الراصد القديم

2011/11/02

قصّة الحرب الصامتة بين عون وفرنجيّة ما جَمعه حزب الله يفرّقه… جبران !



لا يخفى على أحد التمايُز القائم بين الحليفين اللدودين ميشال عون وسليمان فرنجية، لأسباب عدة أبرزها تنافسهما على أرض مشتركة وسعيهما إلى الموقع الأول في الجمهورية اللبنانية، وهو حلم أو هدف كل ماروني، فكيف بالحري لزعيمين يتقاسمان التوجهات والتحالفات السياسية الإقليمية والمحلية نفسها.

وفي هذا السياق، قالت أوساط مقرّبة من رئيس تيار المردة إن الأخير يعتبر أنّ المشكلة عند رئيس « التيار الوطني الحر » تكمن في مَن يحرّك « عقله »، أي صهره جبران باسيل، الذي يخطّط ويقرّر وينفّذ، وهو من يفاوض أيضا، الأمر الذي لا يتناسب مع عقليّة فرنجيّة الزغرتاويّة لعدّة اعتبارات، أبرزها أنّه يعتبر أنّ زعامته المارونيّة موازية لـ ميشال عون، وليست مناطقيّة أو محليّة على غرار النّائب الياس سكاف مثلا، في حين أنّ جبران باسيل يعتبر أنّ الزعامة المارونيّة تَتمثّل في ميشال عون وتيّاره فقط، الأمر الذي يشكّل أزمة غير معلنة بين القطبين الأساسيّين، خصوصا بعد اعتبار باسيل وزير المردة سليم كرم وزير دولة هامشيّ وصل الى الحكومة بفضل الجنرال، كما اعتباره أنّ السلطة المسيحيّة الفعليّة في الحكومة يجب أن تكون من نصيبه وحده، كون التيار الوطني الحر هو الأكثر تمثيلا ويملك أكبر كتلة نيابية مسيحية.

وأضافت الأوساط: بعد أن أدرك فرنجية أنّ تموضعه السياسيّ بعد الثورة في سوريا بحاجة إلى إعادة نظر، دفع بابنه طوني إلى خوض غمار المعترك السياسيّ ليأخذ دوره على المستوى النيابيّ، بُغية أن يتفرّغ لتحقيق مطامعه الرئاسيّة التي تشكّل مشكلة فعليّة للجنرال وصهره على حدّ سواء.

وكشف أحد المقرّبين من فرنجيّة أن التّباعد بين الرجلين بدأ يَتّسع مع تعيين باسيل وزيرا للطاقة، إذ عمل على محاصرة نفوذ فرنجية داخل الوزارة برفعه شعار « الآمر الناهي »، الأمر الذي سبّب الكثير من الخلافات غير المعلنة بين فرنجيّة وباسيل، عِلما أنّ رئيس « المردة » اعتاد على إعطاء أنصاره الالتزامات من دون تدخّله الشخصي، بخلاف باسيل الذي يحصر كلّ المناقصات والالتزامات والخدمات بشخصه من دون الرجوع الى أحد، وكلّ من يخالفه الرأي يتمّ استبعاده. ولعلّ الاختلاف في عقلية باسيل وفرنجية عائد لأنّ شخصية الأخير مبنيّة على الكرم والعطاء، خصوصا أنّه نشأ على فكرة أنّ الزعيم « يوزّع »، بينما باسيل يستخدم شتى الأساليب لحصر المسائل بيديه، كما أن شخصية فرنجيّة متواضعة وشخصية باسيل متعالية.

وأشار المصدر المقرّب نفسه أن الحادثة التي أثارت حساسيّة بين الفريقين، على سبيل المثال، مردّها إلى طلب فرنجيّة من باسيل تقوية الإرسال الضّعيف في بنشعي، من خلال نصب عمود كهرباء لتقوية هذا الإرسال، فاستمهلَ باسيل مدّة ستة أشهر، ولكنه لم يكتفِ بعدم تلبية طلب فرنجية، بل نشر الخبر في أوساطه السياسيّة مفتخرا بتسجيل نقطة على رئيس المردة، كونه طلب الخدمة شخصيّا ولم تُلَبّ، الأمر الذي تسبّب ببداية حرب صامتة بين الفريقين.

كما كشف المصدر عن صفقة لتوليد الكهرباء بدأ باسيل بإعداد العدّة لها، وسُرّب الى فرنجيّة بأنّ شريك باسيل في هذه الصفقة ينتمي الى تيّار « المستقبل »، وكاد الأمر أن يشكّل أزمة كبرى عندما اتّضح لـ فرنجيّة أنّ باسيل كان « فاتحا » على حسابه في الوقت ذاته الذي « عَيّب » على فرنجيّة قوله إنّ أموال « سوكلين » يجب دفعها (في إحدى جلسات التصويت في الحكومة السابقة)، الأمر الذي استدعى تدخّل عون لئلّا تكبر المشكلة، بعدما استشاط فرنجيّة غضبا لأنّ باسيل اتّهمه بأنه يسوّق لـ »سوكلين » ويقبض منها. فطلب فرنجيّة من عون إيقاف باسيل عند حدّه، مهدّدا إيّاه بعقد مؤتمر صحفي يفضح فيه

صفقة باسيل الكهربائيّة مع الشريك المفترض في « المستقبل ».

أمّا الأزمة الشخصيّة، وفق المصدر المقرّب نفسه، فكانت عند استملاك فرنجيّة منزلا له في الرابية، فاعتبرها عون مؤشرا إلى طموح زعيم المردة الرئاسي بالانتقال من الريف إلى المدينة. كما أنّ إعادة تنظيم هيكليّة « المردة »، وامتداده في جبل لبنان والبقاع لم يهضمهما عون.

أمّا جلسة « غسل القلوب » التي أشار إليها فرنجيّة في كلامه الأخير عبر « كلام الناس »، فهي كناية عن دعوته عون إلى مساعدته على التحرّك والانتشار وليس وَضع العصي في دواليبه، عازيا هذه الدعوة إلى أنه يبقى من الأفضل أن يستقطب « المردة » العونيين، عوض أن تَتلقّفهم « القوّات اللبنانيّة »، خصوصا أنهما حليفان، بخلاف « القوات » البعيدة كل البعد عن خطابهما السياسي.

وكشف المصدر أنّ فرنجيّة أكّد لـ عون بأنّه لا ينتمي لتيّاره السياسي، قائلا له: « لي خصوصيّتي ولك خصوصيّتك وأنا لست زعيم زغرتا فقط، أنا زعيم مسيحيّ لبنانيّ لديّ مشروعي، وأنا حرّ إذا أردت العمل كي أصل للرئاسة شاء من شاء أو أبى من أبى ». أمّا عون، فتقول الأوساط، إنّه طلب من فرنجيّة ترتيب العلاقات مع أشخاص عدّة، من ضمنهم باسيل، لكنّ فرنجية أجابه: « مثلما أنت تتمسّك بأتباعك، أنا أيضا أمتلك مناصرين وأتباعا، وأتمسّك بهم على الحلوَة والمُرّة ». ونتيجة غسل القلوب، تمّ الاتّفاق على ما يلي:

أوّلا- أترك لي هامشا في السياسة لأترك لك هامشا في التنظيم. وأوضح المصدر أنّ ترك الهامش لا يعني الحصول على إذن، خصوصا أن فرنجية هو حليف سوريا حزب الله قبل عون، إنما المقصود عدم الاصطدام بين الحلفاء.

ثانيا- إذا سقط النظام في سوريا لن يتأثّر عون بقدر ما سيتأثّر فرنجيّة، على اعتبار أنّ الأول يمكنه الرجوع الى الكونغرس الأميركي وفرنسا، لأنّه كان ينسّق معهما في السابق بل كان حليفهما، بخلاف فرنجيّة الذي لم يتحالف سوى مع عائلة الأسد.

ثالثا- طالب فرنجية عون باحترام خطوطه الحمراء، إذ لدى رئيس المردة تواصل مع بعض قوى 14 آذار بحكم العلاقة الجغرافيّة بالوسط السنّي، إذا كان ذلك في عكار أو طرابلس. علما أنّ رؤساء كوادر تيّار المردة يعتبرون أنّ « جماعة عون مراهقين في السياسة، ولا يعلمون كيف تصنع التسويات »، إذ إنّهم متشدّدون ومتطرّفون ومعاندون كرئيسهم، عكس فرنجيّة الذي يؤمن ويعترف بأنّه لم يأتِ إلّا بدعم من أنصاره وبدعم من محيطه الجغرافي الذي يحتّم عليه الاعتدال في علاقته مع السنّة، بحيث استدرك أنّ السنيّ شريكه قبل الشّيعي، إذا بَقي الحريري أم استبدل!

ويرى فرنجيّة، وفق الأوساط المقرّبة نفسها، أنّه أدرك وجوب استمالة السنّة والشّيعة على حدّ سواء، في حال نجح طبعا بذلك، لأنّه على يقين من أنّ الحفاظ على الوجود المسيحي في لبنان يحتّم تحالفا مع المكوّنات الإسلاميّة على اختلافها، وليس الاحتماء بطائفة واحدة فقط، بعكس الجنرال عون وخياراته الأحادية.

رابعا- حصر ملفّ العلاقة مع المردة والتيّار العوني بالزعيمين عون وفرنجيّة وحدهما.

وعليه، ثمّة حالة من ترقّب بين عون وفرنجيّة، هذه الحالة التي اخترقها حزب الله بدخوله على خطّ المصالحة، إذ كشفت هذه المصادر من أنّ كوادر الحزب في الشمال بدأت تتمدد، وهي تحاول إيجاد أرضيّة متينة لها في عاصمة الشمال لتمدّدها العسكريّ والماديّ…! وقد لمست هذه الكوادر ثقل تيّار المردة وحيثيته في الشمال، كما لَفَتَها شعبيّته المتزايدة بعد الورشة التنظيميّة للحزب على صعيد لبنان كلّه، وعدم تأثّر زعامة فرنجيّة برياح الانقلابات العاتية القادمة من سوريا. وهذا ما دفع، على الأرجح، أمين عام حزب الله للتدخّل بغية إصلاح الشرخ الواقع بين فرنجية وعون بسبب « الصهر العزيز »، كما إنّه لا يخفى على الأوساط نفسها بأنّ حزب الله يدرك جيدا أنّ أيّ خلل يصيب مسيحيي 8 آذار لن يكون لمصلحته، لا بل يؤدي إلى إضعاف موقعه الداخلي في لحظة حرجة خارجيّا، وبالتّالي لن يسمح لـ باسيل بأن يفرّق ما جمعه هو، أي « حزب الله ». وبالنسبة الى الجنرال، صحيح أنّ رغبات السيّد أوامر، ولكنّه في الوقت نفسه يَستقرىء وصهره ماذا يمكنهما أن يكسباه من فرنجيّة بعد سقوط النّظام السوري؟



مرلين وهبة -الجمهورية

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر