الراصد القديم

2011/11/12

ياسر عرفات اسير كتب التاريخ...


بقلم: خيرالله خيرالله


في الذكرى السابعة لغياب ياسر عرفات، محدد الهوية الوطنية الفلسطينية الحديثة، يبدو مشروعا التساؤل اين نجح واين فشل هذا الرجل الكبير الذي كان على قاب قوسين او ادنى من تحقيق حلم الدولة الفلسطينية المستقلة على ارض فلسطين.

في الحادي عشر من تشرين الثاني- نوفمبر 2004، غاب الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني. غاب الرجل الذي استطاع وضع فلسطين على الخريطة السياسية للشرق الاوسط. ذلك هو الانجاز الاستثنائي الذي حققه ياسر عرفات الذي لم يستطع للاسف الشديد اتخاذ قرار تاريخي بانهاء النزاع بطريقة او باخرى بما يحقق الحد الادنى من الحقوق الفلسطينية.

الثابت ان اسرائيل الرافضة لايّ تسوية تضمن قيام دولة فلسطينية "قابلة للحياة" لم تساعد في ذلك. لكنّ الشجاعة تقتضي الاعتراف بانّ العرب لم يساعدوا "ابو عمّار"، بل جعلوه في كل وقت مضطرا الى ان يحارب على غير جبهة. في الاساس، ان الخطأ الفلسطيني خطأ عربي في وقت لم يتغيّر الهدف الاسرائيلي القاضي بالاستيلاء على اكبر مساحة ممكنة من الارض الفلسطينية، بما في ذلك القدس الشرقية استكمالا لحرب العام 1967 التي لم يستطع العرب فهم النتائج المترتبة عليها. وقعت حرب 1967 لانّ معظم العرب لم يستوعبوا دروس الحرب السابقة في العام 1948. لم يستوعبوا خصوصا انه كان عليهم القبول بقرار التقسيم وان لعدم قبولهم به ثمنا.

بدل التعاطي مع قرار التقسيم بشكل ايجابي، شنّوا حربا مكّنت اسرائيل في العام 1948 من احتلال مزيد من الارض وتهجير اكبر عدد ممكن من الفلسطينيين من مدنهم وقراهم.

لم يدرك العرب في العام 1948، باستثناء الملك عبدالله، جدّ الملك الحسين، رحمه الله، ان قرار التقسيم جزء من عملية رسم خريطة الشرق الاوسط التي بدأت تتبلور منذ اتفاق سايس- بيكو في العام 1916، ثم وعد بلفور في العام 1917. اتّهم الملك عبدالله بالخيانة كونه حاول ادخال بعض المنطق وبعض الوطنية الحقيقية الى التفكير العربي السائد الذي راح الفلسطينيون ضحيته!

للمناسبة، ومجرد المناسبة، حافظ الاردن على القدس في العام 1948. خاض جيشه، الجيش العربي، معارك طاحنة دفاعا عن المدينة وبغية المحافظة عليها وعلى عروبتها. لم تسقط القدس الاّ في العام 1967 نتيجة التخاذل العربي والمزايدات والخدع التي تعرّض لها الملك الحسين والجيش العربي الذي روت دماؤه اسوار المدينة وشوارعها...

ترك "ابو عمّار" فراغا ضخما يصعب على اي شخص ملؤه في غياب المؤسسات الفلسطينية... وترك قضية لا تزال عالقة منذ بداية القرن الماضي. ربّما كان غياب المؤسسات الفلسطينية من نقاط الضعف التي عانى منها الفلسطينيون في مرحلة ما بعد "ابو عمّار"، نظرا الى ان الرجل كان يعتقد ان في استطاعته اختزال المؤسسات في شخصه وانّ عليه ان يكون في كلّ مكان وان يتدخل في كل كبيرة وصغيرة.

اذا اخذنا في الاعتبار الظروف التي رافقت صعود نجم ياسر عرفات ومعه "فتح"، نجد ان ما حققه الرجل كان اقرب الى معجزة من اي شيء آخر. يكفي انه انتزع القضية الفلسطينية من براثن بعض العرب الذين لم يكن لديهم همّ سوى المتاجرة بالشعب الفلسطيني للمحافظة على انظمتهم...

لا شكّ ان ياسر عرفات ارتكب اخطاء كثيرة. لا مجال لتعداد هذه الاخطاء الان، علما انه كان في استطاعته تفاديها، اكان ذلك في الاردن او لبنان، حيث استخدمه النظام السوري في عملية تفتيت البلد واثارة النعرات الطائفية والمذهبية خدمة لاهداف خاصة به... او تجاه الكويت في العام 1990. ولكن بعد سبع سنوات على رحيله في ظروف قد تكون غامضة كما قد تكون واضحة اكثر مما يجب، لا يزال السؤال الكبير الذي يطرح نفسه هل اضاع "ابو عمّار" الفرص التي اتيحت له ولم يستطع استغلالها الاّ بعد فوات الاوان؟

انه بالفعل السؤال الكبير الذي يطرح نفسه بالحاح اكثر من اي وقت في ظل التعقيدات التي تواجه القضية الفلسطينية في السنة 2011 والتي تجعل شخصا مثل رئيس السلطة الوطنية السيد محمود عبّاس (ابو مازن) يفكّر جديا في حل السلطة مع ما يعنيه ذلك من عودة للاحتلال الى الضفة الغربية.

في النهاية، يظل الاحتلال الصريح افضل من الاحتلال المقنّع الذي تحاول اسرائيل فرضه!

بعد سبع سنوات على غياب ياسر عرفات، هل يمكن البناء على ارثه وتفادي الاخطاء التي وقع فيها. على رأس هذه الاخطاء التساهل مع خصومه الى حد السماح للنظام السوري والعراقي بان تكون لكلّ منهما مجموعته الفلسطينية المسلحة الخاصة به (الصاعقة وجبهة التحرير العربية) وذلك في مقابل ابقاء الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان على حساب سيادة البلد ووحدة ابناء شعبه بصفة كونه "ساحة" لا اكثر.

ليس سرّا انه كان في استطاعة ياسر عرفات الاقدام على خطوة شجاعة في العام 1976 عندما طلب منه الرئيس كارتر الاعتراف بالقرار 242 "مع ابداء التحفظات التي التي يريدها" على نص القرار. فكارتر تحدث منذ دخوله البيت الابيض عن الحاجة الى "وطن للفلسطينيين". كان في استطاعة "ابو عمّار" ايضا الاستفادة من التحرك المصري الذي بدأ بزيارة الرئيس الراحل انور السادات للقدس المحتلة والقاء خطاب في الكنيست. رضخ ياسر عرفات للمزايدات والمزايدين الذين كانوا يريدون مصادرة القرار السياسي الفلسطيني المستقل في مقابل ابقاء السلاح الفلسطيني محصورا في لبنان. الاكيد ان اسرائيل لم تكن ضدّ ذلك. لم تكن يوما ضدّ الوجود العسكري السوري في لبنان او ضدّ اشغال الفلسطينيين بالحروب الصغيرة في هذا البلد العربي او ذاك!

حتى بعد توقيع اتفاق اوسلو في العام 1993، لم يستغلّ ياسر عرفات عامل الوقت. لم يدرك ان الوقت لا يعمل لمصلحته. ترك خصومه من اسرائيليين وعرب وغير عرب، ينسفون كلّ ما تحقق منذ وطأت قدماه ارض فلسطين. سحبت جبهة الرفض العربية- الاسرائيلية- الايرانية البساط من تحت رجلي ياسر عرفات. لم تقبل هذه الجبهة حتى ان يلقي ياسر عرفات كلمة، تنقل عبر الاقمار الاصطناعية، في القمة العربية التي انعقدت في بيروت في العام 2002. بعد ذلك، راح الذين حالوا دون القاء الكلمة يدعمون توجه "ابو عمّار" المحاصر الى عسكرة الانتفاضة كونهم يعرفون ان ذلك سيقضي عليه!

المستغرب انه الى الآن، لم ينشر التقرير المتعلق بظروف وفاة الرجل. ربما كان ضحية تسميم او ما شابه ذلك، وربما مات موتا طبيعيا. الا يستأهل الفلسطينيون معرفة ظروف وفاة زعيمهم التاريخي ولو بعد مضي سبع سنوات على ذلك؟

من يتمعّن في ارث ياسر عرفات، يكتشف انه كان بالفعل رجلا استثنائيا. وضع فلسطين على الخريطة السياسية للشرق الاوسط. انّه يقرع ابواب القدس يوميا من حيث هو، لكنه لم يحسن ان يقطف في كلّ مرة حان فيها وقت القطاف. ربما بقي اسير عقدة ماذا سيرد عنه في كتب التاريخ وماذا سيقول عنه العرب، علما انه كان يعي في كلّ لحظة ان عليه ان يحارب على غير جبهة وحيدا في معظم الاحيان!

خيرالله خيرالله

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر