الراصد القديم

2011/11/04

الأصالة والنذالة



إن من يتابع الأحداث التي تمر على الأمة العربية في العقود الزمنية الأخيرة وما يعتريها من خلل وما يشوبها من ضياع أحياناً بسائل نفسه أنحن في زمن الردة الجديدة ؟!... والردة القديمة في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه كانت خروجاً عن بعض الواجبات الدينية المفروضة إنما ردة البعض في هذه الأيام هي ردة النذالة والخساسة والسفالة فابن الشجري في كتابه الأماني الشجرية يقول " من النذالة أن يأكل الإنسان بدينه والسافل هو الذي لا يبالي بما يقول وبما يقال عنه " ونعيق الغربان كان وما زال رمز شؤم لدى العديد والترابط قديم بين ذلك الصوت وبين ما توافق عليه أعلام اللغة الذين ربطوا كلمة نعق بالفتن وقيل في المعاجم المفسرة نعق في الفتنة نعقاً .. وجمعها نواعق وهو النفاق الذي يرين على قلوب أعمتها المصالح الذاتية يوجهها المعادون للأمة والوطن والقيم والدين فهم جميعاً في الدرك الأسفل من النذالة والله جلت قدرته قال في كتابه الحكيم " إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار "
لقد أدلى العديد من المنافقين بدلائهم في تأجيج الفرقة بين القطرين الجزائري والمصري اثر ما تمّ مؤخراً عقب مباراتي كرة القدم وشمل أوار الفتنة حتى القطر السوداني الذي استضاف اللقاء الكروي الأخير وأمام المواقف المشينة من قبل بعض المسؤولين الرسميين والإعلاميين ومن فقدوا عقولهم فانجرفوا خلف انفعالاتهم وغرائزهم ، راحت أصوات ذوي الأصالة والنباهة والعروبة منبهة ومدينة لما جرى وما يجري من خروج عن أبسط مقومات , تآلفنا عليها ماضياً وحاضراً فكانت الركن الأساسي في معتقدنا , إنهم الأهل والأحبة معقد الرجاء والأمل لأيامنا الحالية المظلمة وقمم الشموخ الصانعة لغدنا المشرق , وفي لحظات التيه والضياع تنبري أقلام عدة لتحلل و تحمل المسؤولية لطرف أو لآخر أو لمجموعة أطراف ومنها من يغلف التشاؤم كلماته وحروفه من خلال استنتاجات غير منطقية وهذا طبيعي في حالات هيجان واضطراب الأحاسيس لذا فالتهدئة أساسية وعدم رمي الجمار أساسي أيضاً , وفي مثل هذه اللحظات تتوجب العودة إلى الأصول لتدارك المنزلقات التي نحن أحوج ما تكون للبعد عنها وضوابط الأصول وقد أ خذ الحدث بعداً سياسياً تتركز في :


الفكر القومي رئة المجموع التي يتنفس بها الإنسان العربي وهي لازمة الوجوب والوجود لحياته و العمل من أجل تحقيق الوحدة العربية فرض شرّعه التاريخ واجب الأداء على كل فرد وعلى كل مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني – على ضعفها وقلة عددها في أيامنا – وعلى الجهات الرسمية , هو أسمى أعمال الوطنية فالوحدة حرزنا الأمين من غوائل الدهر ومن المؤامرات التي راحت تنصب علينا انصباب الهطل الغزير بفعل عوامل ذاتية خلقتها بعض الأنظمة الرسمية المميزة في الحقوق بين مواطنيها تحت عناوين عدة لتعزيز سيطرتها الشمولية على البلاد وبذلك خلقت مادة دسمة يستغلها الأعداء الذين يعملون على تقسيمات جديدة للأرض العربية رسموا إستراتيجيتها منذ ثمانيات القرن الماضي وحُدد عدد الدويلات الجديدة التي ستولد في كل قطر عربي بدون استثناء لواحد منها ولأن العمل الوحدوي واجب لضروراته التاريخية في زمننا المعاصر فإن أي عمل أو حديث أو حتى كلمة صدر واحدها من أية جهة فالتقييم الموضوعي أنه موقف حياني وحديث خائن وكلمة خائنة

ب- التسليم بفرضية الواجب يخرجه من دائرة المنة والإحسان فالله العلي القدير لوحده المنان على البشرية بالإيمان وقد نبهنا تراثنا القديم في حكمه إذ جاء في الأمثال القديمة " المنة تهدم الصنيعة " ويضرب لمن يقوم بعمل جليل ثم يعود عليه بالإفساد , لكن من حق كل عربي أن يفخر بالمواقف المشرفة التي قدمها قطره دعماً وتمتينا لنضال قطر آخر وإنهاء محنته التي أصيب بها أو لمساعدته على التحرر من الاحتلال والاستعمار

جـ - أمام كل الحالات التي تعترض مسيرتنا يجب إعمال العقل والنفاذ من خلال البصيرة إلى كل ما يحقق أمانينا الواحدة والحذر والابتعاد عن الغرائز فالغريزة دافع فطري للسلوك التلقائي غير الواعي لدى الكائن الحي والتي غالباً ما يكون بعضها ضد الأخلاق وتحد للوازع الثقافي المؤثر على سلوكيات الأنماط الطبيعية للحياة , ومن هذه النقطة يتبدى دور القيادات الفكرية على جميع المستويات في العمل على تخفيف بل إنهاء النزوات الطارئة لإحلال العقل بديلاً لها , ومقصر بكل المقاييس من لا يسهم بذلك ,كما أنه مجرم بحق الوطن العامل على تأجيج أوارها
ما ذكرناه يعد بمثابة قوانين عامة للفكر والواقع وإلزامية التقيد بها حتمية وتلك هي سنن الشعوب المؤمنة ومنها شعبنا العربي الواحد الذي ترك عند كل منعطف تاريخي روائع قيم وأصالة الموقف ولن نعود إلى الماضي البعيد العبق بمسكه لكن لنأخذ من تاريخنا القريب شواهد عديدة شامخة لهذه الأمة فردية كانت أم على مستوى الجمع يرباؤون بها عن أهلهم عملاً بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم " مثلي ومثلكم كرجل ذهب يربأ بأهله " أي يحفظهم من عدوهم

وحكاية الشهيد عز الدين القسام الذي استشهد سنة 1935على الأرض الفلسطينية والذي ردد أهل حيفا أثناء وداعهم له في رحلته إلى جنان الخلود
عز الدين يا مرحوم موتك درس للعموم
آه لو كنت تدوم يا رئيس المجاهدين
عز الدين ياخسارتك مت فدا أمتك
مين بينكر شهامتك يا رئيس المجاهدين
وجدّ القسام الشيخ مصطفى انتقل من العراق إلى مدينة جبلة على الساحل السوري حيث ولد الشهيد عام 1871 وعندما كبر عمل في جامع السلطان إبراهيم يومها كانت المساجد والكتاتيب أماكن للعلم والتعليم وفي عام 911ا احتل الإيطاليون ليبيا فبادر إلى جمع التبرعات و المتطوعين من أجل مساندة رفيق نضاله الشهيد عمر المختار, فذهب إليه مقدماً له ما جمعه لأن السلطات التركية لم تسمح للمتطوعين بالسفر , وضيق الفرنسيون عليه وحاولوا إغراءه بالمناصب فرفض وانتقل إلى حيفا وعنه تقول جدته الفاضلة أمينة النعنوع قبل وفاتها " أن جده انتقل للعمل المسلح في اللاذقية فور إقرار الانتداب الفرنسي على سوريا وكان كجده مقاوماً للاحتلال الفرنسي وبعد انتقاله لحيفا لم يكتف هو وشقيقه من المال الذي معهما بل أعاد أخاه إلى جبلة ليبيع منزلهما وإحضار المال لدعم المجاهدين " واستشهد ذلك العربي العراقي الأصل السوري المنبت على الأرض العربية الفلسطينية أثناء اشتباكه مع مجموعة من رفاقه بقوات الانتداب البريطانية ويستمر العطاء وتتكاثر التضحيات ويحكي المجاهد العربي السوري زهير شاويش عن ذكريات أيام الجهاد قائلاً لقد كانت الدعوة في الشام إلى تشكيل كتائب الجهاد في سبيل الله في فلسطين قد انطلقت من حي الميدان الشهير في دمشق, وأول اجتماع عقد في دار المهايني وحضره الشيخ محمد الأشمر المناضل ضد فرنسا حيث أعلن عن افتتاح باب التطوع للجهاد ما بين عامي 1946 - 1947 والمجاهد الشاويش يعرب عن اعتزازه ويفتخر باستجابة القيادات المسيحية للدعوة للتطوع بعد أن زارهم ورفاقه في مدينة حمص ويضيف الكاتب محمد جدوع صوراً متألقة عن التضحيات في عودته للتاريخ المعاصر ليقول لقد التحق بجيش الإنقاذ ثلاثة نواب من البرلمان السوري وهم عبد السلام العجيلي من الرقة في الشمال وأكرم الحوراني من حماة في وسط سوريا وغالب عياشي من ادلب في شمال غرب سوريا والدكتور عبد السلام العجيلي الطبيب والمفكر انضم إلى طبيبين زميلين له في المهنة وهما فيصل الركبي وشوقي الأتا سي والأخير استشهد في مغتصبة " مشمار هايردن " وذكريات تلك الأيام المجيدة أودعها العجيلي في كتبه العديدة " نبوءة الشيخ سليمان " فارس من القنيطرة " " بنادق من لواء الخليل " وكتاب " الجد والأب والابن " وفيه يؤرخ القضية الفلسطينية وفي كتابه " جيش الإنقاذ صور منه ... كلمات عنه " قال فيه " اهتمامي بالقضية الفلسطينية كإنسان عربي بدأ منذ أول وعي رسمي لي " ويوسع الكاتب السعودي محمد صفوت السقا أميني دائرة الجهاد القومية ليضم إلى الركب اللواء إسماعيل صفوت وطه الهاشمي وكلاهما من الجيش العراقي التحقا بجيش الإنقاذ ومعهم الطيار محمود الهندي العراقي الذي التحق بطائرته الخاصة وهو طيار حربي كما كان معهم العقيد محمود الهندي السوري مدير الإدارة والعمليات ومن المملكة العربية السعودية سعيد الكردي وحمزة عجلان من أبناء المدينة المنورة و الملازم في الجيش السوري إحسان كم الماز الذي استشهد في صفد شمال فلسطين
تلك شواهد ومعالم فخر واعتزاز بالانتماء للأمة العربية سواء أكانت فردية أم من خلال تجمعات حضت على النضال والجهاد في سبيل الله وللتصدي للأعداء في ظروف قاسية ضنكه وقد ماثلتها في فترات عدة مواقف مشابهة من المسؤولين في شتى المسؤوليات القيادية فجميعنا يذكر عدوان 1956 على مصر العربية من قبل ثلاث جهات معادية انكلترا – فرنسا – إسرائيل , وما جرى من تدمير لمدينة بور سعيد الرمز لتضحيات شعب مصر العربي لقد دفعت مبررات عدة لهذا الغزو في طليعتها دعم مصر لثورة المقاومة الجزائرية ضد المحتل الفرنسي , ومساندة لمصر العروبة وللدفاع عنها وضعت القوات السورية في أعلى درجات الاستنفار العسكري بانتظار البدء بالاشتباك مع العدو الإسرائيلي إلا أن المرحوم عبد الناصر طلب من الحكومة السورية عدم التدخل وأن مصر شعباً وقيادة قادرة على إفشال أهداف العدوان حيث كان من بينها ضرب سورية أيضاً وذات الصور تكررت في عام 1967 مع ما أصاب العرب من نكبة ما زالت آثارها حتى هذه الأيام
خلال تلك المأساة اعلم الرئيس بومدين الرئيس جمال عبد الناصر بأن جميع المطارات والطائرات الجزائرية تحت أمر وتصرف القيادة المصرية كما أرسلت الجزائر إلى الجبهة المصرية ثلاثة فيالق دبابات وفيلق مشاة ميكانيكي وفوج مدفعية ميداني وفوج مدفعية مضادة للطائرات وسبع كتائب إسناد وسرب طائرات ميج 21 وسربان ميغ 17 وسرب طائرات سوخوي وكان خطاب الرئيس بومدين رحمه الله للمقاتلين الجزائريين " إن جزءاً من أمتنا يقع عليها عدوان فاذهبوا ودافعوا عنه وليس أمامكم إلا خيارين النصر أو الشهادة "
وفي حرب تشرين التحريرية عام 1973 تجلت أروع وحدة للنضال الكفاحي العربي فعلى الجهة السورية تواجدت وحدات دعم مغربية وسعودية وكويتية إضافة إلى الجيش العراقي الذي شارك بدفعة حوالي 20000 جندي و 250 – 500 دبابة و 500 مدرعة وسربين من طائرات ميغ 21 و3 أسراب من طائرات سوخوي 17 وإلى الجهة المصرية أرسل العراقيون سرب هوكرهنتر قبل بداية الحرب وشاركت ليبيا بلواء مدرع وسربين من طائرات ميراج عددها 54 طائرة إضافة إلى المغرب حيث شارك بلواء مشاة ووصل مع بدء الحرب سرب أف 5 والسودان أسهم بلواءين مشاة والكويت ساهمت أيضاً على الجبهة المصرية بكتيبة مشاة وسرب هوكرهنتر
والجزائر المجاهدة بلد المليون شهيد كانت أول قطر عربي يقطع النفط عن الدول المساندة لإسرائيل والرئيس الراحل بومدين كان قد طلب من الاتحاد السوفيتي شراء طائرات وأسلحة لإرسالها للمصريين وطلب السوفيت مبالغ ضخمة قيمة الصفقة فأعطاهم شيكاً فارغاً وقال لهم اكتبوا المبلغ الذي تريدونه ولم يغادر موسكو إلا بعد أن تأكد أن الشحنات ت الأولى من الأسلحة أرسلت . المرجع موقع المسيرة العربية
وعلى الجبهة السورية يروي ضابط سوري كان في الوفد الذي ذهب للجزائر لطلب مساعدة بالأسلحة وجرت اجتماعات عدة بين الجانب السوري ووزير الدفاع الجزائري اتفق خلالها على قائمة تتضمن أعداد وأنواع الأسلحة المقدمة من الجزائر وفي اللقاء الأخير للوفدين مع الرئيس بومدين استفسر عن النتائج فوضع الجانب الجزائري القائمة بما توصل إليها الوفدان فأزاحها رجمه الله وقال للسوريين اعتبروا أن مخازن الجيش الجزائري جميعها بتصرفكم تأخذون ما تحتاجونه منها .
وفي 17 تشرين الأول أكتوبر عقد وزراء النفط العرب اجتماعاً في الكويت تقرر فيه خفض إنتاج النفط 5% ورفع أسعاره من جانب واحد مما حدا بالرئيس الأمريكي نيكسون لطلب اعتماد من الكونغرس بمبلغ 2.2 بليون دولار مساعدات عاجلة لإسرائيل يوم 19 أكتوبر تشرين الأول .
ذلك أدى إلى قيام السعودية وليبيا وباقي الأقطار العربية لإعلان حظر على الصادرات النفطية للولايات المتحدة . وفي أيامنا الحالية يتوافد المتطوعون العرب إلى الأقطار المحتلة ليشاركوا أبناءها نضالهم في العراق والصومال ... والمقاومة اللبنانية تدعم المقاومة في غزة بكل إمكاناتها .
مدعمة صمودها في وجه العدوان . لقد سطرت المقاومتان اللبنانية والفلسطينية مؤخراً أروع ملاحم البطولات في تصديها لإسرائيل .
كان ذلك غيض من فيض الأصول العربية على مدى عمر هذه الأمة المجيد وما يعترض من نذالة للأصالة العربية ليس إلا حالة عابرة مرت مثيلاتها سابقاً ... وانتهت وبقيت الأصالة المتجذرة في القلوب والعقول وبقيت الأمة العربية الخالدة وستبقى حتى نهاية الحياة .
وبرمز جميل أحببت أن أُنهي ما بدأت فنشيد الجزائر الوطني " قسما " كتبه الشاعر الجزائري نصري زكريا داخل زنزانته رقم 69 عام 1956 في سجن باربادوس الفرنسي , ولحن النشيد الملحن المصري محمد فوزي .



محمد علي الحلبي

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر