الراصد القديم

2011/11/24

ديمقراطية بلا خبز: التونسيون لم يقطفوا ثمار الثورة


ضاق رضا بن صالحة ذرعا من انتظار أن تترجم الثورة التونسية الى حياة أفضل في بلدته.

فقد أمضى مع مجموعة من أصدقائه وجيرانه أسابيع معتصمين أمام محطة لمعالجة الغاز والنفط تابعة لاكبر شركة في تازركة من أجل الضغط على أصحابها لتوفير المزيد من الوظائف لسكان البلدة واستثمار مزيد من الاموال في المجتمع المحلي.

وكانوا يأملون بعد الاطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي في يناير/كانون الثاني ببعض الارتياح من الفقر وعدم تكافؤ الفرص.

لكن هذا لم يحدث.. ويشتعل غضب الناس في تازركة الواقعة على بعد 90 كيلومترا جنوب شرقي العاصمة.

وقال بن صالحة "لا نطلب سوى حقوقنا" وكان يتحدث من أمام المحطة التي أوقف العمل فيها هو وعشرات أخرون في أواخر الشهر الماضي بمنعهم الشاحنات من مغادرة المحطة وهي تحمل أسطوانات غاز الطهي.

وتمثل تازركة تحذيرا للسلطات في تونس في مرحلة ما بعد الثورة مما قد يحدث للبلاد في حال لم تقترن الحريات الجديدة التي حققتها الثورة مع رفع مستويات معيشة الناس العاديين.. وبسرعة.

يقول دبلوماسي غربي في العاصمة تونس "لماذا يدعم السكان الديمقراطية ما لم يحصلوا على أي شيء..ما لم يحصلوا على عمل".

واندلعت الشرارة الاولى للثورة التونسية عندما أشعل بائع خضروات النار في نفسه احتجاجا على قمع السلطات لتتفجر احتجاجات ضخمة أجبرت بن علي على الهرب.

وألهم نجاح الثورة التونسية انتفاضات في مصر وليبيا واليمن وسوريا غيرت المشهد السياسي في منطقة الشرق الاوسط.

والشهر الماضي حظيت الدولة الواقعة في شمال أفريقيا باشادة جديدة باعتبارها منارة في المنطقة عندما أجرت أول انتخابات ديمقراطية في تاريخها وسلمت السلطة لحكومة اسلامية معتدلة.

لكن وراء تقدم تونس صوب الديمقراطية تكمن حقيقة مزعجة هي أنه بعد مرور عشرة أشهر على الثورة تدهورت مستويات معيشة المواطن التونسي العادي على نحو أكبر.

وتتفهم الحكومة الجديدة- التي تدرك أن الثورة تفجرت ضد ارتفاع البطالة والفقر كما تفجرت ضد القمع- الحاجة الى رفع مستويات المعيشة. لكن التباطؤ الاقتصاد الحاد بعد رحيل بن علي يكبل يديها.

وألغى سائحون أجانب - هم أكبر مصدر للعائدات لتونس- حجوزات وجمد بعض المستثمرين الاجانب مشروعاتهم.

وتضرر النمو بشكل أكبر جراء الصراع في ليبيا أكبر شريك تجاري لتونس في المنطقة.

وتشير التوقعات الى تراجع نمو الناتج المحلي الاجمالي من ثلاثة في المئة في العام الاخير من حكم بن علي الى نحو 0.2 بالمئة هذا العام بالرغم من أن مسؤولين يتوقعون ارتفاع النمو الى 4.5 بالمئة في 2012.

ووفقا لتوقعات البنك المركزي سيرتفع معدل البطالة الذي بلغ 13 بالمئة في نهاية 2010 الى 14.5 بالمئة هذا العام. ومعدل البطالة بين الشباب أعلى كثيرا.

وحذر محافظ البنك المركزي التونسي مصطفى كامل النابلي من عواقب الفشل الاقتصادي.

وكتب في تقريره السنوي أن العملية الديمقراطية التي يتطلع اليها التونسيون لن تنجح الا اذا كانت الظروف الاقتصادية والاجتماعية مواتية.

وتازركة واحدة من حكايات الامال المحطمة والفقر المدقع.

وتقع البلدة على مسافة قصيرة بالسيارة من الحمامات ذلك المنتجع الفاخر الذي يقيم فيه السياح الالمان والفرنسيون في شواطيء خاصة تحيط بها شجيرات البوجنفيلية المورقة.

وقبل الثورة كان ابن شقيق بن علي يمتلك فيلا هناك بها حوض للسباحة وحديقة تزينها أحجار الكوارتز.

وفي الطريق الى تازركة يتوارى هذا المشهد. فالقرى المتناثرة على الطريق ما هي الى مجموعة متداعية من الاكواخ البدائية تتناثر أكوام القمامة فيما بينها.

وخارج البلدة ينحني مزارع عجوز وزوجته في حقل يزرعان الجزر. وهناك عدد قليل من السيارات. ويستخدم الشبان الدراجات في تنقلاتهم بينما يستعين المزارعون بعربات تجرها الخيول لنقل منتجاتهم.

ومنذ ثلاث سنوات شيدت المحطة بجوار البحر.

وهي مملوكة لشركة ايني النفطية الايطالية والمؤسسة التونسية للانشطة البترولية المملوكة للدولة وتعالج المحطة انتاج النفط والغاز من حقلي بركة ومعمورة الواقعين في البحر المتوسط.

وساور الامل السكان في تازركة في أن تجلب لهم المحطة الوظائف والمال.

لكن سرعان ما أصابتهم خيبة الامل. وأبلغ أشخاص شاركوا في الاعتصام رويترز ان 20 فقط من أبناء المنطقة يعملون في المحطة في وظائف لا تتطلب مهارات مثل حراس الامن.

وكان هناك حديث عن أن الشركة المالكة للمحطة تسهم في تحسين البنية التحتية بالبلدة مثل شق طرق جديدة وهو ما أكد المحتجون انه لم يحدث على الاطلاق.

لم يثر أهالي البلدة المساءلة فالوقت لم يكن مناسبا. فقد كانت الدولة البوليسية التي يحكمها بن علي تطارد أي منشق وفي كل الاحوال كان الناس يتوقعون أن تتجاهلهم السلطات.

لكن الثورة غيرت كل هذا.

تغير رئيس البلدية ومع تجدد الامل في مساندة السلطات الجديدة لهم حاول سكان تازركة مرة أخرى أن يحصلوا على ما يعتبرونه حقهم.

فوضعوا قائمة بمطالبهم لتسليمها الى المحطة هي تقديم منحة قدرها ثلاثة مليارات دينار تونسي (مليونا دولار) سنويا الى مكتب رئيس البلدية وتعيين 100 ألف من سكان البلدة وتقديم 120 ألف دولار للجمعيات الشبابية المحلية و2000 دولار لكل عائلة من العائلات الفقيرة في البلدة وعددها ثلاثة الاف.

وحاول رئيس البلدية الجديد التدخل. وعقدت اجتماعات واجتمع مسؤولو مكتب المحافظ بل ومسؤولون من الشرطة والجيش مع المحتجين.

ولكن عندما لم يظهر المال قرر السكان أن يتخذوا موقفا متشددا. فأقاموا المتاريس أمام كافة مداخل المحطة لتعطيل العمل ونظموا نوبات حراسة على مدار الساعة.

وانتهى الحصار في وقت سابق من الشهر الحالي بعد أن أجرت الحكومة محادثات مع ممثلين لشركة ايني والمؤسسة التونسية للانشطة البترولية.

وقالت وزارة الصناعة في بيان ان حلول النزاع لا تزال قيد البحث.

وليس في وسع سكان البلدة سوى الانتظار على الاقل في الوقت الحالي.

وقال عبد اللطيف الاسعد (23 عاما) الذي غادر تازركة بحثا عن عمل في باريس وعاد في عطلة "ليس هناك سوى شيء واحد في هذه البلدة..هذه (المحطة).

"هناك الكثير من العاطلين في تازركة. هناك فقط مكتب البريد ومركز الشرطة.. وهذا كل شيء".

وقال مسؤول تنفيذي لايني في تونس انه غير مخول بالحديث عن النزاع. ولم يرد مقر الشركة في ايطاليا على طلب من أجل الحصول على التعقيب.

ويمكن أن تنطبق قصة تازركة على أي واحدة من مئات البلدات التونسية التي تشبهها.

وحصلت الحكومة المؤقتة على حزمة مساعدات كبيرة من الاتحاد الاوروبي ومجموعة الثماني بغية درء أزمة اقتصادية وشيكة. وشجع الائتلاف الذي يقوده الاسلاميون الذي سيتولى السلطة قريبا المستثمرين بتعهده بانتهاج سياسيات ليبرالية صديقة للسوق.

لكن من المستبعد أن تتمكن الحكومة من تحسين الامور بسرعة كافية لتفادي الاحتجاجات لاسيما في المحافظات الفقيرة البعيدة عن المراكز السياحية الساحلية.

ومن المرجح أن تستأنف النقابات العمالية التي كانت احدى القوى الرئيسية المحركة للثورة الاضرابات والاعتصامات التي علقتها قبل انتخابات الجمعية التأسيسة. ومن الممكن أيضا أن يقوم الشبان العاطلون بأعمال شغب كما فعلوا عدة مرات هذا العام.

وقال جان بابتيست غالوبين من مؤسسة كونترول ريسكس الاستشارية "تسببت احتجاجات جمعت بين شبان محرومين... ونشطاء (النقابات) في اسقاط حكومتين بالفعل منذ الاطاحة ببن علي.

"على الحكومة الجديدة أن تأخذ ذلك في الاعتبار".

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر