في كل تصريحاتها إن أول أهداف هذا المشروع هو نشر الديمقراطية، ثم تأتي في هذا التصريح لتقول إن إحتلال العراق هو اساسي لتشكيل الشرق الأوسط الجديد ولكن ليس لنشر الديمقراطية في العراق!!! إن أي مبتديء في دراسة العلاقات الدولية لا يمكن أن يسقط في مثل هذا التناقض الفاضح في المنطق!



2– من يطلع على مذكرات بوش ورايس وجورج تينيت ورامسفيلد وغيرهم من عتاة اليمين المتصهين الأمريكي، وجميعها نشرت خلال الأشهر القليلة الماضية، أي بعد ثمان سنوات من إحتلال العراق، يخرج بإنطباع واضح هو أن هؤلاء إتخذوا من صدام حسين عدوا أبديا لا ينفكون عن شتمه ليل نهار. حتى إن رايس إعتبرت أن الخسائر الأمريكية المتكبدة (آلاف القتلى والجرحى وثلاثة ترليونات دولار خسائر مادية وهزيمة عسكرية وسياسية مذلة لأمريكا على مستوى العراق والعالم) هي ثمن يستحق دفعه لإزالة صدام، وهذا يطرح سؤالا جوهريا : لماذا يحقد اليمين الصهيوني الأمريكي على صدام لهذا الحد؟ ولماذا كان، ولا يزال، صدام حسين هو الهدف المعادي الأول للسياسة الأمريكية؟ هل السبب هو ما ذكرته رايس لإنه كان يطلق النار على طائراتهم في منطقة حظر الطيران، وهو إجراء مشروع بموجب القانون الدولي كون مناطق حظر الطيران غير شرعية ولا أساس لها في قرارات مجلس الأمن كما أن إطلاق النار هذا لم يتسبب بسقوط ولو طائرة واحدة من طائراتهم؟ أو لتدبيره مؤامرة لإغتيال بوش خلال زيارته للكويت، وهي مسرحية ثبت فبركتها من قبل الكويت وامريكا؟ أم لإنه إستخدم الأسلحة الكيمياوية في الحرب العراقية الإيرانية ردا على إستخدام إيران لهذه الأسلحة؟ أو لإنه شن حروبا في السابق؟ أم أن السبب الحقيقي هو أن صدام وحزب البعث وشعب العراق بنوا تجربة وطنية مستندة إلى عقيدة بعث الأمة العربية وحقها في التحرر والإستقلال والتنمية والدفاع عن الشعوب المضطهدة، وهذا هو أكبر تحد للسياسات الأمريكية الصهيونية في المنطقة وخارجها؟ ولقد إعترف بوش بذلك ضمنا في الصفحة 288 من مذكراته قائلا (صدام كان يشن حربا غير معلنة ضد الولايات المتحدة) وأضاف (صدام كان يدفع الأموال لعوائل الإنتحاريين الفلسطينيين)، وبوش يعرف، ولم يذكر، أن العراق هو الدولة العربية الوحيدة من غير دول المواجهة التي شاركت في جميع حروب العرب ضد الكيان الصهيوني وأن صدام حسين هو الذي أصدر الأوامر بإطلاق الصواريخ على الكيان الصهيوني في أول إستهداف عسكري مباشر لإهداف في قلب الكيان الصهيوني منذ تأسيس هذا الكيان.

قبل أكثر من ربع قرن عندما أصبحت المواجهة بين العراق وأمريكا حتمية اطلق العراقيون شعار (صدام إسمك هزّ أمريكا) وسخر بعض الإنهزاميين العرب من هذا الشعار، قائلين (اين العراق الصغير من أمريكا القطب الأوحد وأين صدام من بوش) وقال قائلهم قولته المشهورة (دي أمريكا) لتخويف من يتصدى لإمريكا، وأثبتت الأيام أن إسم صدام هزّ وسيواصل هز أمريكا الصهيونية العنصرية حتى يسقطها من عليائها، وأنجز الكثير في هذا الإتجاه.



رابعا : هل سيحرج عملاء أمريكا وعملاء إيران عندما يقرأوا تأكيد رايس أن أمريكا لم تأت لنشر الديمقراطية في العراق؟ هل سيعتذر جلال الطالباني والبارزاني عن وصفهما الأمريكان بالمحررين؟ وهل سيعتذر ابراهيم الجعفري على إهداء سيف علي بن أبي طالب (ذو الفقار) إلى قائد قوات الغزو دونالد رامسفيلد عرفانا منه على تحرير العراق؟ وهل سيتبرأ المالكي من زيارته لمقبرة آرلنغتون في واشنطن ونثره الورود على قبور الغزاة؟ وهل سيسحب المالكي توقيعه من إتفاق المباديء مع بوش يوم 26/11/2007 والذي جاء في ديباجته (إن العلاقة بين البلدين سوف تكون لصالح الاجيال المقبلة وقد بنيت على التضحيات البطولية التي قدمها الشعبان العراقي والامريكي من اجل عراق حر ديمقراطي تعددي فدرالي موحد)؟ وهل سيعتذر (مراجعنا العظام) وفي مقدمتهم السيستاني الذي إستلم مائتا مليون دولار من رامسفيلد؟ وهل سيعتذر عين النجاسة جلال الدين الصغير عن إعتباره الغزو الأمريكي للعراق معجزة ربانية؟



هؤلاء جميعا ورهطهم ممن جاؤا مع الإحتلال هم رأس النفاق ولن يقبل منهم شعب العراق إعتذارا ولا إستغفارا، فهم مسؤولون، واسيادهم، عن قتل مليوني عراقي وتشريد خمسة ملايين وتدمير العراق، وهم كبعد الله بن أبي بن سلول ورهطه من المنافقين الذين خاطب فيهم الله رسوله (ص) بقوله (إستغفر لهم او لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم). أما القلّة المغرر بهم من أبناء العراق الذين زلّوا، ولمّا رأوا الحقائق عادوا إلى طريق الصواب، فقلب الوطن رحيم يقبل إعتذارهم وإستغفارهم، وخير ما يستذكر في هذه المناسبة هذه الأبيات من قصيدة (إستغفروا العراق) لشاعر أم المعارك رعد البندر :

يا من ْهرعتُمْ لاهِثين َكالجَرَاد ْ

مُنتخِبين َالوَهْمَ والذلَّ المُعَاد ْ



مُلوِّثِين َإصْبَعا ًأحرَى بهِ

بأن ْيكون َضاغِطا ًعلى الزناد ْ



خذلتُمو بلادَكمْ، وأنكمْ

خذلتُمو أنفسَكمْ قبلَ البلاد ْ



استغفِرُوا كلَّ سَجين ٍمضغتْ

أضلاعَهُ السِياط ُوالقتاد ْ



استغفِرُوا كلَّ مُقاوم ٍمشى

بجرحِهِ يجرّ ُبالضَمَاد ْ



استغفِرُوهُ.. إنهُ باع َسري

ر طفلِهِ كي يشتري عَتاد ْ



استغفِرُوا آشورَ، أورَ، بابلَ

التي رأت ْ، واستغفِرُوا شبعاد ْ



استغفِرُوا العراقَ وهوَ مأتم ٌ

يفِيضُ بالدموع ِوالسَوَاد ْ



استغفِرُوا (شيلاتِ) إمَّهاتِكمْ

حليبَهُن َوالبُكاءَ والحِدَاد ْ



والله المستعان

2 تعليقات:

غير معرف يقول...

الدكتور ناصر كمال الخلود لك ياشهيد الامه ياصدام حسين والخزي والعار للعملاء بكل انواع العماله والتبعيه

ميرا يقول...

لكم منى اجمل تحيه

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر